NESWANGY

سجل عضوية او سجل الدخول للتصفح من دون إعلانات

سجل الان!

غير جنسية وش المطرية التانى ..

الخديوى

مشرف قسم القصص🌟 ـ مش كل الناس ولاد ناس🌟
طاقم الإدارة
مشرف
معاون عام
العضوية الذهبيه
كاتب متميز
فارس الكلمة
نجم ايدول
الكاتب المفضل
نسوانجى جنتل مان
كاتب ذهبي
افضل عضو
العضو الخلوق
اسطورة نسوانجي
نسوانجى مثقف
نسوانجي متفاعل
نسوانجي متميز
نسوانجي خفيف الظل
داعم قصص
دكتور نسوانجي
أستاذ نسوانجي
نسوانجي عبقري
فارس الردود الذهبية
عضو
ناشر قصص
ناشر صور
ناشر حصري
مبدع
كاتب جولدستار
اداري مجلة
ناشر المجلة
فضفضاوي خبير
فضفضاوي برنس
مستر نسوانجي
نائب برلمان
إنضم
10 نوفمبر 2021
المشاركات
7,543
التعليقات المُبرزة
0
مستوى التفاعل
14,826
نقاط
307,328
الحي ده ليه طعم خاص، له نبض مش شبه أي مكان تاني في القاهرة. المطرية مش مجرد شارع أو منطقة، دي رواية كاملة مكتوبة على جدران البيوت القديمة ومليانة وشوش حقيقية، كل وش فيها بيحكي قصة.
النهار هناك صاخب، الشوارع متشابكة كأنها خيوط من حياة ناس متداخلة ببعضها، محلات صغيرة بتفتح أبوابها من بدري، صوت الميكروفون من عربية الفول، والأطفال لسه لابسين يونيفورم المدرسة ومتعودين على الكتاب.
لكن لما الليل بينزل، المطرية بتتغير، ووشها التاني بيظهر.
الهدوء الظاهري بيتكسر بصوت الموتوسيكلات اللي ماشية من غير نمر، ووشوش العيال اللي متغطية بالكابات، وريحة دخان غريبة بتملأ الهوا حوالين القهاوي.
الزوايا الضلمة بين العمارات القديمة بقت أماكن لتبادل الحاجات اللي "ما تتقالش"، وأي حد عدى من هناك يعرف إن الكلام مش ناقص تفسير.
كل حارة ليها كبير، وكل كبير ليه رجالة، واللي بيتاجر في المخدرات مش دايماً بيكون الغريب عن المنطقة… أحياناً بيكون ابنها اللي كبر فيها، واتحول من ولد طيب لحجر مكسور من جوه.
الناس العادية هناك عايشة ما بين الرغبة في النجاة والخوف من الانجرار، والأمهات كل ليلة بتدعيلهم أولادهم يرجعوا البيت سالمين، ما يشربوش ولا يتسحبوا ورا أصحاب السوء.
أما القهاوي، فهي البرلمان الشعبي، فيها كل حاجة: الراجل الغلبان اللي بيحكي عن يومه، والتاجر اللي بيعد فلوسه، والعيال اللي بيجربوا "نقطة دماغ" في الضلمة وبيضحكوا كأنهم لسه ***** مش مدركين إنهم بيبدأوا طريق نهايته سوداء.
والمطرية في اللحظة دي بتبقى مسرح مفتوح، المسرح اللي هيتولد فيه بطلنا "ســـالم"، وسط كل الضوضاء دي، وكل الخطايا اللي بقت عادية لدرجة إن الناس بطلت تستغربها.
سالم كان واحد من ولاد المطرية اللي اتولدوا في الضيقة وتربوا على الجدعنة، بس الدنيا لعبت بيه لعب كبير.
شاب عنده خمسة وعشرين سنة، جسمه نحيل لكن فيه عزيمة باينة في نظراته، دايماً عينيه فيها حزن ساكت، كأنه شايف أكتر مما المفروض يشوف.
كان بيشتغل من وهو صغير في ورشة موبيليا جنب بيتهم، صوته دايماً مسموع في الشارع وهو بينادي على المعلم ربيع، والناس كانت بتحبه، يقولوا عنه أنه إبن ناس ومؤدب، بس الحظ ظالمه.
بعد وفاة أبوه، شال الحمل كله على كتافه — أمه المريضة وأخوه الصغير كريم اللي في الإعدادية.
كان بيحلم يفتح ورشة باسمه، بس الظروف خنقته: الأسعار نار، الشغل قل، والمعلم ربيع اضطر يقلل العمال.
ومن هنا بدأت الحكاية تميل لمنحنى خطر، لما بدأ يقعد على القهوة أكتر من اللازم، هناك اتعرف على حمادة كتكوت ورفاعي، اللي كانوا بيظهروا له إنهم رجالة الحارة، يركبوا موتوسيكلات ويصرفوا ببذخ، والناس تخاف منهم.
في الأول سالم كان بيتفرج من بعيد، بس الشيطان ليه أسلوب ناعم، يقربك خطوة بخطوة لحد ما تقع.
حمادة ضحك معاه، دخله وسط الشلة، شربوه أول مرة وقالوله: خدها بس عشان تفك دماغك يا راجل، مش هتخسر حاجة.
واللي بيبدأ بـ”مش هتخسر حاجة” بينتهي بخسارة كل حاجة.
سالم ماكنش شرير، بالعكس، كان جوه قلبه خير كتير، بس الغلط لما ييجي على الجعان والمقهور بيبقى له سحر مختلف.
في ذهنه وقتها، كل اللي كان عايزه إنه يحس بس بالراحة شوية، ينسى الفقر والهم، ينسى نظرات أمه اللي فيها خيبة، وصوت أخوه اللي بيقوله مش عايز أبقى زيك.
لكن اللي مايعرفوش إن أول سحبة دخان كانت بداية طريق مالوش
رجوع بسهولة.
التحول الحقيقي في حياة سالم بدأ يوم بسيط، مافهوش حاجة مميزة، لكنه قلب كل الموازين.
كان راجع من القهوة في نص الليل، عيونه حمرا وصدره تقيل من كتر الدخان، وفى إيده علبة عصير فاضية فيها بقايا حبوب كان بيخفيها جوه جيبه. أول ما دخل البيت، شاف أمه قاعدة على الأرض، ووشها شاحب، ومسكه في إيدها جواب مطوي.
سالم سأل بخوف:
في إيه يا أمه؟
ردت عليه بصوت مخنوق:
المدرسة بعتت جواب فصل لكريم… مسكوه ماسك سيجارة في الحمام.
الكلمة نزلت على سالم زي الطوبة في دماغه.
قعد ساكت، مش قادر يرد. هو عارف إن السيجارة دي مش بتاعة كريم، دي بتاعته هو، وإن أخوه الصغير بس كان بيقلده، فاكر إن الرجولة في السيجارة، وإن الدماغ لازم تتفك.
أمه عيطت، وقالت له:
شوف يا سالم، أنت السبب… أنت بقيت قدوة وحشة لأخوك.
الدمعة نزلت من عينه من غير ما يحس. حس لأول مرة إن اللي بيعمله مش بس بيأذيه، ده بيهدم بيت بحاله.
في الشارع الناس بدأت تتكلم، أخوه بتاع الحبوب، وده طالع زيه، الكلام كالسكاكين، بيدبحه كل يوم أكتر من اللي قبله.
سالم حاول يبعد عن الحارة، رجع للورشة عند عم ربيع وقاله:
نفسي أرجع أشتغل، تعبت من الدنيا دي.
لكن الماضي ما بيسيبش حد بسهولة، ورفاعي شافه عند الورشة، ضحك وقال له:
هو إنت فاكر نفسك هتعرف تسيبنا؟
من اللحظة دي، سالم بقى بين نارين: ضميره اللي بيقوله “كفاية”، والخوف من الناس اللي بيبيع معاهم.
كل يوم كان بينام وهو حاسس إن حد بيراقبه، وكل ما يسمع صوت عربية شرطة في الشارع، قلبه يقع.
كان محتار بين إنه يصلح غلطه أو يهرب منه، بس الغلط ساعات بيبقى أذكى من صاحبه.
وفي وسط كل دا، أمه تعبت أكتر، والدواء غالي، والفلوس خلصت، فبدأ الشيطان يهمس له تاني:
ارجع يومين بس، بيع كام شريط، وهترجع لربك بعد كده. بس اللي بيرجع خطوة للحرام،
عمره ما بيعرف يقف عندها.
في يوم من الأيام، والدنيا كانت بتغيم كأنها شايفة اللي جاي، سالم ماشي في الشارع ووشه متغير، كأنه شايل جبل على صدره.
فجأة سمع صوت مألوف وراه:
يا واد يا سالم،
لف بسرعة، لقى عم ربيع صاحب الورشة اللي كان شغال فيها زمان، راجل في الخمسينات، دايماً لابس الجلابية الكاكي القديمة، ووشه مريح كأنه أب لكل العيال اللي اشتغلوا عنده.
قرب منه بابتسامة وقال له:
فين أيامك يا ابني؟ مختفي ليه؟
سالم حاول يتهرب:
الظروف يا معلم… الدنيا خدتني شوية.
عم ربيع بص له من فوق لتحت وقال بنبرة كلها حنية:
خدتك في طريق مش تمام، صح؟
الكلمة وجعت سالم أكتر من أي حاجة، حس كأنه اتعرى قدامه، خصوصاً إن عيون عم ربيع كانت صافية ومليانة خوف عليه.
سالم ماعرفش يرد، فالمعلم كمل كلامه:
إسمعني كويس يا ابني، أنا عارفك من وانت صغير، إنت مش من النوع اللي يضيع، بس الحارة دي بتاكل ولادها لو سبت نفسك. ارجع الورشة، حتى لو هتشتغل ببلاش أول أسبوع، المهم تبعد عن الناس اللي بتجرفك في السكة دي.
الكلام دخل قلب سالم زي النور، بس الخوف كان لسه ماسكه.
قال له بصوت واطي:
لو رجعت، هما مش هيسيبوني، أنا داخل معاهم غصب عني، وكل حاجة مسجلة عليا.
عم ربيع سكت شوية وقال:
اللي يخاف ما يعيشش، يا سالم. لو عايز تتوب بجد، أنا هقف جنبك، بس القرار لازم يطلع من جواك، مش من خوفك.
ومن اللحظة دي بدأ جواه صراع حقيقي:
هل يسمع كلام الراجل اللي شايف فيه آخر بصيص نور؟
ولا يكمل الطريق اللي خلاص بقى ماشي فيه نصه جوه ونصه بره؟
رجع البيت في اليوم دا وهو مشغول، دماغه بتلف بين صور كتير: وش أمه المرهق، ضحكة كريم زمان، وكلام عم ربيع اللي رن في ودنه، اللي يخاف ما يعيشش.
بس الليل جاب معاه اختبار جديد، لما جاله رفاعي وقال له:
بكرة في شغل تقيل… واسمك مكتوب. لو ماجيتش، إحنا اللي هنيجي لك.

الليلة دي كانت فاصلة، مابين طريقين: واحد
فيه خلاص، والتاني فيه نهاية.
الليلة دي كانت المطرية كلها ساكتة كأنها حاسة إن في حاجة كبيرة هتحصل، حتى الكللابب بطلت تنبح، والهواء بقى تقيل يخنق.
سالم قاعد على طرف السرير، ماسك ورقة من الجواب القديم بتاع كريم اللي اتفصل من المدرسة، والدموع نازلة من غير صوت.
فجأة الموبايل رن، رقم رفاعي ظهر على الشاشة، ولسانه جواه بيقوله “لو مردتش هييجوا لحد عندك”.
رد بصوت مبحوح: أيوه يا رفاعي…
رفاعي قاله بنبرة حازمة:
المعلم عايزك بكرة الساعة عشرة عند السوق القديم، في صفقة كبيرة، وإنت هتسلم البضاعة.
سالم حاول يتكلم:
بس أنا قلتلك خلاص… مش عايز أكمل.
رفاعي ضحك ضحكة باردة وقال له:
خلاص؟ يعني نسيبك تمشي كده وانت شايل أسرارنا؟ يا ابني الدنيا مش لعبة… بكرة تشوف.
قفل الخط، وسالم حط الموبايل على الترابيزة بإيد بتترعش.
قعد طول الليل يفكر، صوت عم ربيع في ودنه، وصوت أمه في التانية وهي بتقوله ربناا يهديك يا ابني.
الدموع كانت بتنزل وهو مش عارف يعمل إيه… لو راح للصفقة هيرجع تاني للهاوية، ولو ماراحش، ممكن يدفع التمن غالي جداً.
قبل الفجر، أخد نفسه وطلع يجري على الورشة.
لقى عم ربيع واقف، وبعدين قعد معاه وقال له كل حاجة.
حكى له عن رفاعي والصفقة والمعلم اللي فوقهم.
عم ربيع فضل ساكت شوية، وبعدين قال له بهدوء عجيب:
لو خايف على نفسك، سلم نفسك للحق قبل ما يتسلمك الباطل. أنا هروح معاك القسم.
سالم بص له بخوف:
هيسجنوني يا عم ربيع.
رد عليه:
يمكن، بس السجن أهون من نار الندم اللي بتاكل القلب.
في اليوم ده، أول مرة سالم يمشي بخطوات ثابتة ناحية الصح.
راح القسم، وقال للضابط كل حاجة، حتى أسماء الناس اللي بيشتغلوا معاه.
وفي نفس اللحظة، الشرطة كانت نازلة حملة على السوق القديم، والليلة اللي كان المفروض تبقى صفقة، تحولت لمجزرة من القبض والمطاردات.
رفاعي اتقبض عليه، والمعلم هرب، وسالم اتسجن فعلاً، لكن لأول مرة من سنين، نام وهو مرتاح الضمير.

بعد كام شهر، عم ربيع زاره في السجن، وقال له:
عرفت إن أمك راحت لربناا، بس كانت بتدعي لك لآخر يوم. قالتلي، قول لسالم ما يخافش، هو بدأ الطريق الصح.
سالم قعد ساكت والدموع نازلة على وشه، بس المرة دي مش دموع وجع… دموع راحة.
خرج بعد سنة بسلوك حسن، ورجع المطرية من جديد، بس مش نفس الشخص اللي خرج منها.
فتح ورشة صغيرة بمعاونة عم ربيع، وحط يفطة على بابها مكتوب فيها بخط بسيط:
"الرجوع مش ضعف… الرجوع حياة".

ومن ساعتها، بقى كل شاب داخل الورشة يعرف حكاية سالم، ويحلف إنه مش هيمشي نفس الطريق.
والمطرية بدأت ترجع وشها التاني…
النضيف اللي كان مختفي تحت غبار السنين.

تمت...


 
الحي ده ليه طعم خاص، له نبض مش شبه أي مكان تاني في القاهرة. المطرية مش مجرد شارع أو منطقة، دي رواية كاملة مكتوبة على جدران البيوت القديمة ومليانة وشوش حقيقية، كل وش فيها بيحكي قصة.
النهار هناك صاخب، الشوارع متشابكة كأنها خيوط من حياة ناس متداخلة ببعضها، محلات صغيرة بتفتح أبوابها من بدري، صوت الميكروفون من عربية الفول، والأطفال لسه لابسين يونيفورم المدرسة ومتعودين على الكتاب.
لكن لما الليل بينزل، المطرية بتتغير، ووشها التاني بيظهر.
الهدوء الظاهري بيتكسر بصوت الموتوسيكلات اللي ماشية من غير نمر، ووشوش العيال اللي متغطية بالكابات، وريحة دخان غريبة بتملأ الهوا حوالين القهاوي.
الزوايا الضلمة بين العمارات القديمة بقت أماكن لتبادل الحاجات اللي "ما تتقالش"، وأي حد عدى من هناك يعرف إن الكلام مش ناقص تفسير.
كل حارة ليها كبير، وكل كبير ليه رجالة، واللي بيتاجر في المخدرات مش دايماً بيكون الغريب عن المنطقة… أحياناً بيكون ابنها اللي كبر فيها، واتحول من ولد طيب لحجر مكسور من جوه.
الناس العادية هناك عايشة ما بين الرغبة في النجاة والخوف من الانجرار، والأمهات كل ليلة بتدعيلهم أولادهم يرجعوا البيت سالمين، ما يشربوش ولا يتسحبوا ورا أصحاب السوء.
أما القهاوي، فهي البرلمان الشعبي، فيها كل حاجة: الراجل الغلبان اللي بيحكي عن يومه، والتاجر اللي بيعد فلوسه، والعيال اللي بيجربوا "نقطة دماغ" في الضلمة وبيضحكوا كأنهم لسه ***** مش مدركين إنهم بيبدأوا طريق نهايته سوداء.
والمطرية في اللحظة دي بتبقى مسرح مفتوح، المسرح اللي هيتولد فيه بطلنا "ســـالم"، وسط كل الضوضاء دي، وكل الخطايا اللي بقت عادية لدرجة إن الناس بطلت تستغربها.
سالم كان واحد من ولاد المطرية اللي اتولدوا في الضيقة وتربوا على الجدعنة، بس الدنيا لعبت بيه لعب كبير.
شاب عنده خمسة وعشرين سنة، جسمه نحيل لكن فيه عزيمة باينة في نظراته، دايماً عينيه فيها حزن ساكت، كأنه شايف أكتر مما المفروض يشوف.
كان بيشتغل من وهو صغير في ورشة موبيليا جنب بيتهم، صوته دايماً مسموع في الشارع وهو بينادي على المعلم ربيع، والناس كانت بتحبه، يقولوا عنه أنه إبن ناس ومؤدب، بس الحظ ظالمه.
بعد وفاة أبوه، شال الحمل كله على كتافه — أمه المريضة وأخوه الصغير كريم اللي في الإعدادية.
كان بيحلم يفتح ورشة باسمه، بس الظروف خنقته: الأسعار نار، الشغل قل، والمعلم ربيع اضطر يقلل العمال.
ومن هنا بدأت الحكاية تميل لمنحنى خطر، لما بدأ يقعد على القهوة أكتر من اللازم، هناك اتعرف على حمادة كتكوت ورفاعي، اللي كانوا بيظهروا له إنهم رجالة الحارة، يركبوا موتوسيكلات ويصرفوا ببذخ، والناس تخاف منهم.
في الأول سالم كان بيتفرج من بعيد، بس الشيطان ليه أسلوب ناعم، يقربك خطوة بخطوة لحد ما تقع.
حمادة ضحك معاه، دخله وسط الشلة، شربوه أول مرة وقالوله: خدها بس عشان تفك دماغك يا راجل، مش هتخسر حاجة.
واللي بيبدأ بـ”مش هتخسر حاجة” بينتهي بخسارة كل حاجة.
سالم ماكنش شرير، بالعكس، كان جوه قلبه خير كتير، بس الغلط لما ييجي على الجعان والمقهور بيبقى له سحر مختلف.
في ذهنه وقتها، كل اللي كان عايزه إنه يحس بس بالراحة شوية، ينسى الفقر والهم، ينسى نظرات أمه اللي فيها خيبة، وصوت أخوه اللي بيقوله مش عايز أبقى زيك.
لكن اللي مايعرفوش إن أول سحبة دخان كانت بداية طريق مالوش
رجوع بسهولة.
التحول الحقيقي في حياة سالم بدأ يوم بسيط، مافهوش حاجة مميزة، لكنه قلب كل الموازين.
كان راجع من القهوة في نص الليل، عيونه حمرا وصدره تقيل من كتر الدخان، وفى إيده علبة عصير فاضية فيها بقايا حبوب كان بيخفيها جوه جيبه. أول ما دخل البيت، شاف أمه قاعدة على الأرض، ووشها شاحب، ومسكه في إيدها جواب مطوي.
سالم سأل بخوف:
في إيه يا أمه؟
ردت عليه بصوت مخنوق:
المدرسة بعتت جواب فصل لكريم… مسكوه ماسك سيجارة في الحمام.
الكلمة نزلت على سالم زي الطوبة في دماغه.
قعد ساكت، مش قادر يرد. هو عارف إن السيجارة دي مش بتاعة كريم، دي بتاعته هو، وإن أخوه الصغير بس كان بيقلده، فاكر إن الرجولة في السيجارة، وإن الدماغ لازم تتفك.
أمه عيطت، وقالت له:
شوف يا سالم، أنت السبب… أنت بقيت قدوة وحشة لأخوك.
الدمعة نزلت من عينه من غير ما يحس. حس لأول مرة إن اللي بيعمله مش بس بيأذيه، ده بيهدم بيت بحاله.
في الشارع الناس بدأت تتكلم، أخوه بتاع الحبوب، وده طالع زيه، الكلام كالسكاكين، بيدبحه كل يوم أكتر من اللي قبله.
سالم حاول يبعد عن الحارة، رجع للورشة عند عم ربيع وقاله:
نفسي أرجع أشتغل، تعبت من الدنيا دي.
لكن الماضي ما بيسيبش حد بسهولة، ورفاعي شافه عند الورشة، ضحك وقال له:
هو إنت فاكر نفسك هتعرف تسيبنا؟
من اللحظة دي، سالم بقى بين نارين: ضميره اللي بيقوله “كفاية”، والخوف من الناس اللي بيبيع معاهم.
كل يوم كان بينام وهو حاسس إن حد بيراقبه، وكل ما يسمع صوت عربية شرطة في الشارع، قلبه يقع.
كان محتار بين إنه يصلح غلطه أو يهرب منه، بس الغلط ساعات بيبقى أذكى من صاحبه.
وفي وسط كل دا، أمه تعبت أكتر، والدواء غالي، والفلوس خلصت، فبدأ الشيطان يهمس له تاني:
ارجع يومين بس، بيع كام شريط، وهترجع لربك بعد كده. بس اللي بيرجع خطوة للحرام،
عمره ما بيعرف يقف عندها.
في يوم من الأيام، والدنيا كانت بتغيم كأنها شايفة اللي جاي، سالم ماشي في الشارع ووشه متغير، كأنه شايل جبل على صدره.
فجأة سمع صوت مألوف وراه:
يا واد يا سالم،
لف بسرعة، لقى عم ربيع صاحب الورشة اللي كان شغال فيها زمان، راجل في الخمسينات، دايماً لابس الجلابية الكاكي القديمة، ووشه مريح كأنه أب لكل العيال اللي اشتغلوا عنده.
قرب منه بابتسامة وقال له:
فين أيامك يا ابني؟ مختفي ليه؟
سالم حاول يتهرب:
الظروف يا معلم… الدنيا خدتني شوية.
عم ربيع بص له من فوق لتحت وقال بنبرة كلها حنية:
خدتك في طريق مش تمام، صح؟
الكلمة وجعت سالم أكتر من أي حاجة، حس كأنه اتعرى قدامه، خصوصاً إن عيون عم ربيع كانت صافية ومليانة خوف عليه.
سالم ماعرفش يرد، فالمعلم كمل كلامه:
إسمعني كويس يا ابني، أنا عارفك من وانت صغير، إنت مش من النوع اللي يضيع، بس الحارة دي بتاكل ولادها لو سبت نفسك. ارجع الورشة، حتى لو هتشتغل ببلاش أول أسبوع، المهم تبعد عن الناس اللي بتجرفك في السكة دي.
الكلام دخل قلب سالم زي النور، بس الخوف كان لسه ماسكه.
قال له بصوت واطي:
لو رجعت، هما مش هيسيبوني، أنا داخل معاهم غصب عني، وكل حاجة مسجلة عليا.
عم ربيع سكت شوية وقال:
اللي يخاف ما يعيشش، يا سالم. لو عايز تتوب بجد، أنا هقف جنبك، بس القرار لازم يطلع من جواك، مش من خوفك.
ومن اللحظة دي بدأ جواه صراع حقيقي:
هل يسمع كلام الراجل اللي شايف فيه آخر بصيص نور؟
ولا يكمل الطريق اللي خلاص بقى ماشي فيه نصه جوه ونصه بره؟
رجع البيت في اليوم دا وهو مشغول، دماغه بتلف بين صور كتير: وش أمه المرهق، ضحكة كريم زمان، وكلام عم ربيع اللي رن في ودنه، اللي يخاف ما يعيشش.
بس الليل جاب معاه اختبار جديد، لما جاله رفاعي وقال له:
بكرة في شغل تقيل… واسمك مكتوب. لو ماجيتش، إحنا اللي هنيجي لك.

الليلة دي كانت فاصلة، مابين طريقين: واحد
فيه خلاص، والتاني فيه نهاية.
الليلة دي كانت المطرية كلها ساكتة كأنها حاسة إن في حاجة كبيرة هتحصل، حتى الكللابب بطلت تنبح، والهواء بقى تقيل يخنق.
سالم قاعد على طرف السرير، ماسك ورقة من الجواب القديم بتاع كريم اللي اتفصل من المدرسة، والدموع نازلة من غير صوت.
فجأة الموبايل رن، رقم رفاعي ظهر على الشاشة، ولسانه جواه بيقوله “لو مردتش هييجوا لحد عندك”.
رد بصوت مبحوح: أيوه يا رفاعي…
رفاعي قاله بنبرة حازمة:
المعلم عايزك بكرة الساعة عشرة عند السوق القديم، في صفقة كبيرة، وإنت هتسلم البضاعة.
سالم حاول يتكلم:
بس أنا قلتلك خلاص… مش عايز أكمل.
رفاعي ضحك ضحكة باردة وقال له:
خلاص؟ يعني نسيبك تمشي كده وانت شايل أسرارنا؟ يا ابني الدنيا مش لعبة… بكرة تشوف.
قفل الخط، وسالم حط الموبايل على الترابيزة بإيد بتترعش.
قعد طول الليل يفكر، صوت عم ربيع في ودنه، وصوت أمه في التانية وهي بتقوله ربناا يهديك يا ابني.
الدموع كانت بتنزل وهو مش عارف يعمل إيه… لو راح للصفقة هيرجع تاني للهاوية، ولو ماراحش، ممكن يدفع التمن غالي جداً.
قبل الفجر، أخد نفسه وطلع يجري على الورشة.
لقى عم ربيع واقف، وبعدين قعد معاه وقال له كل حاجة.
حكى له عن رفاعي والصفقة والمعلم اللي فوقهم.
عم ربيع فضل ساكت شوية، وبعدين قال له بهدوء عجيب:
لو خايف على نفسك، سلم نفسك للحق قبل ما يتسلمك الباطل. أنا هروح معاك القسم.
سالم بص له بخوف:
هيسجنوني يا عم ربيع.
رد عليه:
يمكن، بس السجن أهون من نار الندم اللي بتاكل القلب.
في اليوم ده، أول مرة سالم يمشي بخطوات ثابتة ناحية الصح.
راح القسم، وقال للضابط كل حاجة، حتى أسماء الناس اللي بيشتغلوا معاه.
وفي نفس اللحظة، الشرطة كانت نازلة حملة على السوق القديم، والليلة اللي كان المفروض تبقى صفقة، تحولت لمجزرة من القبض والمطاردات.
رفاعي اتقبض عليه، والمعلم هرب، وسالم اتسجن فعلاً، لكن لأول مرة من سنين، نام وهو مرتاح الضمير.

بعد كام شهر، عم ربيع زاره في السجن، وقال له:
عرفت إن أمك راحت لربناا، بس كانت بتدعي لك لآخر يوم. قالتلي، قول لسالم ما يخافش، هو بدأ الطريق الصح.
سالم قعد ساكت والدموع نازلة على وشه، بس المرة دي مش دموع وجع… دموع راحة.
خرج بعد سنة بسلوك حسن، ورجع المطرية من جديد، بس مش نفس الشخص اللي خرج منها.
فتح ورشة صغيرة بمعاونة عم ربيع، وحط يفطة على بابها مكتوب فيها بخط بسيط:
"الرجوع مش ضعف… الرجوع حياة".

ومن ساعتها، بقى كل شاب داخل الورشة يعرف حكاية سالم، ويحلف إنه مش هيمشي نفس الطريق.
والمطرية بدأت ترجع وشها التاني…
النضيف اللي كان مختفي تحت غبار السنين.

تمت...


غاية في الروعة والجمال
 
نسوانجي كام أول موقع عربي يتيح لايف كام مع شراميط من أنحاء الوطن العربي
جميلة جدا يا استاذ كالعادة
قدمت لنا صورة دقيقة للمطرية نكاد نراها و نعيشها مع سالم و هو نموذج لشباب كتير انحرفوا
فالمجرم لا يولد مجرما و لكن البيئة و الرفقة و يمكن ظروف الحياة تؤدي بالشباب للانحراف
و لكن سالم نموذج للانسان السوي الذي ادرك الخلاص في الوقت المناسب
احسنت يا استاذ
 
الحي ده ليه طعم خاص، له نبض مش شبه أي مكان تاني في القاهرة. المطرية مش مجرد شارع أو منطقة، دي رواية كاملة مكتوبة على جدران البيوت القديمة ومليانة وشوش حقيقية، كل وش فيها بيحكي قصة.
النهار هناك صاخب، الشوارع متشابكة كأنها خيوط من حياة ناس متداخلة ببعضها، محلات صغيرة بتفتح أبوابها من بدري، صوت الميكروفون من عربية الفول، والأطفال لسه لابسين يونيفورم المدرسة ومتعودين على الكتاب.
لكن لما الليل بينزل، المطرية بتتغير، ووشها التاني بيظهر.
الهدوء الظاهري بيتكسر بصوت الموتوسيكلات اللي ماشية من غير نمر، ووشوش العيال اللي متغطية بالكابات، وريحة دخان غريبة بتملأ الهوا حوالين القهاوي.
الزوايا الضلمة بين العمارات القديمة بقت أماكن لتبادل الحاجات اللي "ما تتقالش"، وأي حد عدى من هناك يعرف إن الكلام مش ناقص تفسير.
كل حارة ليها كبير، وكل كبير ليه رجالة، واللي بيتاجر في المخدرات مش دايماً بيكون الغريب عن المنطقة… أحياناً بيكون ابنها اللي كبر فيها، واتحول من ولد طيب لحجر مكسور من جوه.
الناس العادية هناك عايشة ما بين الرغبة في النجاة والخوف من الانجرار، والأمهات كل ليلة بتدعيلهم أولادهم يرجعوا البيت سالمين، ما يشربوش ولا يتسحبوا ورا أصحاب السوء.
أما القهاوي، فهي البرلمان الشعبي، فيها كل حاجة: الراجل الغلبان اللي بيحكي عن يومه، والتاجر اللي بيعد فلوسه، والعيال اللي بيجربوا "نقطة دماغ" في الضلمة وبيضحكوا كأنهم لسه ***** مش مدركين إنهم بيبدأوا طريق نهايته سوداء.
والمطرية في اللحظة دي بتبقى مسرح مفتوح، المسرح اللي هيتولد فيه بطلنا "ســـالم"، وسط كل الضوضاء دي، وكل الخطايا اللي بقت عادية لدرجة إن الناس بطلت تستغربها.
سالم كان واحد من ولاد المطرية اللي اتولدوا في الضيقة وتربوا على الجدعنة، بس الدنيا لعبت بيه لعب كبير.
شاب عنده خمسة وعشرين سنة، جسمه نحيل لكن فيه عزيمة باينة في نظراته، دايماً عينيه فيها حزن ساكت، كأنه شايف أكتر مما المفروض يشوف.
كان بيشتغل من وهو صغير في ورشة موبيليا جنب بيتهم، صوته دايماً مسموع في الشارع وهو بينادي على المعلم ربيع، والناس كانت بتحبه، يقولوا عنه أنه إبن ناس ومؤدب، بس الحظ ظالمه.
بعد وفاة أبوه، شال الحمل كله على كتافه — أمه المريضة وأخوه الصغير كريم اللي في الإعدادية.
كان بيحلم يفتح ورشة باسمه، بس الظروف خنقته: الأسعار نار، الشغل قل، والمعلم ربيع اضطر يقلل العمال.
ومن هنا بدأت الحكاية تميل لمنحنى خطر، لما بدأ يقعد على القهوة أكتر من اللازم، هناك اتعرف على حمادة كتكوت ورفاعي، اللي كانوا بيظهروا له إنهم رجالة الحارة، يركبوا موتوسيكلات ويصرفوا ببذخ، والناس تخاف منهم.
في الأول سالم كان بيتفرج من بعيد، بس الشيطان ليه أسلوب ناعم، يقربك خطوة بخطوة لحد ما تقع.
حمادة ضحك معاه، دخله وسط الشلة، شربوه أول مرة وقالوله: خدها بس عشان تفك دماغك يا راجل، مش هتخسر حاجة.
واللي بيبدأ بـ”مش هتخسر حاجة” بينتهي بخسارة كل حاجة.
سالم ماكنش شرير، بالعكس، كان جوه قلبه خير كتير، بس الغلط لما ييجي على الجعان والمقهور بيبقى له سحر مختلف.
في ذهنه وقتها، كل اللي كان عايزه إنه يحس بس بالراحة شوية، ينسى الفقر والهم، ينسى نظرات أمه اللي فيها خيبة، وصوت أخوه اللي بيقوله مش عايز أبقى زيك.
لكن اللي مايعرفوش إن أول سحبة دخان كانت بداية طريق مالوش
رجوع بسهولة.
التحول الحقيقي في حياة سالم بدأ يوم بسيط، مافهوش حاجة مميزة، لكنه قلب كل الموازين.
كان راجع من القهوة في نص الليل، عيونه حمرا وصدره تقيل من كتر الدخان، وفى إيده علبة عصير فاضية فيها بقايا حبوب كان بيخفيها جوه جيبه. أول ما دخل البيت، شاف أمه قاعدة على الأرض، ووشها شاحب، ومسكه في إيدها جواب مطوي.
سالم سأل بخوف:
في إيه يا أمه؟
ردت عليه بصوت مخنوق:
المدرسة بعتت جواب فصل لكريم… مسكوه ماسك سيجارة في الحمام.
الكلمة نزلت على سالم زي الطوبة في دماغه.
قعد ساكت، مش قادر يرد. هو عارف إن السيجارة دي مش بتاعة كريم، دي بتاعته هو، وإن أخوه الصغير بس كان بيقلده، فاكر إن الرجولة في السيجارة، وإن الدماغ لازم تتفك.
أمه عيطت، وقالت له:
شوف يا سالم، أنت السبب… أنت بقيت قدوة وحشة لأخوك.
الدمعة نزلت من عينه من غير ما يحس. حس لأول مرة إن اللي بيعمله مش بس بيأذيه، ده بيهدم بيت بحاله.
في الشارع الناس بدأت تتكلم، أخوه بتاع الحبوب، وده طالع زيه، الكلام كالسكاكين، بيدبحه كل يوم أكتر من اللي قبله.
سالم حاول يبعد عن الحارة، رجع للورشة عند عم ربيع وقاله:
نفسي أرجع أشتغل، تعبت من الدنيا دي.
لكن الماضي ما بيسيبش حد بسهولة، ورفاعي شافه عند الورشة، ضحك وقال له:
هو إنت فاكر نفسك هتعرف تسيبنا؟
من اللحظة دي، سالم بقى بين نارين: ضميره اللي بيقوله “كفاية”، والخوف من الناس اللي بيبيع معاهم.
كل يوم كان بينام وهو حاسس إن حد بيراقبه، وكل ما يسمع صوت عربية شرطة في الشارع، قلبه يقع.
كان محتار بين إنه يصلح غلطه أو يهرب منه، بس الغلط ساعات بيبقى أذكى من صاحبه.
وفي وسط كل دا، أمه تعبت أكتر، والدواء غالي، والفلوس خلصت، فبدأ الشيطان يهمس له تاني:
ارجع يومين بس، بيع كام شريط، وهترجع لربك بعد كده. بس اللي بيرجع خطوة للحرام،
عمره ما بيعرف يقف عندها.
في يوم من الأيام، والدنيا كانت بتغيم كأنها شايفة اللي جاي، سالم ماشي في الشارع ووشه متغير، كأنه شايل جبل على صدره.
فجأة سمع صوت مألوف وراه:
يا واد يا سالم،
لف بسرعة، لقى عم ربيع صاحب الورشة اللي كان شغال فيها زمان، راجل في الخمسينات، دايماً لابس الجلابية الكاكي القديمة، ووشه مريح كأنه أب لكل العيال اللي اشتغلوا عنده.
قرب منه بابتسامة وقال له:
فين أيامك يا ابني؟ مختفي ليه؟
سالم حاول يتهرب:
الظروف يا معلم… الدنيا خدتني شوية.
عم ربيع بص له من فوق لتحت وقال بنبرة كلها حنية:
خدتك في طريق مش تمام، صح؟
الكلمة وجعت سالم أكتر من أي حاجة، حس كأنه اتعرى قدامه، خصوصاً إن عيون عم ربيع كانت صافية ومليانة خوف عليه.
سالم ماعرفش يرد، فالمعلم كمل كلامه:
إسمعني كويس يا ابني، أنا عارفك من وانت صغير، إنت مش من النوع اللي يضيع، بس الحارة دي بتاكل ولادها لو سبت نفسك. ارجع الورشة، حتى لو هتشتغل ببلاش أول أسبوع، المهم تبعد عن الناس اللي بتجرفك في السكة دي.
الكلام دخل قلب سالم زي النور، بس الخوف كان لسه ماسكه.
قال له بصوت واطي:
لو رجعت، هما مش هيسيبوني، أنا داخل معاهم غصب عني، وكل حاجة مسجلة عليا.
عم ربيع سكت شوية وقال:
اللي يخاف ما يعيشش، يا سالم. لو عايز تتوب بجد، أنا هقف جنبك، بس القرار لازم يطلع من جواك، مش من خوفك.
ومن اللحظة دي بدأ جواه صراع حقيقي:
هل يسمع كلام الراجل اللي شايف فيه آخر بصيص نور؟
ولا يكمل الطريق اللي خلاص بقى ماشي فيه نصه جوه ونصه بره؟
رجع البيت في اليوم دا وهو مشغول، دماغه بتلف بين صور كتير: وش أمه المرهق، ضحكة كريم زمان، وكلام عم ربيع اللي رن في ودنه، اللي يخاف ما يعيشش.
بس الليل جاب معاه اختبار جديد، لما جاله رفاعي وقال له:
بكرة في شغل تقيل… واسمك مكتوب. لو ماجيتش، إحنا اللي هنيجي لك.

الليلة دي كانت فاصلة، مابين طريقين: واحد
فيه خلاص، والتاني فيه نهاية.
الليلة دي كانت المطرية كلها ساكتة كأنها حاسة إن في حاجة كبيرة هتحصل، حتى الكللابب بطلت تنبح، والهواء بقى تقيل يخنق.
سالم قاعد على طرف السرير، ماسك ورقة من الجواب القديم بتاع كريم اللي اتفصل من المدرسة، والدموع نازلة من غير صوت.
فجأة الموبايل رن، رقم رفاعي ظهر على الشاشة، ولسانه جواه بيقوله “لو مردتش هييجوا لحد عندك”.
رد بصوت مبحوح: أيوه يا رفاعي…
رفاعي قاله بنبرة حازمة:
المعلم عايزك بكرة الساعة عشرة عند السوق القديم، في صفقة كبيرة، وإنت هتسلم البضاعة.
سالم حاول يتكلم:
بس أنا قلتلك خلاص… مش عايز أكمل.
رفاعي ضحك ضحكة باردة وقال له:
خلاص؟ يعني نسيبك تمشي كده وانت شايل أسرارنا؟ يا ابني الدنيا مش لعبة… بكرة تشوف.
قفل الخط، وسالم حط الموبايل على الترابيزة بإيد بتترعش.
قعد طول الليل يفكر، صوت عم ربيع في ودنه، وصوت أمه في التانية وهي بتقوله ربناا يهديك يا ابني.
الدموع كانت بتنزل وهو مش عارف يعمل إيه… لو راح للصفقة هيرجع تاني للهاوية، ولو ماراحش، ممكن يدفع التمن غالي جداً.
قبل الفجر، أخد نفسه وطلع يجري على الورشة.
لقى عم ربيع واقف، وبعدين قعد معاه وقال له كل حاجة.
حكى له عن رفاعي والصفقة والمعلم اللي فوقهم.
عم ربيع فضل ساكت شوية، وبعدين قال له بهدوء عجيب:
لو خايف على نفسك، سلم نفسك للحق قبل ما يتسلمك الباطل. أنا هروح معاك القسم.
سالم بص له بخوف:
هيسجنوني يا عم ربيع.
رد عليه:
يمكن، بس السجن أهون من نار الندم اللي بتاكل القلب.
في اليوم ده، أول مرة سالم يمشي بخطوات ثابتة ناحية الصح.
راح القسم، وقال للضابط كل حاجة، حتى أسماء الناس اللي بيشتغلوا معاه.
وفي نفس اللحظة، الشرطة كانت نازلة حملة على السوق القديم، والليلة اللي كان المفروض تبقى صفقة، تحولت لمجزرة من القبض والمطاردات.
رفاعي اتقبض عليه، والمعلم هرب، وسالم اتسجن فعلاً، لكن لأول مرة من سنين، نام وهو مرتاح الضمير.

بعد كام شهر، عم ربيع زاره في السجن، وقال له:
عرفت إن أمك راحت لربناا، بس كانت بتدعي لك لآخر يوم. قالتلي، قول لسالم ما يخافش، هو بدأ الطريق الصح.
سالم قعد ساكت والدموع نازلة على وشه، بس المرة دي مش دموع وجع… دموع راحة.
خرج بعد سنة بسلوك حسن، ورجع المطرية من جديد، بس مش نفس الشخص اللي خرج منها.
فتح ورشة صغيرة بمعاونة عم ربيع، وحط يفطة على بابها مكتوب فيها بخط بسيط:
"الرجوع مش ضعف… الرجوع حياة".

ومن ساعتها، بقى كل شاب داخل الورشة يعرف حكاية سالم، ويحلف إنه مش هيمشي نفس الطريق.
والمطرية بدأت ترجع وشها التاني…
النضيف اللي كان مختفي تحت غبار السنين.

تمت...


تسلم ايدك كلام رائع جدااا قصه تحفه ممحزوجه بين الالم الابدي بين الحق والغلط بين الخيانه والشرف سرد واحداث غايه في الروعه ابدعت يا صديقي 🌹 🌹
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 

المواضيع المشابهة

عودة
أعلى أسفل
0%