قلبان في زحام:
ناديا ومرآة الحياة
أنا اسمي ناديا. أو هكذا ظننتُ لسنوات. في الحقيقة، أنا مجرد انعكاس. زوجة في أواخر الثلاثينات، أم لطفلين دراستهما وطلباتهما لا تنتهي. متزوجة من سفيان، رجل الأعمال اللامع الذي يعرف الجميع اسمه، إلا أنا. كنت أراه كل صباح يرتدي حلة النجاح ويغادر، تاركاً لي حلة أخرى، ثقيلة ورتيبة، هي
"واجبات المنزل المقدسة".
منذ عقد ونصف، وكل ما بيننا هو صمت مُرتَّب. كان يرى فيّ الديكور المثالي لحياته: سيدة بيت أنيقة، متحدثة لبقة في العزائم، ومنظمة لا تشكو. لا يسأل عن قلبي، أو رأسي، أو روحي. كان يظن أن المال يشتري كل شيء، حتى الشعور بالوجود. كنت أصحو لأجهز له القهوة، وأنام بعد أن أتأكد من إغلاق بابه بهدوء، كأنني خادمة بدرجة شريكة حياة.
تخرجتُ من كلية الآداب، قسم علم النفس. كنت أحلم بتحليل أرواح البشر، مساعدة التائهين. أول ما تعلمته في علم النفس هو
"العقدة". كنت أرى عقدتي تنمو في حياتي. كلما حاولتُ فكها، شدّها الواقع أكثر. كنتُ أعلم جيداً أن الفراغ ليس سكوناً، بل صراخ مكتوم.
في فترة قصيرة، خسرتُ أمي بالمرض اللعين. كنتُ وحيدة معها في أيامها الأخيرة. سفيان كان
"مشغولاً جداً" باجتماعاته. لمحتُ في عين أمي نظرة:
"لا تكرري خطأي يا ناديا." لم أفهمها تماماً إلا بعد الجنازة، حين عدتُ لبيتي ووجدتُ سفيان يتحدث في الهاتف عن صفقة جديدة، حتى قبل أن يغير ملابسه الأنيقة.
بدأتُ أبحث عن طريقة لأشعر أنني ناديا الحقيقية، لا ظل سفيان. ذات مساء، بعد محاولة فاشلة لفتح حوار معه انتهت بنومه أمام التلفاز، أخرجتُ دفتر رسم قديم. لم أرسم منذ الجامعة. رسمتُ نفسي: سيدة بلا ملامح، بخطوط حادة، وحولها أسلاك شائكة. كنت أبكي وأنا أرسم.
في الأسبوع التالي، زرتُ معرضاً فنياً لأول مرة بمفردي. قابلتُ
"طارق"، رسام ونحات، ذو روح حرة وعينان تلمعان بشغف لم أره في سفيان يوماً. تحدثنا عن الألوان، عن الظل والنور، وعن
"النفس التي تبحث عن شكل". لأول مرة، شعرت أن كلامي يُسمع، لا يُمرر.
في اللقاءات التالية، لم يكن بيننا شيء سوى الكلمات، لكن الكلمات كانت كافية. كان طارق يرى فيّ فنانة محبوسة، بينما سفيان يرى ربة منزل كفؤة. بدأ سفيان يلاحظ خروجي المتكرر. قال لي ببرود:
"ما هذا الهوس بالفن فجأة؟ لا تُضيعي وقتك. فكرتكِ في إنشاء معرض لن تدرّ مالاً." الكلمة الأخيرة كانت كافية لتهدمني.
في إحدى المرات، وأنا عائدة من مرسم طارق، وصلتني رسالة نصية منه تقول:
"ناديا، لا تتركي فنك، هو لغتك الحقيقية." مسحتُ الرسالة بسرعة، لكنها زرعت فيّ بذور الشجاعة. قررتُ أن أرسمه. رسمتُ وجهه، بكل تفاصيله النبيلة، خبأتها في ملف سري تحت لوحات الأطفال.
لكن الكارثة وقعت. ذات صباح، كان سفيان يبحث عن وثيقة مهمة. عثر على ملف اللوحات، ورأى رسم طارق. لم يصرخ، بل ابتسم تلك الابتسامة الباردة التي تذيب الجليد.
"جميل. هل هو فنانك الجديد؟"
لم أنكر. قلتُ له:
"إنه شخص يرى روحي، سفيان. أنت لا ترى سوى الأرقام."
رد عليّ بهدوء مدمر:
"تستطيعين الانفصال والذهاب إلى روحكِ الحرة. لكن تذكري، القانون يرى الأرقام، وأنا أمتلك كل الأرقام."
التهديد كان واضحاً: حضانة الأولاد. الكلمة أوقفتني، أعادتني إلى الدائرة المغلقة. لم أعد أرى طارق. توقفت عن الرسم. حطمتُ الفرش والألوان في غرفتي، كأنها هي الجريمة وليست الفراغ الذي يقتلني.
مرت شهور، عدتُ إلى صمتي. لكن شيئاً تغير. لم أعد ناديا المنعكسة. عدتُ لعملي القديم في كلية الآداب كمساعدة مدرس، براتب بسيط، وبدأتُ ادخار المال سراً. أصبحتُ أتحدث مع سفيان في الضروريات فقط، أجهز له القهوة وأنا أفكر في كيفية بناء حياتي من الصفر.
في إحدى ليالي الصيف، رأيتُ سفيان جالساً في الصالة يشاهد الأخبار. كانت عيناه فارغتين، لا لمعة النجاح ولا بريق الحياة. كان كتمثال باهت في متحف فخم.
شربتُ كوب ماء، ونظرتُ في المرآة. رأيتُ ناديا، ذات الملامح الحادة، لكن هذه المرة كان خلفها ضوء خافت.
الآن، أنا لا أرسم. أنا أخطط. أستعد لليوم الذي سأواجه فيه الأرقام، وأنتصر عليها بروحي.
قد أكون خسرت معركة، لكن الحرب لم تنتهِ. أنا أتنفس بهدوء، أعيش في صمت، وأنتظر.
والانتظار هذه المرة ليس استسلاماً، بل استعداداً للتحليق.
للكاتب:
H I T L E R