- إنضم
- 30 يونيو 2025
- المشاركات
- 66
- التعليقات المُبرزة
- 0
- مستوى التفاعل
- 129
- الإقامة
- المملكة المتحدة
- نقاط
- 195
زيي بس قبلي ..
انا تولدت سنة ٨٥.. يعني انا دلوقتي عندي ٤٠ سنة .. بس العمر مجرد رقم زي ما بيقولو ..
قبل ٤٠ سنة جيت للدنيا و بنفس الوقت امي سابتها ! امي ماتت وهي بتولدني .
اتولدت في يوم حر، حر قوي، لدرجة إن الناس بيقولوا إن الشمس يومها كانت طالعة تزغرط.
بس ماما ماتت.
ماتت وأنا لسه ما نطقتش حرف، ولا حتى بكيت أول بكا.
بيقولوا إنّي ما صرختش زي الأطفال، كنت ساكت...
ساكت كإني كنت عارف إن الدنيا ابتدت ناقصة.
باسل ، أخويا، كان عنده 3 سنين وقتها.
بيقولوا لما شافني أول مرة، ما قالش "أخويا"، قال "هو ده اللي خد ماما؟".
ومن ساعتها...
وإحنا مع بعض، بس مش مع بعض قوي.
هو شايل ذنب أنا ما طلبتوش.
وأنا شايل حزن هو مش قادر يقوله.
اللي ربّتني كانت "عمتو — طنط نوال"، ست من نوع اللي بيكتموا التعب في عروقهم.
كانت دايمًا تقول "البيت لازم يفضل واقف... حتى لو السقف واقع جوانا".
ربّتني كأني ابنها، بس برضه دايمًا كنت حاسس إني في ضيافة مؤقتة.
و باسل ؟
باسل كان بيني وبينه حيطان ساكتة، مش بنزعل من بعض، بس مش بنقرب كفاية.
كل ما كنت أحاول أقرّب، ألاقيه بيهرب مني بكلمة، بسخرية، أو بنظرة فيها كل حاجة... إلا الحب.
بس السنة دي...
في حاجة اتكسرت.
حاجة اتغيرت في عينيه، وفيّا كمان.
يمكن عشان أنا كبرت، أو يمكن عشان هو تعب من الجري.
يمكن...
جات لحظة إن كل حاجة ماتقالتش .. تتقال
اني اسمي يحيى .. دكتور تخصص طب نفسي .. قررت اني اتكلم مع نفسي و اسمعها .. زي ما اسمع اي مريض يجيلي العيادة عشان يشكيلي الضغط الي هو عايش فيه و كله امل انه يلاقي دواه عندي ..
البداية
الحكاية ابتدت من اول يوم جيت فيه للدنيا
و مع اني مش اول واحد يتولد ويكون سبب بموت امه لكن الحكاية دي فضلت معلقة معايا .. لحد لما كبرت و ابتديت افهم شويا ..
خصوصا لما دخلت المدرسة الي عمرها ما كانت تجمع للمخلوقات البريئة زي ما الكل شايف .. لا يا عزيزي القاريء .. المدرسة و احنا صغيرين كانت حاجة شبه السجن بتاع الكبار .. ماعرفش هي عاملة ازاي لجيل النهاردة .. بس هي كانت كده في زماني لما كنت صغير ..
و اول حاجة تخليك تعرف ان الدنيا دي مش حلوة و سهلة زي ما العيال فاكرة .. و تخليك تحس بالظلم خصوصا لو كنت ضعيف .. هي التنمر ! واحد من الحاجات الي يمكن كل واحد مننا مر بيها بشكل او بآخر في فترة من فترات حياته .. العيال الي في المدرسة كانت بتتنمر عليَ و تسميني ( النحس) .. آه النحس .. لأني موّت امي لما تولدت .. هم كانو بيقولي كده !
ماتخافش عزيزي القاريء .. مش هفصلك من القصة كده من اولها .. احنا لسه بنبتدي .. ولو فصلت و زهقت .. يا سيدي حقك عليا .. و صبرك عليا شويا ..
انا ماكنتش الأبن الوحيد للعيلة .. كان فيه اخويا الاكبر مني ب٣ سنين .. باسل .. الي تكلمت عنه في المقدمة بتاعة القصة .. و لما انا جيت للدنيا و امي ماتت بعدها فأنا كنت محتاج حد يربيني و يغذيني و يرضعني .. و يخلي باله من اخويا باسل كمان . ماهو كمان كان لسه صغير و اتحرم من امه الي هو لسه و لغاية دلوقتي فاكرها ..و يمكن لسه مع نفسه هو مش مسامحني! لأنه زيو زي عيال المدرسة الي كانو معايا .. شايفيني نحس !
عمتو طنط نوال هي الوحيدة الي تعاطفت معايا .. ماعرفش ايه طبيعة العلاقة مابينها وبين امي وقتها .. بس هي اول وحدة خذتني في حضنها و وهبتني امومتها و لولاها انا ما كنتش بكتب قصة دلوقتي قدامكم ..
الايام عدت .. و انا كبرت و دخلت المدرسة الي حكيتلكو عنها قبل شويا .. و زي أي اتنين خوات .. باسل كان محدش معاه في البيت يلعب معاه غيري ما هو كان صغير كمان و محتاج حد يسليه و يخفف وحدته بعد ما فقد امه .فكبرنا مع بعض وبقينا زي الصحاب بالضبط مش بس خوات .. و كنا بنحب بعض قوي .. حتى لو باسل كان شايفني مع نفسه اني سبب حرمانه من امه .. بس عمره ما قال كده قدامي ولا انا سمعتها منه .. انما كنت بحس بيها من الحزن الي في عنيه .. مع اني محروم زيه تماما ..
الزمن كان بيمشي و احنا بنكبر معاه .. و كان باسل رقم واحد في البيت .. رقم واحد في كل حاجه .. كان تلميذ شاطر قوي و المدرسين بيحبوه جدا لتفوقه و نشاطه المدرسي في اي حاجة ليها علاقة بالمدرسة .. وانا كنت طول الوقت بسمع ده : شفت اخوك عمل ايه يا يحيى؟ ده بطل .. ده انت لازم تبقى زيه و تبقى فخور فيه .. و لما افشل في امتحان ولا اكسّل اعمل واجبي كان المدرسين بيسمعوني نفس الاسطوانة إياها كل مرة : ياريت طلعت زي اخوك يا ريتك كنت زيه ؟
مع كل الي بسمعه ده و مع شعور بالذنب انا شايله في نفسي من يوم ماتولدت عشان حاجة انا ماعملتهاش بارادتي .. بقيت ازهق كل يوم اكتر من الي قبله .. بقيت بهمل في دروسي و بهمل في واجباتي و بقى مستواياي الدراسي زفت .. و كان المدرسين بيبعتو جوابات في ايدي لأبويا .. بيقولوله ابنك ما منوش فايدة ولا فيه امل حاول توديه مدرسة خاصة ..
بس ابويا كان راجل كادح و بسيط .. عسكري بسيط في الجيش و مرتبه على قده . ما كانش مهتم قوي بكلامهم .. هيجيب مصاريف تعليمنا منين؟ هو ممشيها كده بالعافيه. مع ان ابويا كان بيعتبر فقير في الزمان ده بس هو ورث حاجة وحدة من جدي **** يرحمه. البيت الي احنا ساكنين فيه.. ما ابويا كان محوش قرشين و اداهم لعمتي بدال نصيبها في البيت و هي كانت راضية لأنها ما كانتش عايزانا نتبهدل او بشكل خاص كانت خايفة عليا انا اكتر واحد لأني زي ابنها بالضبط ..ماهي كمان كانت زي امي .. بس نقول ايه للقدر .. عمتو كمان ماتت و انا في ثانوي! و مابقاش ليا حد بعدها استند عليه غير ابويا .. الراجل الشديد الي بيحاول يخلينا نبقى اقويا زيه لأنه عارف ان الحياة دي مش سهلة ابدا و انه مش هيفضل موجود عشانا طول العمر ..
لما ابويا طلع ع المعاش .. جمعنا انا و باسل و قالنا وصيته بالحرف الواحد : البيت ده ما يتباعش وانا عايش ولا حتى بعد ما موت .. هو الي هيلمكم و هو الي هيحميكم من الدنيا و قسوتها ..
انا و باسل نفذنا وصيته و وعدناه اننا مش هنعمل كده ابدا حتى لو بعد عمر طويل طبعا ..
مع شوية المناكشات الي كانت بيني وبين باسل بس في الآخر احنا نفضل اخوات و بنحب بعض و قلبنا على بعض .. و كانت كل حاجة ماشية زي الفل من واحنا اصغيرين.. لحد ما علياء دخلت بينا !!! ايوه ماهم طول عمرهم الستات كده بيفرقو مابين الاخوات حتى و هم صغيرين
لحد ما في يوم من أيام الصيف، الي زارتنا فيه بنت خالي علياء" ، وكانت تقريبا بسني انا ، وأهلها قرروا ييجوا يقضوا الصيف كله عندنا.
عليا دي كانت بنت جميلة جدًا و رقيقة و بريئة وكانت في عين اخويا باسل غير .. حاجة تانية خالص .. لدرجة كان هو فاكرها جاية من الفضاء
لما قضت عليا معانا اجازة الصيف،كنا بنلعب انا و باسل معاها .. و نضحك و نفرفش زي ما كل العيال الي في سننا بيعملو
في يوم .. باسل حاول يقرب منها بطريقته و قال: انا هبقى سوبرمان و راح طالع ع الحيطة الي حوالين البيت و رامي نفسه منها .. و وقع ع التراب و حالته بقت حاله و كلنا وقعنا من الضحك عليه ...
أما انا، قررت اقرب ليها بطريقة تانية. أخدت دفتر تلوين وقعدت جنبها وقلت:
"أنا بعرف ألون كويس أوي، بشوف دايمًا التلوين في التلفزيون!"
بدأت الون شجرة بألوان غريبة، لدرجة إنه لون شجرة بقى باللون الأصفر! عليا بصتلي وقالت: "إنت لونت الشجرة ليه كده؟"
رديت عليها بكل ثقة:" دي شجرة سحرية،بتطلع في الفضاء!"
فجأة عليا انفجرت ضحك، وقالت :ا "بس دي الشجرة بتاعتنا الي في البيت
ومن ساعتها، كانت الأيام دي محفورة في ذكرياتنا، بكل براءتها وضحكاتها، وكل لحظة كانت بنعيشها سوا كانت مليانة حب وبراءة
و هكذا عزيزي القاريء نشئت حاجة بريئة مابينا احنا التلاتة .. كل واحد كان شايلها في قلبه من غير ما يقول للتاني .. ليه؟ عشان ما يديش سره لأخوه او يحرق عليه خطته في المستقبل! هو ده بالضبط الي ها يحصل ..
ما احنا لما كبرنا و بلغنا .. فيه حاجات كتيرة تغيرت واولها المشاعر .. المشاعر الي كانت بريئة كبرت معانا و بلغت معانا وبقى كل واحد فينا بيحب عليا في سره ..
تعرفو ان الانسان ما تبانش ملامحه كويس الا لما يكبر و يبلغ او يبقى قريب من ١٨ سنة! و باسل لما وصل العمر ده كان شكله حقيقي وسيم جدا .. وسيم اكتر مني .. ده كان بيغطي عليا لو خرجنا في اي مناسبة او تجمعنا مع أصحابنا لان باسل كان بيلبس حلو قوي و كان ده بيديه اضافة اكتر مما هو يحتاج .. مش زي حظي انا !
انا ما كنتش وحش ابدا .. تقدروا تقولو ان ملامحي تشبه ملامح باسل في النهاية ما احنا خوات.. بس هو احلا في الآخر .. هو القدر عايز كده يمكن اداله تعويض عن الأم الي فقدها بسببي ..
لما باسل وصل اخر سنة ثانوي كان الكل مراهن عليه انه هيجيب مجموع عالي يدخله كلية طب.. الكل كان شايف كده .. ما هو طول عمره شاطر و كان دايما بيطلع الاول في الصف ..
ولكن .. زي مابيقولو تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ! باسم قبل الامتحانات بأسبوع واحد بس .. عيي و دخل المستشفى و حالته كانت حاله .. بس حالته تحسنت قبل الامتحان ! ياريته كان فضل عيان ايوه .. كان ممكن في وقتها يأجل الإمتحان بس حظه الوحش ما خدموش .. و اضطر يخش الامتحانات النهائية وهو مش مستعد كويس .. و للأسف باسل جاب مجموع ضعيف .. كانت صدمة العمر بالنسباله .. و ده خلاه يقدم ع الكلية الحربية زي ما ابويا طلب منه .. يمكن عشان ده هو الحل الوحيد الي ينقذ باسم من مستقبل مجهول ولا يمكن عشان ده يخلي ابويا يشوف نفسه فيه و يحقق أحلامه
اما انا .. فمن سخرية القدر اني حققت الي باسل ما حققوش .. لما وصلت اخر سنة ثانوي و من غير سبب فيه حاجة صحيت فيَ زي ما نداء داخلي كده بيقولي مافيش حد احسن من حد .. فيه حاحة جوايا خلتني اتحدى نفسي و يمكن الحظ وقف معايا في آخر سنة و جبت مجموع عالي قدرت ادخل في كلية الطب.. بس للاسف مجموعي مكانش عالي قوي يعني لأنه كان لازم اروح جامعة في محافظة تانية تقبل مجموعي.. و اضطريت اسكن مع مجموعة من الطلبة الي زي حالاتي عشان نقدر نواجه مصاريف الجامعة والسكن وغيره . و في اليوم الي دخلت فيه الجامعة كان يوم ترقية اخويا باسل في الجيش ..
من هنا بقى الحكاية بقت مختلفة .. لأني دخلت دنيا تانية و عالم تاني و وشوش جديدة و طموح كبير و احلام اكبر .. حياة الجامعة كانت حياة منفصلة عن الحياة الي بيعرفها البني آمين..و حقيقي خسارة للبني ادم انه ما يعيش الحياة دي. انا بعدها اندمجت في مذاكرتي و بقى عندي صحاب جداد و تعرفت على زميلات جداد كمان.. و حياة الجامعة خدتني في حتة تانية و نسبت تقريبا الماضي الي عشته من قبل الجامعة .. الماضي الي كان متعلق ببنت خالي عليا .
بس المفاجأة الي حصلت انا في اول سنة في الجامعة.. ان فيه خبر وصلني من ناس قريبين ليه مش من اهلي نفسهم .. ان باسل اخويا تجوز عليا و هم ساكنين دلوقتي في بيت العيلة..
لو كنتو حابين تعرفوا اكتر عن القصة دي ياريت تسمعّوني رأيكم فيها ..
و مستنيكم بفارغ الصبر
الجزء الثاني
اول ماسمعت الخبر حسيت اني مخنوق .. مش عشان باسل استغل غيابي و خطف عليا مني و تجوزها .. لا .. انما عشان هو عمل كده بالسر و من غير ما يديني خبر ..
خدت بعضي و سبت كل حاجة و سافرت عشان افهم ليه الي بيحصل. انا عارف ان ابويا كبر و صحته بقت على قده و تقدرو تقوله انه ماكانش ليه اي دور مؤثر في سنه ده. و انا مش هعاتبه .. انا كنت ناوي اعاتب باسل لانه تجوز من غير ما يقلي ..
لما وصلت البيت .. كانت كل حاجة جواه تغيرت البقيت بقى مختلف قوي لدرجة اني ماعرفتوش و حسيت اني ظاخل بيت الجيران
ما البيت ده من بعد وفاة طنط نوال ما كانش فيه روح و لا اثر لاي لمسة انثوية فيه. الست ام الخير كانت تجي كل يوم عندنا و هي الي بتعمل شغل البيت كله من طبخ و غسل و الذي منه و في آخر النهار تروح لبيتها .. الست ام الخير كانت في الستين و عندها دستة احفاد و تجري ورة اكل عيشها هتجيب وقت ولا مزاج منين عشان تضبف لمسات انثوية في بيتنا؟
المهم اني دخلت وشفت البيت متروق و الورد الجميل متحط بفازات حلوة و متوزع في كل ركن تقريبا ، من غير اللوحات الجديدة الي برده لوحات فيها رسم ورد؟ و متعلقة على كل حطان البيت .. و كمان مكان العفش و الموبيليا تغير و مابقتش عارف لو التغيير ده وصل لحد اوضتي ؟
بس قبل ما ادخلها سمعت صوت جاي من المطبخ، انا وصلت قبل المغرب بشويا ، اكيد في حد بيعمل عشا. بس انا قلت يمكن دي اليت ام الخير. فكان لازم اعدي على ابويا في اوصته واسلم عليه ..
ابويا كان تعبان حبتين و صحته بقت في النازل و كان راقد طول الوقت على فرشته في اوضته و صعب عليه يتحرك مش لانه بقى عجوز قوي انما لان العيا و الحزن هم الي خدو منه صحته قبل الأوان
- ليه كده يا بابا ؟
- يابني كل شيء قسمة ونصيب، اجمد كده يابني و اول ما خوك يرجع في اجازته من الجيش تباركله من كل قلبك
- يا بابا انا هباركله اكيد ده اخويا و حبيبي.. بس انا زعلان عشان هو عملها كده سكيتي .. يرضيك يا بابا اعرف من الناس الغرب ان اخويا تجوز؟
- معلش يابني سامحه عشان خاطري. الظروف هي الي حكمت
- الظروف؟ ظروف ايه يا بابا
- خالك عيان قوي و شكله مش هيطول كتير و كان عاوز يطمن على بنته في اسرع وقت قبل ما يسيب الدنيا. و هو كلمني و قالي انه عارف اخوك باسل جاهز و هو اولى بيها من الغريب.
- قصدك عشان انا لسه طالب سنة اولى طب و لسه قدامي سنين طويلة فباسل هو الي جاهز يتجوزها دلوقتي .. مش كده ؟
- معلش يابني.. مافيش فرق بينك وبين اخوك.. و عليا بقت مراته و على ذمته ، يعني بقت زي اختك تمام. ماتخليش حاجة زي دي تعمل خلاف مابينك و بين اخوك ، يابني نصيبك لسه مآنش اوانه و محدش ياخد غير نصيبه
- حاضر يا بابا امرك على راسي من فوق
انا قلت كده و جوايا مقهور. ماكنتش عاوز اسمّع ابوبا حاجة يمكن تزعله. ماخلاص عليا بقت مرات باسل. بس ليه محدش راضي يصدق انه مش ده كان سبب زعلي؟
المهم طلعت من اوضة ابويا و رحت على طول لاوضتي اغير و بعد كده استحميت. و لما خرجت من الحمام لقيت في وشي ع طول عليا !
عليا كانت واقفة و هي بتبتسم و فرحانة لأنها شافتني . كأنها كانت عايزة تحضني لولا انها خلاص بقت مرات اخويا و ماينفعش الحاجات دي تحصل مابينا دلوقتي
عاليا بقت اجمل من قبل بكتير يمكن الجواز خلاها تبقى اجمل و ضحكتها كانت ماليه وشها
- يحيى؟ من امته وانت هنا؟ وصلت امته؟ ازايك يا يحيى؟ انت بجد واحشني.
- لسه واصل حالا.. انا ماكنتس فاكر انك هنا.
- عاليا بتضحك؛ امال هكون فين بس؟
- اه العفو مش قصدي. انا نسيت اباركلك. الف مبروك يا عاليا.
- **** يبارك فيك يا يحيى عقبالك
- انا؟
- اه انت؟ عقبال لما نفرح فيك
- لا ده لسه شويا قدام عبال ما خلص و تخرج.
انا سمعتها قالتلي اخويا و الكلمة دي نزلتني من السما للأرض بلمح البصر.
انا مش لازم انسى انها بقت مرات اخويا مش بس بنت خالي زي زمان.
- سامحنا يا سي يحيى عشان باسل عمل الفرح بسرعة كده وسكيتي و مالحقناش نعمل فرح كبير ما انت عارف ظروف ابويا و ظروف شغل باسل
- اه عارف .لا معذورين يا عاليا. **** يقوم خالي بالسلامة
- **** يخليك يا خويا
- عن اذنك يا عاليا
- انت تعشيت؟
- لا مش مهم انا لازم اخرج حالا عندي مشوار مهم
- هاتتاخر كتير؟
- اه هتاخر مافيش داعي تستنوني ع العشا
خرجت من البيت بكدبة لأني تخنقت الوضع بقى صعب قوي اني اتحمله. اخويا باسل كان بيشتغل بنظام ٣ ب ٣ ؛ يعني بيروح لثكنته العسكرية الي هي بعيدة قوي عن المحافظة و يفضل فيها ٣ ايام و يرجع اجازة يرتاح ٣ ايام كمان
و باسل كان لسه النهاردة من بدري رايح لثكنته .. يعني لسه قدامه يومين بحالهم قبل ما يرجع ، حسيت بتقل في وجودي، اول مرة احس نفسي غريب مع اني في بيتي؟ اول مرة احس ان عاليا غريبة علي كمان. لإنها بقت مرات اخوية.
كان لازم استنى الكام يوم دول لغاية ما باسل اخويا يرجع من الجيش عشان اباركله مع اني زعلان منه.. بس الواجب واجب.
كل يوم كنت بخرج من النجمة اروح الف في الشوارع والكافيهات ولا حتى ازور صحاب قدام عمري مافكرت ازورهم بحجة انهم وحشوني. كنت بعمل كل ده عشان الوقت يعدي بسرعة و ارجع للبيت في آخر الليل عشان ماشوفش حد صاحي و اخش اوضتي ع طول و ارمي نفسي ع سريري زي القتيل و انام.
في اليوم التالت الي فيه كان المفروض اخويا يرجع للبيت.. رجعت بدري شويا لاني كنت ناوي اول ما اباركله اخذ بعضي وامشي ع طول و أرجع للجامعة..
بس الي حصل شيء مش متوقع. اول مادخلت البيت لقيت عاليا واقفة قدامي و مبوزة وشها و حاطة اديها ع خصرها و باين انها كانت متغاضة مني! اظاهر ان باسل اخويا لسه مكانش راجع البيت.
- انت بتعمل كده ليه؟
- عملت ايه انا؟
- انت عارف كويس قوي الي عملته؟
- لا والهي يا عليا مش عارف .. ياريتك تنوريني
- هو انت لما كنت ترجع من صرمحتك آخر الليل ماكنتش تبص ع التلاجة؟ ولا تاكل برى و بس!
- تلاجة؟ وهابص عليها ليه؟
- اخص عليك يا يحيى بقى انا بتعب طول النهار عشان اعملك لقمة حلوة تستاهل بقك وانت في الآخر تجي متأخر و ما تدوقش الي عملته ؟
- اه .. قصدك بتحطيه في التلاجة عشاني! سامحيني يا عليا ما .. ما انا برجع متاخر اكيد ببقى متعشي.
- هو انا غلطت في حاجة يا سي يحيى؟ بتعاملني المعاملة الوحشة دي ليه؟ فهمني طيب؟
- انا؟ انا بعاملك وحش؟ ده انا حتى ماكلمتكيش من يومين
- وهو ده الي انا بقصده ، مابتكلمنيش ليه يا سي يحيى؟
- ما انا اصلي كنت مشغول مع صحابي و كان عندي مشاوير مهمة
- لا يا يحيى انت مكنتش عاوز تشوفني مش كده؟
- ليه تقولي كده بس؟
- ماعرفش؟ اسال نفسك الأول. دايما بتهرب مني. هو انا مش صاحبتك و بنت خالك ولا نسيت ايام زمان واحنا صغيرين؟ ليه خلتني كده فجأة احس اني غريبة عنك
- انا اسف يا عليا مكانش قصدي والهي. يمكن بس لسه بحاول اتكيف مع الوضع الجديد
- وماله الوضع الحديد يا يحيى؟
- ما مالوش! بس انت لازم تعذريني.كل حاجة بقت جديدة عليا في البيت .
- ماشي يا يحيى. انا هعديهالك المرادي. بس و حياتك ما تعمل كده تاني.. احنا خلاص بقينا عيلة وحدة و هنعيش حياتنا كلها مع بعض.
- حاضر يا عليا .
- يلا بقى تعال عشان تاكل لقمة معايا
- و هو باسل جه؟
- لا لسه بس شكله هيتاخر وهو مش هيزعل لو كلنا قبله
رحت مع عليا المطبخ و انا مش مرتاح ابدا بس حاولت ابقى طبيعي قدامها. كان لازم ناكل سوا لوحدنا. ابويا عيان مايقدرش يسيب سريره و كانت عليا بتوديله الاكل لحد عنده.
ابتديت آكل كده و كده ماليش نفس اصلا اكل ، بس انا عملت كده عشان اثبت لعاليا ان كل حاجة طبيعية ما بينا.
و زي اي اتنين بياكلو ع العشا ابتدت عاليا تسألني! عادةً هي أسألة عادية لو كانت لسه ما تجوزتش اخويا؟ سالتني عن الكلية و الجامعة و صحابي و ازاي اخلص وقتي هناك و بعمل ايه... كلها اسالة عادية لغاية ما وصلت عاليا للسؤال الي انا كنت خايف منه؟
- طب ايه؟ مافيش بنات معاكم في الجامعة؟ ولا الفصل كله شبان زيك
- لا في طبعا
- حلوين؟
- هم مين؟
- البنات؟
- اه طبعا في منهم الحلو و مافيش حد وحش كله خلقة ****
- و مافيش وحدة عجباك منهم؟
عليا خضتني و فاجأتني بسؤالها ده؟ شمعنى سالتني السؤال ده؟ طب هي مالها؟ ولا هي فعلا بتسأل عادي؟
بس قبل ما أجاوب سمعنا احنا الاتنين صوت واحد بيدخل .. ايوه ده كان باسل.. الي كان لسه راجع و هو عنده خبر اني موجود.
اول ما دخل باسل .. وقفت انا من مكاني استلقيته و حضنته و بسته و انا بباركله ، مع انه كان لسه راجع و لابس بدلته العسكرية الشيك الي مدياله هيبة و حضور جميل جدا ..
باسل كمان حضني و رحب في جامد وبعد كده قال ع طول وهو يلص ناحية السفرة
- أيا ملاعين! جالكو نفس تاكلو من غيري!
- كنت لسه بقول كده لعالية بس ..
عاليا قامت من مكانها و راحت مسلمة ع باسل بكسوف . هم الاتنين تصرفوا بكسوف.يمكن لو ماكنتش موجود كان باسل خدها في حضنه و باسها .
عاليا: انا هخش احضر هدومك عشان تستحمى
باسل: لا خليكي يا عاليا مش وقته. خليني نأكل الاول ..معقول نسيب يحيى ياكل لوحده
- انا مش غريب يا باسل
- انا عارف انك مش غريب يا يحيى .. بس برضه الاكل هيبرد .. مش كده ولا ايه يا عاليا ؟
عالية سكتت ماعرفش ليه ابتده الجو يتوتر من حوالينا
كنا احنا التلاتة قاعدين حوالين السفرة. الأكل باين عليه طعمه، ريحة الكفتة والرز بالشعرية مالية المكان، بس الجو كان فيه برود كده… كأن الكلام واقف على طرف لسان حدّ ومستني يخرج.
مديت إيدي اخد من السلطة، وبعدين رجّعتها بهدوء لما حسّيت بنظرة عاليا ناحيتي
باسل، وهو بيضحك ضحكة صغيرة كده وسكينة اللحمة في إيده:
– "إيه يا يحيى؟ واخد جنب؟ ما تمدّ إيدك يا راجل، إحنا أهل دلوقتي… ولا نسيت؟"
حاولت أبتسم، بس كانت باينة إنها ابتسامة مجاملة:
– "لا طبعًا، ما نسيتش..."
عالية، وهي بترفع كباية المي من قدّامها بس ما شربتش منها ورجعتها : كل يا يحيى كل!
اما باسل كان بيحط الشوكة عالطبق ويبص لي بنظرة فيها شوية سخرية وشوية فَخر:
– "الدنيا بتتغيّر يا يحيى... والناس كمان.
بس الفرق إن في ناس بتتغيّر وبتقف مكانها، وفي ناس بتعرف تغيّر مكانها."
عاليا، وهي بتحاول تخفي ابتسامة سريعة، قالت وهي تبصلي :
– "كل واحد ونصيبه بقى."
انا سكت لحظة، وبصيت لهم هما الاتنين… بس ما قلتش حاجة.
المعلقة فضلت في إيدي، بس الطبق فاضي.
سكتة قصيرة على السفرة. صوت المعلقة وهي بتخبط في الطبق هو الوحيد اللي بيكسر الهدوء.
كنت لسه بحاول ابتسم من غير ما تبان ابتسامتي الضعيفة:
– "آه... كل واحد ونصيبه فعلاً."
باسل، وهو بيقطّع عيش وبيرمي قطعة قدّامي:
– "بس النصيب ساعات محتاج اللي يعرف يمسكه، ما يسيبوش يعدّي كده…
زي اللي بيقف في المحطة ويفوته القطر."
عالية، رفعت عنيها ناحيتي بسرعة، وبعدين نزلت تبص في طبقها تاني،
كأنها فهمت المعنى اللي بين السطور.
انا ابتسمت ابتسامة صغيرة، بس المرة دي فيها وجع متغلف بالهدوء:
– "أصل مش كل قطر يستاهل إنك تركبه…
فيه اللي بيودّي في سكة مش هي نفسها السكة."
باسل، ضحك بصوت واطي وقال:
– "بس القطر اللي أنا ركبته... كان رايح لمكان يستاهل."
سكتة تانية.و هدوء عدى علينا
انا قمت بعدها الم المنديل من حجري:
– "أنا لازم أمشي… لازم أسافر بكرة الصبح بدري "
عالية قالت- بسرعة كده، وهي تحاول تبان طبيعية:
– "خلاص؟ طب ما تقعد شوية كمان؟"
باسل كان بيشرب بقية العصير اللي في كوبايته:
– "سيبيه يا عليا… هو دايمًا بيحب يخلّص بدري.
حتى لما كان الموضوع محتاج منه شوية صبر."
وقفت، وبصيت لباسل نظرة سريعة، فيها حاجات كتير ما اتقالتش،
وبعدين قلتله:
– "الصبر مش ضعف يا باسل… بس في حاجات لما تفوت، تبقى رحمة إنها فاتت."
مشيت وانا سايب ورا ضهري كلام كتير ما اتقالش… بس اتفهم.
وباسل فضل قاعد، ماسك الشوكة، ساكت.
وعالية؟ كانت بتبص في الطبق، بس عنيها ما كانتش شايفة الأكل... كانت شايفة حاجة تانية خالص.
الليلة عدت علي كانها سنة. ماصدقت وش الصبح طلع عليا رحت واخذ شنطتي الصغيرة الي حيلتي و ركبت اول قطر راجع لجامعتي
اتمنى ان الجزء ده عجبكم ياريت اسمع رأيكم و اكمل ولا ابطل كتابة؟
الجزء الثالث
همسة
الحكمة بتقول: الاندماج في عمل جديد هو افضل علاج للنسيان.
وانا في القطر الي رايح المحافظة الي فيها جامعتي افتكرت حاجات تانية حصلت ما بيني وبين اخويا باسل في ليلة العشا في وقت متأخر من قبل ما امشي على طول
باسل كان قاعد على طرابيزة السفرة، بيضك بصوت عالي، وعاليا جنبه بتحاول تكتم ضحكتها، وانا قدّامهم، بقطع في الأكل بطبقي بهدوء متوتر.
باسل قال وهو بيهز راسه بفخر:
"فاكر يا يحيى زمان لما كنت بتقعد تسألني تعمل إيه في كل حاجة في حياتك؟ حتى لما كنت عايز تعترف لبنت الجيران وتقولها انك معجب بيها، جيتلي الأوضة وأنا بذاكر! و فضلت تسألني : لو كنت مكاني كنت هتعمل ايه؟ "
انا ابتسمت ابتسامة مكسوفة، وقلتله بهدوء:
"آه، وطلعت هي وقتها تضحك عليَ **** يسامحها… فاكر."
عاليا ضحكت وقالت:"بجد؟ يا نهار أبيض! ده انتو كنتو عيال بتوع فضايح."
باسل:"بس بص بقى… رغم كل حاجة، أنا اللي دايمًا كنت باخد القرارات الصح. شوفي يا عاليا، حتى في الجواز… اخترت أحسن واحدة في الدنيا، ما هوّ مش أي حد يعرف يكسب قلب عاليا . مش كده ولا أيه؟ "
وراح باصص لها بفخر وهي حطت إيدها على وشها من الإحراج.
انا رميت شوكتي على الطبق وقلت وانا بضحك:
"آه يا عم، إحنا عارفين، انت دايمًا اللي كسبان… بس انا اتغلبت بكرامة، و انت كمان مش ها تاخد البطولات كلها."
باسل ضحك وقال:
"ما هو أنا كنت كابتن الفرقة حتى في البيت… وإنت كنت دايمًا الاحتياطي."
عاليا بصّتلي وقالت لي بلهجة دافية:"بس بجد… كنت دايمًا أسمع عنك من باسل. كان دايمًا يقول عليّك الأحن، والأذكى، بس هوّ بيحب يحس إنه سبقك… عارف إنت، نفسنة الأخ الكبير."
ابتسمت بمرارة خفيفة وقلت:
"آه، بس أنا دلوقتي بقيت بلعب في دوري تاني… وهنشوف في الآخر مين اللي هيكسب البطولات التانية."
وساعتها ساد صمت بسيط على الترابيزة، الكلمة الأخيرة دي كان فيها تحدّي حقيقي، حتى باسل حس إن فيه حاجة بتتغيّر…
اليوم ده كان آخر يوم شفت فيه باسل و عليا ! لأني خدت قرار اني مش هرجع تاني ابدا الا بعد ما أتخرج. ساعتها يحلها حلال.
كان لازم اندمج في الحياة الجامعية الجديدة الي انا دخلتها و كنت كل يوم بحب الحياة هنا اكتر و بذوب فيها .. وقلت خلاص هارجع ليه انا؟ انا هافضل هنا و مش هارجع للبيت؟ و تعرفت على صحاب جداد و كلمت بنات متربية و عرفت ان مش كل حاجة محصورة مابين الرجلين فيه حاجة اسمها عقل و انسانية برضه.
كنت بكدب و ادور على اي حجة ارد بيها على ابويا لما يكلمني و يقولي: انت ما بتجيش ليه يا ولد؟ هو احنا مش واحشينك يا يحيى؟
كنت بقوله: معلش يا بابا هانت. مستقبلي اهم من المجاملات دي. انش**** اتخرج و اتعين قريب من بيتنا و هتشوفني ساعتها كل يوم.
الايام عدت . و انا نسيت حكاية عاليا خلاص. كل يوم في الجامعة كنت بشوف بنت مؤدبة و حلوة و اقول هي دي الي تستاهل اكمل عمري معاها. بس ما يحصلش نصيب من البداية. كنت بكتشف الدنيا و الحياة كل يوم و انا فرحان قوي لأني ماتجوزتش عليا .. و ماتجوزتش من الاساس اصلا ..
بس كنت ابقى مجبر اني اعدي على بيت العيلة في عطلة الصيف. و لما اتخنقت في اول سنة . اتعمدت اني اسقط نفسي في أمتحان مادة عشان افضل في سكن الجامعة ايام العطلة بحجة اني بذاكر للدور التاني. و الحكاية دي نجحت معايا بشكل
من بعد الي حصل من باسل و الليلة اياها، رجعت لهدوئي المعتاد، بس جوايا كان فيه نار خفيفة بتقيد. مش من باسل بس، لا… من إحساسي إني لسه مش لاقي الحاجة اللي تحسسني إني سابقه بخطوة. لحد ما بدأ الترم الجديد في الكلية.
في أول أسبوع من المحاضرات، كنت قاعد في المدرّج، مركز مع دكتور الفسيولوجي، لما دخلت دفعة أولى… ومنهم بنت دخلت متأخرة شوية، شعرها لونه بندقي باين من تحت التحجيبة، لابسة أسود وعنيها فيها لمعة غريبة.
عرفت بعدين ان اسمها… همسة.
تعرفت عليها بنفس اليوم . بنت شبه الملايكة في كل حاجة.. في رقتها و جمالها و عذوبتها و شخصيتها. البنت دي كان اسمها همسه .. لأنه اسم على مسمى فعلا دي حتى كانت لما بتتكلم صوتها ناعم و رقيق يشبه الهمس .
الكلام ده كان في سنة تانية من الكلية و كانت هي لسه طالبة جديدة عندنا في سنة اولى. و الصدفة هي الي عرفتني عليها. و حصل اعجاب مابينا. و بما اني نجحت و عديت اصعب مرحلة في الكلية فكان واحد من زمايلي الجداد الي اعرفهم محتاج لنصيحتي و شورتي و خبرتي القصيرة .. و كانت كل حاجة اقولهاله ليها اهمية كبيرة عنده لإنه بيطبقها على نفسه عشان يعدي المرحلة دي و ينجح
ازاي تعرفت على همسة؟
كانت همسة قاعدة في أول صف في قاعة المحاضرات وكنت وقتها داخل مع زميلي الي طلب مساعدتي وانا عامل فيها مترجم ليه و كده ، و بنص المحاضرة سألها الدكتور سؤال صعب جدًا، وهي ردّت عليه بكل ثقة.. و جاوبته جواب متكامل
بصّيتلها و جمالها شدني من اول نظرة . ازاي البنت مجتهدة قوي كده من اولها ؟ ضحكت مع نفسي وقلت
"أول مرة حد يسبقني في الإجابة من سنة ونص!"
اكدب عليكم لو قلت اني سبت الموضوع يعدي كده .. لا .. انا فضلت متابع البنت القمر دي خطوة خطوة
في الكافيتيريا وبعد المحاضرة ع طول، بالصدفة كانت همسه بتدور على مكان تقعد فيه، وانا كنت قاعد على ترابيزة لوحدي
شفتها واقفة قريب مني و قلتلها على طول
"لو مش لاقية مكان، الكرسي ده متاح… بس بشرط، ما تجاوبيش على أسئلة الدكتور قبلي تاني."
ضحكت همسه وقالت:
"أنا جاوبت لأنك كنت ساكت و ما تعرفش الاجابة… لو اتكلمت انت قبلي مكنتش هسبقك!"
همسة قعدت قدامي وانا باصص بحذر لجمالها و برائتها. و ابتدينا نتكلم .. حوارات عادية بين اي اتنين زملا. جبت مجموع كام؟ ساكنة فين؟ ازاي بتجي للكلية؟ اي اكتر مادة حبيتيها؟ و هكذا دواليك عزيزي القاريء.
هي ارتاحتلي من اول مرة التقينا فيها .. وانا كمان
ومن هنا، ابتدى كل يوم في الكلية يبقى له طعم مختلف. كنا نستنا الصبح يطلع عشان نتقابل بأي حجة.. والي يسالنا بنقولهم احنا بنذاكر سوا، مع اننا كنا بنعمل كل حاجة سوا مش بس نذاكر .. نضحك سوا، و ناكل سوا و نلف في جنينة الكلية سوا ..أوقات كنا بنتخانق على أسئلة المراجعة، وأوقات كنا نفضل ساكتين طول الوقت واحنا بنبص في عيون بعض وسكوتنا يبقى أدفى من ألف كلمة.. وليه الف معنى و معنى
و شوية شوية و رغم اننا مش من نفس المرحلة لكننا بقينا ما نفترقش عن بعض. لا في كافتيريا ولا حتى في مشرحة درس التشريح الي مكانش من حقي ادخله بعد ما خلصته و لا حتى في الفسحة الي بعد المحاضرات. كنا بنمشي سوا كأننا مكتوبين لبعض. الكل كان شايف كده. مش بس انا
كل حاجة كانت باينة. مافضلش غير التصريح الرسمي الي يخلي لعلاقتنا شكل و اسم صريح قدام الناس و قدام نفسنا
في يوم، بعد السكشن، الجو كان مطر خفيف، كنا واقفين تحت شجرة قدام الكلية.
قلت لها:
"عارفة؟ لما شوفتك أول مرة، حسّيت إني قابلت حد كنت مستنيه من زمان."
بصّتلي وقالت بس بعد شوية تفكير:
"وأنا حسّيت إني أخيرًا لقيت حد يفهمني من أول نظرة."
تقدروا تقولوا ان ده كان اول تصريح بيكشف المستخبي من مشاعرنا ..
مرّت الأسابيع والشهور، و انا وهمسة بنبقى جزء مهم من يوم بعض. كل حاجة بتحصل في الكلية، سواء تعب من المحاضرات أو فرحة بعد امتحان صعب، كنا بنقسمها ما بينا
أول لمسة حصلت ما بينا .. يومها كنا قاعدين في المكتبة، بنذاكر تشريح. همسة كانت بتحاول ترسم العضلات على ورقة، لكن كانت متلخبطة.
قلتلها وانا باخد منها القلم:
"استني كده، العضلة دي بتيجي من هنا…"
و انا برسم، صباعي لمس صباعها بالغلط. لحظة بسيطة، بس قلبنا سكت فيها شوية. هي ما شالتش إيدها، و انا ما بعدتش
بصينا لبعض، وكل واحد فينا حس إنه قال للثاني "أنا بحبك" من غير مايقول ولا كلمة.
طب امتى أول مرة قلتلها بحبك رسمي ؟ في يوم كنا واقفين على كوبري صغير جوه الجامعة، والشمس بتغرب، والجو فيه ريحة تراب مبلول من المطر.
قلتلها فجأة، من غير تفكير:
"أنا بحبك يا همسة…"
هي اتجمّدت لحظة، بصّتلي، وسكتت.. كأنها كانت عارفة ان اللحظة دي كان لازم يجي أوانها
وبعدين قالتلي بهدوء:
"وأنا كنت مستنياك تقولها… عشان أقولك، إني بحبك كمان."
اليوم ده كان اسعد يوم في حياتي .. خلاص، **** عوضني عن كل الي فات و اداني حبيبة ما فيش زيها ابدا. مافيش اجمل منها ولا في أرق منها.. مافيش خالص .. هي همسة وحدة و بس.. و بقت بتاعتي و نصيبي خلاص ..
كنت بعيش مع همسة أجمل ايام حياتي حرفيا. اجمل ايام ممكن الطالب الجامعي يعيشها .. كلها فرح و سرور و اوقات حلوة كنت مش عايزها تعدي ابدا .. اللحظة معاها كانت عندي بالدنيا و مافيها .. و كل يوم بيعدي علينا كان حبنا بيكبر اكتر
عدّت الايام والسنين، وانا وهمسة كنا بنكبر مع بعض و ننجح مع بعض لدرجة كنت بفكر أسقّط نفسي عشان نبقى سوا في نفس المرحلة. بس همسة قالتلي: اوعى تعمل كده يا يحيى.. لا عشاني و لا عشان اي حد، قلتلها: ليه طيب؟ مش حابة نبقى مع بعض؟ قالتلي: نبقى مع بعض لما تنجح و تسبقني و تبقى دكتور قد الدنيا و تقدر ساعتها تطلب ايدي من اهلي هي دي فرحتي الحقيقية
حبنا ده كان حاجة جميلة بيشبه قوي الحب الافلاطوني .. بقينا احنا الاتنين زي الروح في الجسد. كنا بنتكلم عن المستقبل، مستقبلنا احنا مع بعض ..نحلم فيه ببيت صغير فيه شباك بيطلّ على جنينة، وهي تقعد تفاصلني بلون الستاير، و شكل المطبخ و العفش! وكنت بضحك وأقول:
"بس أهم حاجة، تكوني إنتي جوا البيت ده."كنت بقصد ده من كل قلبي
كانت همسة تحس بكلامي الي طالع من القلب ده و تقولي:
"أنا عمري ما هكون في بيت غير معاك… وعد."
ووعدتْ.. و يا خوفي من الوعود لما الانسان بيقدمها وهو مش ضامن انه قادر يوفي بوعده ده !
آخر سنة، قبل التخرج بكام اسبوع، الدنيا لعبت لعبتها القاسية.. همسة عيّت فجأة و خدت اجازة عشان تستريح في البيت. و كنت كل ما كلمها كانت ما بتردش عليا غير برسالة تطمني فيها عن نفسها بكلمتين ..
قلت مع نفسي ما تبقاش لزقة يا يحيى سيب البنت ترتاح و ريحها من مكالماتك الي ما بتخلصش.. مسيرها تبقى احسن و ترجع للجامعة و هاتشوفها زي زمان
بعد شهر تقريبا.. ابتديت اقلق بجد.. سألت همسة امتى هترجعي الكلية يا همسه؟ وحشتيني قوي ، انت بقيتي كويسة؟.. مش عاوزك تفوتي محاضرات كتيرة عايزك تلحقي الفصل قبل ما يخلص.
كانت بترد علية برسالة من كلمة ولا اتنين: قريب .. قريب يا يحيى.
لحد ما في يوم عرفت من زميلتها انها دخلت قاعة المحاضرات الصبح بدري! بس في يومها ، كنت انا في المستشفى في التدريب مع الاساتذة بتوعي، وهناك حصلت الكارثة .. الصدفة ساعات بتكون غريبة قوي بالشكل ده ؟ لما سمعت الدكاترة بيتكلموا مع بعضهم قريب مني
"همسة… آه، دي اتخطبت يا راجل! بقت خطيبة دكتور سيف. ما شاء ****، لِقطة وهو برضه ما يتسابش."
التاني بيقول" دكتور سيف تخصص تجميل و امه و ابوه دكاترة كبار دول من كبرات البلد، ناس اغنيا قوي
الاسم وقع في وداني زي قنبلة. وقفت فجأة زي المشلول في مكاني، قلبي دق بسرعة غريبة، حسّيت ببرودة في أطرافي. مش قادر اصدق وداني. لا كلمت حد ولا فضلت في مكاني اكتر من كده .. رحت جري طالع من المستشفى ع الكلية عدل .. مستني همسة تخلص محاضرتها وانا بقول لنفسي: لحد امته افضل اسمع اخبار الناس الي بتهمني من غيرهم؟ ده حصل قبل كده لما باسل تجوز عليا.. و حصل حالا مع همسة! الي تخطبت من غير ما تقولي؟
كنت مش مصدق الي بسمعه . انا رحت اصلا عشان اسمع من همسه نفسها وهي تكدب الأشاعة الوسخة دي و معشم نفسي وهي بتقولي: الي سمعت ده كدب يا يحيى.. انا عمري ماهبقى غير ليك !
كنت مستنيها تخرج من القاعة والارض تحت رجلية كانت شايلاني بالعافية من كتر همي و غضبي و حزني المتجمعين فوق قلبي و روحي و نفسي بقى مكتوم و كنت بداري دمعتي و مش عايز ابان اني مهزوز او ضعيف
اخيرا طلعت همسه و كانت لابسة اسود.. زي اول يوم شفتها فيه. بس السواد المرادي كان باين على روحها مش بس هدومها. عنيها نص مغمضة و باصة تحت رجليها و ماسكة كشكول المحاضرات باديها الاتنين قدامها و هي ماشية بطيء كأنها عارفة اني هبقى موجود و هاواجها .
"إيه الكلام اللي سمعته ده ؟ دكتور سيف؟ خطيبك؟ ده كدب مش كده؟ قولي انها كدبة؟ "
هي سكتت، وبصّت في الأرض، وبعدها رفعت عينها الحمرة من كتر العياط وقالتلي وهي مش قادرة تبص في وشي
"لا يا يحيى. الي سمعته ده صحيح . انا اتقدّملي دكتور سيف و أهلي شايفين إنه مستقبلي معاه مضمون. وأنا… وافقت."
ماكنتش مصدق الي بسمعه بس هي شكلها ما كانتش بتكذب انا عارفها كويس. هي قالت الكلام ده كده ببرود مستفز يمكن عشان تخليني أكرهها و ابعد و انساها
"و وعدك ؟ و حبنا؟ و السنين اللي فاتت؟ واحلامنا ..والبيت الي بنيناه في خيالنا والعفش الي انت اخترتيه .. راحو فين؟ "
قالتلي مرة تانية بشكل مستفز اكتر كأنها جثة من غير مشاعر .. ميتة في روحها و قلبها و على وشّها ملامح متجمدة:
"إنت عارف الدنيا مش دايمًا بتمشي بالحب . الحب لوحده مش كفاية يا يحيى. فيه حاجات أكبر و اهم… مستقبل، أمان، أهل"
قلتلها بغصة محشرجة في حنجرتي
"وإنتي ؟ كنتي بتخدعيني؟"
قالت وهي بتحاول تبعد عني كأني واحد غريب عمرها ما عرفته:
"أنا… حاولت أحبك للآخر، بس خوفي غلبني.. الدنيا غلبتني يا يحيى. "
- نتحداها مع بعض يا همسة زي ما كنا بنوعد بعض
- احنا مش قد التحدي ده يا يحيى..
- و انت تعرفي منين اننا مش قده اذا كنتي انتي نفسك حكمتي ع الحب ده بالفشل؟ ولا حتى اديتيله فرصة.. انت سقطّتيه من قبل ما يدخل اول اختبار فيه مالاساس
- آسفة يا يحيى.. سامحني ..
في اللحظة دي، مات جوايا يحيى القديم. الشخص اللي كان شايف الدنيا بالأمل، بالأحلام، بالحب، بالكلام الجميل الي قريناه في الكتب. كفرت بالبراءة من بعد الي عملته همسة في و بقيت متأكد قوي انه مافيش انسان بريء .. كله بيمثل على كله .. كل كدب كدب كدب
دلوقتي يحيى بتاع زمان مات بس اتولد مكانه شخص تاني. ساكت أكتر، عينه فيها حزن مش مفهوم، قلبه بقي مقفول للابد
بس جوّايا أقسمت إني مش هانسى، ولا هسامح بسهولة.. ابدا
في اليوم المشؤوم ده
رجعت لسكن الطلبة و انا شايل في صدري وجع أكبر من أي حاجة وجعتني قبل كده.
دخلت أوضتي، قفلت الباب، وفضلت واقف ثواني مش قادر اخد نفسي. حسيت إن الدنيا كلها ضاقت حواليه، وإن الهوى نفسه بقى تقيل على صدري.
قعدت على الأرض قدام سريري، ضهري للحيط ، ودفنت وشي في إيدي. وعيطت .. عيطت زي عيل اتحرم من امه .. صحيح انا اتحرمت من امي لكني ما عرفتهاش ولا شفتها .. همسة جت و بقت لي هي الام و الحبيبة و كل حاجة .. دلوقت بس عرفت احساس باسل كان عامل ايه يوم ما انا تولدت و ماتت امي بعدها ع طول..
فضلت ابكي بس بصوت مش عالي، كانت دموعي بتنزل ساكتة… دموع خيبة وصدمة.. و فقد و حرمان .. صدمة العمر الي عمري ما هنساها .في اللحظة دي، كل حاجة اتكسرت جواي.
كل مرة حلمت بيوم الفرح معاها…
كل كلمة حلوة قالتها…
كل وعد كتبناه مع بعض…
كلهم اتحوّلوا رماد.
بعد الي حصل .. عدت الأيام بطيئة كأنها سنين
كنت بروح المستشفى بتدرب، وبرجع ساكت.
ما بقتش أرد على أصحابي و لا اخرج معاهم.
ما بقتش أضحك غير مجاملة.
ما بقتش احس بأي حاجة.
في الليل، كنت بكتب في كشكول صغير:
- "وحشتيني… وغدرتي بيا. مش عارف أكرهك… بس ها أحاول أنساكي. يمكن أنجح."
- "كل حاجة بينا ماتت… وأنا كمان روحي جوايا ماتت."
وفي يوم، صحيت الصبح، بصيت في المراية، شفت وشّي تعبان، عنيه مطفية، والروح تسحبت مني ..قلت لنفسي بصوت واطي:
"مش هسيبها تقتلني مرتين… مرة لما سابتني، ومرة لما عشت في وجعها."
وقررت إني أبتدي أنسى… مش عشان ما حبهاش، لكن عشان ما انتهيش و محدش هامة لو حصلتلي حاجة وحشة.
قررت إني أكمّل. اكمل مذاكرتي و انتبه لدروسي .. مش فاضل كتير و اتخرج واشوف مستقبلي و نفسي .
و ابتديت أذاكر كل يوم أكتر، و أثبت نفسي في شغلي ، وأهتم بروحي اللي اتكسرت.
عرفت إن النسيان مش قرار بيتاخد مرة واحدة لكن كل يوم كنت باخذ خطوة صغيرة لقدام فيه
لأني لو فضلت عايش على أطلالها، عمري ما هشوف اللي ممكن الحياة تقدمهولي من بعدها.
محتاج ارائكم
الجزء الرابع
في يوم التخرج
نجحت و تخرجت اخيرا وكان يوم فرحة كبيرة مع اني كنت حاسسها فرحة ناقصة! كنت بتمنى ان حلم حياتي و حبي تبقى موجودة و تقف معايا في اليوم ده و احنا نتصور مع بعض بزي التخرج عشان تبقى صورة لذكرى أبدية .. بس اقول ايه للقدر؟
القاعة كانت مليانة زغاريط وضحك وكاميرات بتصور. الطلاب كانوا لابسين الروب الأسود، والقبعات بتترفع في الهوا. أصوات الأهالي، والأمهات اللي بتعيط من الفرحة، والبنات اللي بيحضنوا بعض وبيتصوروا بالسيلفي… كانت لحظة مجد للكل.
انا بس الي كنت واقف لوحدي بعيد عن الزحمة.. باسل كان في الجيش و ابويا مريض! عذرهم معاهم مش قادرين يجولي . وقفت جنب كام زميل و صديق مقرب ليا .. بس حتى دول سابوني بعد شويا ،ما اهاليهم هم كمان عايزين يشاركوهم الفرحة..
كنت لابس الروب زيهم، والكل فرحان حوالي . ماسك الشهادة في إيدي .. و واقف لوحدي ،كان المفروض اليوم دا يكون فيه حد جنبي… يضحك في وشي و انا اشاورله من بعيد و أقوله السنة الجايا هاحضر تخرجك ..و هانتخطب بعدها على طول ! حد اسمه "همسة".
بس ما كانتش هي هنا ! حتى لو كانت عايزة تجي تشوفني من بعيد ...أكيد مش هاتقدر! او يمكن انا بس الي بفكر فيها دلوقتي .. خلاص يا يحيى البنت راحت لحال سبيلها و هتبقى من نصيب حد تاني
صوت المذيعة كسر سرحاني و هي بتنادي اسمي
"الدكتور يحيى حسن عبد الرحمن"
صوت التصفيق بقى عالي، بس لسه في حاجة ناقصة ماتخلنيش افرح من كل قلبي
طلعت اخذ شهادتي ، ابتسمت ابتسامة مُرة، لما بصيت حواليه .. مفيش كاميرا بتصورني، مفيش حد بيصرخ باسمي! و صوت جوايا كان بيقول
"أنا نجحت لوحدي… وهكمل لوحدي و مش هفضل مكسور."
خرجت من القاعة، والناس بتضحك حوالين بعض،
و مشيت بهدوء، من غير ما بص ورايا .. جاه الوقت الي لازم ابص لقدام بس
خلاص .. مرحلة مهمة في حياتي خلصت .. والقطر لازم يعدي للمحطة الي بعدها ..
رجعت لبلدي بعد سنين من الدراسة و كنت خلاص هاتعيّن في المستشفى العام القريب من بيت العيلة ..
يس بيت العيلة ما كانش زي زمان.
البيت بقى أهدى، أبوي كبر جدًا، يادوب بيتكلم. كل اللي كان بيقوله من وقت للتاني:
"ارجع يا يحيى.. لازم ترجع البيت. ده بيتكم يا ابني."
انا رجعت فعلا.. بس رجعت عشان ما أكسّرش قلبه.
بس اللي تعبني أكتر من أي حاجة، هو وجودي في نفس البيت مع أخوي باسل ومراته عليا.
باسل، لسه زي ما هو... دايمًا عنده تعليق على أي موقف بيحصل، دايمًا شايف نفسه أذكى، أنجح، أحق بكل حاجة.
أما عليا .، بعد ما بقت مرات باسل، المسافات كبرت ما بينا، ووجودها بقى مش مريح لي.
باسل كان ترقى و بقى ضابط كبير و مسؤوليته كبرت و غيابه عن البيت زاد عن قبل أكتر.. بقى بيروح الثكنة العسكرية يفضل ١٥ يوم ع الاقل و يرجع اجازة اسبوع بس! هو الجيش كده .. زي اغلب الوظايف بياخود من الانسان و عمره اكتر ما بيدي ..
و اول ما شفته خدني في الحضن.. ما احنا بعد كل ده لسه خوات و بنحب بعض .. حتى ولو كنا بنتخانق في العلن و في السر !
عليا يوميها عملت عشا مميز على شرفي كترحيب في و بوجود جوزها باسل ..
همه بقالهم يجي ست سنين متجوزين بس لسه **** ما رزقهمش بخلفة .. و انا بصراحة من النوع الي عمره ما بيتدخلش في خصوصيات غيره عشان كده لا سألت ابويا و لا اخويا و لا حتى عليا عن سبب تأخيرهم في الخلفة ..
بس الي لاحظته في وجودي معاهم المرادي .. انه هم ما كانوش تمام قوي زي زمان .. فيه حاجة تغيرت مابينهم .. حسيتهم بيمثلوا انهم مبسوطين قدامي .. في برود مابينهم ما قدرتش ضحكاتهم المزيفة تخبيه عني .. يمكن يكون السبب هو الخلفة؟؟ احتمال !
في الليلة دي و على سفرة العشا ..الي فكرتني بآخر عشا كلنا فيه مع بعض اول ما باسل تجوز عليا ! اتجمعنا تاني.. بس المرادي انا كنت مش يحيى نفسه زي ما عرفوه دايما .. و الي متأكد منة برضه ..انهم هم كمان مابقوش زي زمان ! مافيش فينا حد ما بيتغيرش .. الزمن مش بس بيكبرنا .. الزمن بيغيرنا كمان من غير ما نحس ..
باسل كان يحاول يلطف الجو زي عوايده مع ان كلامه مكانش بيتفهم كده خالص : هم الدكاترة الكبار بقى بيرجعوا البلد؟ هي العاصمة مش عاجباك؟ ولا الحنين شدّك؟"
قلتله بكل صدق :"الحنين؟ لا بصراحة .. أنا جيت عشان أبويا بس."
الكل سكت لحظة، ما ردي كان ناشف و غير متوقع حتى من باسل الصراحة .. بس عليا قطعت الصمت و قالت:"وجودك منور البيت يا يحيى... كفاية ان أبوك رجع يضحك زي زمان أول ما شافك تاني ."
كملت العشا و انا فكري مشغول في حاجات تانية .. باسل ما ضايقنيش .. بالعكس .. باسل اثبتلي انه هو لسه هو .. ما تغيرش .. على عكس ناس كتير .. يمكن على الاقل ماتغيرش معايا بس ..
رجعت لاوضتي القديمة الي كانت فوق في الدور التاني .. باسل و مراته و حتى اوضة ابويا كانت تحت .. كنت مستني الرد بس من المستشفى المحلي بعد ما اديتهم جواب التعيين باديا ..
كان عندي كام يوم .. تقدروا تقولوا عنها اجازة اجبارية ..
في الليالي الي كنت ماعرفش انام فيها من كتر التفكير و الوحدة الي لسه مكلبشة في روحي حتى و انا في وسط اهلي ، فكنت اطلع فوق على سطح البيت القديم، بشرب شاي، وبص للنجوم. واقول لنفسي:
"أنا هنا جسد بس .. لسه حاسس بالغربة." ورغم الوحدة الي مش راضية تعتقني بس كان فيه حتة مني بدأت تحن للبلد من جديد... للبساطة، للناس، حتى لريحة الخبز الطازة في الصبح وهو طالع من الفرن القريب من البيت
يمكن كنت محتاج وقت بس اكون فيه مع نفسي ويمكن، من وسط الزحام ده، هلاقي حاجة جديدة تحرّك حياتي.
اخيرا .. بعد كام يوم .. جالي جواب من المستشفى.. و فرحت فيه فرحة عمري ما فرحتها قبل كده .. هي كده الحياة .. كل ما نخش فيها مرحلة جديدة نفرح فيها .. خصوصا المرحلة دي بالذات .. مرحلة العمل .. الي الانسان هيلاقي نفسه و ذاته فيه ..
في اول يوم شغل سلموني الطوارئ
رغم زحمة القسم والطوارئ، كنت حاسس إنه ده مش مكاني بالضبط .. مش بتجاوب مع صخب الطب العام. مع اني بعمل كل جهدي و مش مقصر في واجباتي
كنت بتعامل مع مرضى الجسم، بس كنت بشوف ناس كتيرة مش واجعها جسمها اكتر ما روحها فيها حزن أو صراع داخلي، و يمكن هي دي نقطة التحول الي خلتني افكر في تخصص الطب النفسي في المستقبل
وبدأت أحضر ندوات قبل الأوان، وبقرأ كتب عن التحليل النفسي، بتابع حالات الاكتئاب والقلق عن قرب، وبدأت احط رجلي في اول الطريق الجديد.. الطب النفسي.
بس كان لازم اخلص فترة الإقامة.. اي طبيب كان لازم يعمل كده بعد ما يتخرج .. قبل ما يحدد اهتماماته و الإتجاه الي هو حابب يتخصص فيه
في وسط كل ده، اتعرّفت على زميلة جديدة في المستشفى، الدكتورة أطياف.
أطياف كانت لسه متعيّنة جديد زيي، وتخرجت من جامعة تانية ..كانت بنت محتشمة، كلامها موزون، صوتها هادي، وطريقتها مع المرضى فيها رحمة حقيقية.
و بحكم الشغل و نبطتشياتنا الي كنا فيها دايما مع بعض .. بدانا نتعرف على بعض كزملا .. و كانت كل حاجة مابينا عادية و روتينية قوي ..
كنا لما نخلص شغلنا بنبقى تعبانين قوي و بنموت من الجوع حرفيا .. الطواريء بتبقى عاملة زي ساحة حرب صغيرة مش بتلاقي فيها وقت لنفسك .. و لو قدرت تشرب فيها كباية شاي يبقى يا بختك .. فكنا اول ما نخلص الطوارئ نروح بوشنا عدل على كافتيريا المستشفى و نقعد فيها نستريح شوية و ناكل لقمة نسد بيها جوعنا و نفضل نرغي مع بعض و ساعات بنراجع الكيسات الي مرت علينا واحنا بنفتكر مواقف صعبة و بقينا نضحك عليها بعد ما قدرنا نتغلب عليها ..
وفي وحدة من المرات الي كنا بنقعد فيها مع بعض .. اطياف وجهتلي سؤال مختلف غير كل مرة
أطياف: "أنا دايمًا بحسك مهتم بحالة المريض النفسية و تحاول تخفف عن اي حد عيان مش بالبرشام .. بالكلام .. بشوفك بتقرب منهم و تحاول تسمع عن الي يوجعهم من جواهم "
كنت ببتسملها واقول: مشكلة مجتمعنا انه بيقلل من أهمية الجانب النفسي أو ما يهتمش بيه خالص .. مع العلم ان اكتر الامراض المزمنة الي بيعاني منها البشر اساسها حالات نفسية .. ضغط .. صدمة .. هموم .. حزن .. فقدان .. الخ ..
عشان كده أنا ناوي أحوّل تخصصي للطب النفسي. حاسس إني هقدر أساعد الناس أكتر هناك.. ويمكن كمان بالمرة أساعد نفسي."
اطياف: عندك حق .. **** يوفقك يا يحيى دي خطوة شجاعة جدًا .. مش الكل بيقدر يسمع نداء نفسه."
ومن هنا، بدأنا نقرب لبعض شويا.. مش كتير، لكنه كان قرب دافي و جميل.
أطياف كانت بنت محترمة قوي و مش بتضغط عليه، ولا بتقاطع مساحتي. وده اللي خلاني أرتاح ليها.
في لحظة هدوء بين ضغوطات المستشفى، ومع وجود أطياف، ابتدت ملامح "الراحة" تطل من بعيد و بدأت أحس إن طريقي بيترسم من جديد.
بس بنفس الوقت ..
حياتي في البيت كانت بتتغير من غير ما احس!
ما انا مش هفضل في المستشفى على طول .. فيه ايام لازم ارجع فيها للبيت عشان ارتاح .. ايام ما كنتش عامل حساب ليها خالص
خصوصا لما باسل يكون في الجيش .. و ببقى انا و عليا و ابويا بس لوحدنا في البيت .. و ابويا مكانش ليه دور مؤثر لأنه مُقعد في اوضته طول الوقت !
كنت بحاول اقتل الوقت برة البيت زي زمان و كنت بدور على صحاب زمان و اخرج معاهم بأي حجة .. عشان ارجع البيت تعبان و على وشي عدل لاوضتي عشان انام فيها
لغاية ما الي كنت خايف منه حصل!!
في ديك الليلة .. كنت راجع من سهرة مع صحابي في القهوة .. و ناوي اعمل زي كل مرة .. اروح في وشي عدل على اوضتي و انام ..
لكن .. لقيت عليا مستنياني في الصالة ..اول ما دخلت البيت !
و كانت بتعيط ! عياط من غير صوت .. اول مرة اشوف عليا بالشكل ده .. مقهورة و حزينة.. كنت متعود اشوفها بتضحك في وشي دايما .. عمري ما تخيلت انها ممكن تبكي! يمكن عشان كنت مفتكرها انانية و ما بتفكرش غير في نفسها و حياتها ! ما هي في الآخر فضلت باسل عليا من غير ما تاخد لحظة تفكير و توافق عليه يوم ما طلبها !
قلتلها: في ايه يا عليا ؟ ايه المصحيك لغاية الوقت ده ؟ وانت بتعيطي ليه؟
عليا فضلت تبكي بهدوء من غير ما ترد علي .. بصراحة صعبت عليا علي قوي .. مشيت ناحيتها و قعدت على الكنبة الي قدامها .. ما انا لازم اخلي حدود ما بينا في كل حاجة
سبتها تخلص بكاها و تهدى و استنيتها ترد على سؤالي
" ها .. احسن دلوقتي؟"
ردت عليا علي اخيرا بصوت مبحوح: مش انا اختك يا يحيى؟
قلتلها: طبعا يا عليا ..وهي دي فيها كلام
عليا: انا بستنجد بيك .. يا يحى!
قلتلها: بتستنجدي بيا؟ هو في ايه يا عليا قلقتيني بجد؟ ما تقوليلي في ايه بوضوح
عليا: باسل يا يحيى .. في الفترة الأخيرة، بدأت أحس إنه تغيّر… بقى عصبي، صوته عالي، و بقى مشغول عني طول الوقت .. ما بقاش يتكلم معايا زي زمان !
قلتلها: مش يمكن لأنه بقى ضابط كبير و مسؤوليته كبرت عن زمان ! او يمكن يكون عليه ضغط في شغله .. انت لازم تعذريه يا عليا ..
عليا كملت كلامها ولا كأنها سمعت مني الي قلتولها قبل شوي
عليا : أنا مش عارفة هو باسل بقى إزاي كده… مش هو نفسه اللي كنت بحبه. بقى بيزعق من أقل حاجة، و بيتكلم معايا كأني شغالة عنده، مش مراته. حتى لما بكلمه بلُطف، بيصد ..
عليا سكتت شوية، وعينيها دمعت تاني و قالت :
"إنت فاكر لما كنا بنتغدى زمان وانت تيجي عندنا، كان باسل دايمًا يضحك ويهزر؟ دلوقتي… بقيت بحس إني غريبة، وإني لو اختفيت مش هيفرق معاه."
رديت عليها بهدوء:"أنا آسف يا عليا… ما كنتش أعرف إنه وصّل معاكي لكده. طب كلمتيه؟ حاولتي تفهمي منه؟"
عالية:"كلمته… يقولي 'أنا مضغوط… أنا شايل مسؤوليات.' طب ما أنا كمان! أنا بني آدمة مش شماعة، مش بس طبّاخة و بسد احتياجه ومُطيعة ليه في الي هو عاوزه !"
قلتلها (بتنهيدة):"باسل طول عمره شايل فوق طاقته، بس ده مش مبرر إنه يؤذيك أو يقلل منك. أنا هحاول أتكلم معاه… من غير ما أقول إنك حكيتلي، بس لازم يعرف إن اللي بيعمله ده بيكسّر اللي بينكم."
عالية (بابتسامة حزينة):
"أنا مش طالبة غير كلمة حلوة… حضن… نظرة. هو مش فاهم أنا محتاجة ده قد إيه."
قلتلها: مع اني ما بحبش اتدخل ما بينكم يا عليا بس لانك استنجدت بيا انا هكلم باسل المرادي..
عليا كانت بتبصلي بنظرة كأنها بتطلب الشفقة:
قالت : ممكن اطلب منك حاجة يا باسل
قلتلها: اه قوي قوي يا عليا .. امريني
عليا: ممكن تروح معايا السوق بكره؟
طلبها ده كان زي قلم بيفوقني من غيبوبة .. الكلام ما بينا كان ماشي في اتجاه و سؤالها ده الي فاجأني وخدني معاها في اتجاه تاني خالص ..
حسيت بشوية قلق .. بس كان لازم ابقى طبيعي قوي معاها وماكبرش من الموضوع و اديله اكبر من حجمه ..
هي في الآخر بنت خالي و صديقة الطفولة ومرات اخويه و طبيعي يكون مابينا مودة و تقارب .. بريء!
عليا نبهتني من سرحاني وهي بتعيد سؤالها علي: ها .. مش هتخرج معايا بكرى؟ انا طلبت منك ده علشان انا اتخنقت من بصات الناس ليا وانا ماشية لوحدي في السوق .. لو باسل كان معايا مكانش حد يستجري يبصلي و يكرّهني في عيشتي..
كلامها حرك فيا الرجولة و الشهامة والمروءة و رديت عليها من غير تفكير: بس كده .. ده انا هطس اصباعي في العينين الي بتبصلك و انا معاكي ..
ماعرفش انا قلت الكلام ده بالشكل ده ليه؟ مكانش بيطلع من عقلي .. كان بيطلع من لساني من غير تفكير
عالية بصوت مليان فرح: **** ما يحرمنيش منك يا يحيى..
قلتلها : طب يالا خلاص امسحي دموعك و خشي اوضتك عشان تنامي .. بكرى ورانا مشوار مهم
عليا قامت من مكانها و وشها رجع منور و كنت حاسس ان عليا من كتر فرحتها كان الود ودها تنط علي و تحضني لولا انها افتكرت في الآخر ان ده ما يصحش يحصل ما بينا
اول مرة اشوف عليا منورة كده؟ لدرجة سألت نفسي .. هي مش المفروض بتببقى سعيدة معاه؟ مش هي اختارته ؟ و حتى لو هو الي اختارها .. مش هي وافقت على طول؟
كنت بفتكر همسة مع اني كنت بحاول انساها بس مش سهل انك تنسى حب حياتك الي فضلت سنين الكلية كلها عايش فيه و بنيت عليه كل احلامك .. مهما كان و مهما حصل .. التجربة دي هتفضل معلمة على شكل حياتي زي الجرح الي بيسيب اثره في الجسم بعد ما يخف ..
بس انا افتكرت همسه ليه دلوقتي؟ عشان سالت نفسي سؤال يا ترى لو كنا تجوزنا و عدى على جوازنا سنين .. حبنا هيذبل و يضعف برضه زي ما حصل لحب باسل و عليا؟
ليلتها نمت بالعافية وانا بحاول اشغل تفكيري في حاجات تانية غير الذكريات الحزينه الي سابتهالي همسة ..
في الصبح .. صحيت على صوت عليا و هي بتخبط ع باب اوضتي من غير ما تدخل
عليا: يالا يا دكتور .. اصحى قبل ما الفطار يبرد.. مش عايزاك تطلع معايا السوق و انت ع لحم بطنك !
كلمت نفسي : هي صاحية بدري كده ليه؟ هم بيروحوا السوق دايما كده بدري!
رديت عليها بكسل و النوم لسه شابط في عنيا: ايوا ..حاضر .. حاضر انا صحيت اهو ..
عليا بصوت مختلف الفرحة واضحه فيه قالت: اوعى تكدب عليا و ترجع تنام تاني؟ انا نازلة .. بس لو مش هتنزل بعد خمس دقايق هطلعلك تاني .. تمام !
انا: تمام ..تمام جاي حالا والهي ..
عارفين .. شعور حلو قوي لما الواحد فينا كده يصحى و يلاقي وحدة بتهتم فيه و عملاله الفطار الملكي! ايوه ملكي!
نزلت بعد ما غسلت وشي و مشيت ناحية المطبخ .. لقيت عليا بلبسها العادي .. بس بوش منور و ابتسامة عريضة كده مرسومه ع وشها و اقفة قدام سفرة الاكل .. و بصيت ع السفرة و شفت حاطة عليها فطير مشلتت مع عسل و جبنة رومي ، بسطرمة بالبيض ، و سجق و فول مدمس بالزيت و طعمية مع طماطم و بصل و توم !!
انا: اي ده كله ؟ كله ده فطار؟
عليا وهي فرحانة: هو ده مش من مقامك اصلا .. سامحني يا سي يحيى..
ضحكت وقلتلها: من مقامي ده ايه بس؟ يا بنتي ده بيكفي فريق لحاله مكانش فيه داعي بتتعبي نفسك ..
عليا: تعبك راحة يا سي يحيى.. هو ده الطبيعي بتاعنا ..انت بس ماتعرفش ده لأنك ماتفضلش كتير في البيت و ما بتاكلش معانا
انا : ملحوقة يا عليا .. خلاص .. لو كان الفطار كل يوم بالشكل ده يبقى اعملي حسابي معاكم انت و باسل!
عليا قعدت قدامي و ابتدينا ناكل بنفس مفتوحة.. انا نَفسي كمان ماعرفش نِفسي اتفتحت كده ليه؟ يمكن كلام عليا معايا و لأنها فتحت قلبها ليا و شاركتني همومها خلاني احس ان الجليد داب و الجدران الي انا بنيتها ما بيني و بينها و حتى مع باسل ..ابتدت تتهد..
ماعرفش .. لأول مرة باكل بنفس مفتوح كده .. و حتى عاليا .. كأنها رجعت قدامي عليا الصغيرة .. بنت خالي ..ايام ما كنا عيال .. و بنلعب و بنضحك و بناكل و بنتكلم مع بعض من غير هموم ولا احزان..و بكل براءة
بعد ما خلصنا الفطار. فاجأتني عليا و هي بتطلب مني اغير حالا لأنها ناوية تخرج للسوق بعد شوية! بصيت للساعة لقيتها لسه ما بقتش تسعة الصبح بس قلت خلاص اهو مشوار و لازم نعمله النهاردة ..
السوق الشعبي كان مش بعيد عن البيت،و لما كان الجو حلو قوي النهاردة فقلنا نتمشى مع بعض للسوق .. الي لما وصلناله .. الزحمة كانت فيه عالية، والأصوات كتير، وروائح الخضار والبهارات مالية الجو.
كنت ماشي جنب عليا بس بحذر بسيط عشان ما يحصلش تلامس عرضي ما بينا .. و كنا بنتكلم كلام عادي معظمه كان عن ذكرياتنا و احنا صغيرين .. فكنت اخد الحاجة الي اشترتها عليا في أكياس و اشيلها بأيدي و نروح مكملين لمحل تاني.. من غير ما احس لان الكلام كان واخدنا انا وعليا في حتة تانية عن الي بيدور حوالينا .. بقيت ماسك كيسين اتنين بادية .. وقفنا كده قدام بياع خضار وهي بتختار من عنده الي يعجبها ..
عليا لما خرجت معايا كانت لابسة عباية سودة وطرحة بسيطة، و الي انا ما انتبهتش ليه .. ان شكلنا جنب بعض يدي انطباع إننا اتنين متجوزين بنخرج مع بعض بنشتري سوا حاجات للبيت ! .. ده الي عرفته لما بياع الخضار قالنا (بضحكة خفيفة):**** يخليكو لبعض… باين عليكم لسه عرسان جداد!
الكلام ده سمعناه سوا .. بس انا اكتر واحد تأثرت بيه لما سمعته .. فشديت نفسي لورا شوية وبصيت لعالية بسرعة وانا بسمّع البياع : لا لا… إحنا مش ..
عالية (قاطعت الكلام بخجل):لا .. ده أخو جوزي.
البياع (بابتسامة ولسان حاله مش مقتنع):آه العفو سامحوني .. بس باين إن فيه عشرة حلوة ما بينكم.
اتوترت أكتر، وابتسمت بافتعال: شكراً لذوقك… إحنا جايين نشترى طلبات للبيت وخلاص.
بعد ما خلصنا .. مشينا سوا من عنده، بس الجو بقى غريب شوية.. احساسنا تحول فجأة من عالم الذكريات الي كنا بنلكلك فيه لعالمنا الواقعي الي ما يعترفش غير بالمظاهر الي شايفها و بالوقائع الي بيحسها
ضحكت انا فجأة قدامها.. و عليا بقت بتبصلي بنظرة فيها سخرية شوية: بتضحك ليه يا يحيى؟ .. ايه فيه ايه يا دكتور؟ هو انا مش قد المقام ولا إيه؟
ضحكت معاها وانا باخد الموقف بهزار: لا العفو .. مش القصد..بس انتي اختي يا عليا ..
عليا وهي بتضحك كمان : اه .. كنت بحسب ..
بعد ما هدينا شويا واحنا بنتمشى سوا مع بعض .. عليا بصتلي بنظرة كلها فضول و قالت:تفتكر هو ليه افتكرنا متجوزين؟
قلتلها وانا بحاول ابين انه امر طبيعي: اي حد لو شاف اتنين زينا .. كان هيقول أيه يعني ؟ اتنين ماشيين سوا، وعينيهم على بعض طول الوقت .. اكيد هيفتكرهم يا متجوزين يا مخطوبين ..او بيحبوا بعض!
عالية (بصّتلي بسرعة):
"عينيهم على بعض طول الوقت؟"
اتوترت وغيّرت الموضوع بسرعة:قصدي… يعني باين إن فيه معرفة مابينا… مش أكتر.
عالية (بابتسامة هادية، ومفيهاش تريقة):على الأقل حسيت للحظة إني كنت متشافة ومعايا حد بيهتم بيا بجد … حتى لو الناس فهموا غلط.
بصيت لعليا من غير ما أرد، ما توقعتش انها تقول كده بشوية جدية ..بس كنت شايف انها حاسة براحة صعب تفسيرها
يمكن لأن عليا حست باهتمام مني كمان و شافت الاهتمام ده بعيون الناس لأنها كانت محرومة منه من فترة طويلة.
اليوم اللي بعده في المطبخ، كانت هي بتحضّر قهوة ليا
نزلت من اوضتي و قبل ما روح المستشفى، لقيت عاليا بتنده عليا من المطبخ .و اول ما دخلت لقيت القهوة مستنياني، والوش فيها سميك، زي اللي بحبّه.
انا :إيه الحلاوة دي؟
عليا: عارفة انك بتحبها كده . الف هنا
انا: من يد ما نعدمها ..
عليا: اعمل حسابك ع العشا ولا عندك نبطاتشية النهاردة؟
انا: لا ما تتعبيش نفسك .. كده كده مش راجع قبل بكره
عليا:خلي بالك من نفسك
هو انا ليه حاسس باهتمام قوي من عليا؟ هي بتعاملني كأني جوزها ليه؟ ولا هي بتعمل كده بحسن نية؟
سكتنا شوية، ونظرة سريعة عدت ما بينا مفيهاش كلام،.بس فيها غموض بيقلق شويه .. خذت رشفة من القهوة و انا طالع وقلتلها: اشوف وشك بخير.
و خرجت بعدها ع طول
من سنين طويلة و انا ما كنتش قُريب كده من عليا. اوعوا يروح بالكم بعيد و تقولوا عني اني بفكر وحش.. انا بس بحكيلكم الي حصل .. زي ما هو بالضبط. مكانش عندي اي نية اني ما اصونش حرمة اخويا في غيابه .. كل الي عملته كان في حدود المقبول و من ضمن الواجب .
بس الحاجة الي انا ما كنتش واخد بالي منها ابدا ان عليا من اللحظة دي، بدأت تبصلي بشكل مختلف !
رحت للمستشفى و انا بحاول اشيل من دماغي اي افكار مالهاش اي لازمة.. في الآخر عليا هي بنت خالي و مرات اخويا يعني زي اختي بالضبط..
كل الي كنت بفكر فيه كان بشكل طبيعي، إنساني، مع اني حاسس بمشاعر مختلطة ما بين الراحة، والاحتياج .. بس مش ممكن يكون الاحتياج ده متوجه ناحيتها .. ابدا .. أظن كده ؟
الجزء الخامس
في المستشفى ..
الساعة كانت قربت من ٩ بليل، والدور التاني في قسم الباطنة بقى فاضي إلا مني. كنت قاعد على المكتب، عيني بتزوغ على شيت الحالة، وعقلي كان مشغول بحاجات كتيرة منها الي لسه مش فاهمة ؟ يمكن تعب؟ يمكن إحباط؟ أو يمكن حاجة أعمق لسه مش عارف أسميها.
كنت لوحدي… لحد ما سمعت صوت خطوات هادية، ثابتة جاي ناحيتي…
رفعت عيني، ولقيت دكتورة أطياف داخلة
وشها هادي كعادته، وعينيها فيها ملامح من اللي بنقراها في الكتب، مش بنشوفها في العيادات.
كانت شايلة كوباية شاي، وتقرير في إيد تانية.
قربت مني، وقالت بصوت ناعم:"إنت لسه قاعد؟ مش خلّصت ولا إيه؟"
ابتسمت من غير ما أقصد. حسيت في صوتها بدفا غريب، زي حضن معنوي كده…
قلت لها:"أهو بحاول أكتب الريڤيو زي ما الدكتور طلب… بس كل ما أكتب حاجة، أحسها ناقصة."
مدّت لي الكوباية من غير كلام زيادة:"تفضل .. شاي بالنعناع."
خدت الكوباية منها، وقلبي اتقلّب شوية، مش بسبب الشاي، لأ… بسببها هي.
قلت لها وأنا بحاول أضحك: ده أول شاي حد يجيبهولي هنا… شكلك عندك موهبة في إنقاذ الأرواح والتعبانين الزي حالاتي كمان.
ضحكت أطياف ضحكة صداها جه لحد قلبي.
و قعدتْ جنبي، و بدأت تساعدني و تقره معايا الحالات، وأنا كنت ببص لها من وقت للتاني… مش عارف، بس كنت شايف فيها حاجة بتريح، حاجة شبه البيت، شبه السلام.. و من غير ما أحس و هي لسه بتتكلم .. قاطعتها وانا بقول: تعرفي انك مختلفة قوي يا أطياف؟
تفاجأت اطياف بس ردت بابتسامة و أدب : بجد؟ و إيه هو المختلف فيّ؟
سكت شوية قبل ما اجاوبها: طول عمري الوِحدة هي المصاحباني... فبقيت بقدّر كل حد بيكسر الوحدة دي بوجوده معايا .. و انت عارفة يمكن كتير ناس مش بيقربوا من الناس الي زي حالاتي .. بيخافوا من الانسان الوحيد لأنه ممل ."
أطياف : ما تقولش عن نفسك ممل .. انت يمكن حزين و ده باين في عنيك قوي يا يحيى .. بس ما تخليش الحزن ده يقف في طريقك .. انت لسه قدامك مستقبل جميل و طريق مليان شغف و تحدي و نجاح ..ولازم تستكشفه و تتمتع بكل يوم فيه
انا بشوية هزار: اي ده .. ده انا هتنازل عن تخصص الطب النفسي لحضرتك .. ده انتي ما سبتليش حاجة اقولها ..
ضحكنا سوا و عنينا كانت بتتكلم مع بعضها بس لسه لغة العيون مش واضحة قوي ما بينا عشان نفهمها صح .. بس الشيء الي بقينا متأكدين منه .. اننا ارتحنا لبعض قوي .. و ممكن علاقتنا دي هيكون ليها قبول كبير و مستقبل أكبر..
ما اتكلمناش كتير بعدها .. بس زي ما يكون أول خيط اتفرد بينّا… خيط اسمه: "أنا شايفك… وإنتِ شايفاني."
فضلنا قاعدين جنب بعض، أنا وهي، و الشاي مع انه بدأ يبرد في إيدي، بس الدفا جوايا كان بيزيد.. بسبب حضورها
أطياف كانت مركزة قوي في الورق، صوتها واطي وهي بتقرالي ملاحظاتها، وأنا… كنت بسمع أكتر مما بفهم. مش لأنّي مش مركز، لأ، بس عشان صوتها كان هادي و مريح للأعصاب
الليلة عدت زي كل مرة و ماحصلش في القسم حالات حرجة و الأمور كانت ماشية تمام ..
بعد ما خلصت واجبي تاني يوم الصبح .. شفت أطياف و هي بتخرج من غرفتها في القسم التاني الي قصادي و ابتسمتلي من بعيد و شاورتلي بأيدها وهي بتروح .. حسيت بشوية تفائل و سعادة خفيفة .. مش عايز أبقى متفائل اكتر من اللازم . لسه خايف من تجربة حب جديد .. لسه همسه معلمة علي بجرحها الكبير الي لسه مش قادر انسى وجعه ..
قبل ما ارجع البيت جاتلي فكرة تخليني افرّح عليا و اطلعها من مودها الحزين شوية ..
البيت كان هادي زي ما هو، وعليا كانت لوحدها.. و باسل لسه ما نزلش أجازته
رنّيت جرس الباب… وعليا فتحت و شافتني و انا واقف شايل كيس فيه أكل جاهز وعصير.
عليا (مستغربة ومبتسمة):إيه ده؟ إنت جايب أكل؟
قلتلها بضحكة خفيفة: ما انا قلت لنفسي أكفّيك شر الطبخ النهارده… وبعدين إنتي لوحدك، فقلت أهو نتغدى سوا مع بعض
ابتسمت عليا و عنيها زغللت من الفرحة .. و هي بتشكر في .. و دخلنا المطبخ ع طول
عليا: مش هتستحمى الاول !
انا: اصل هموت من الجوع .. خليني بس اكل لقمة وحدة و راجعلك بعدين ..
خدت في ايدي لقمة ع السريع و رحت غيرت و استحميت و لبست هدوم البيت .. و رجعت للمطبخ لقيت عليا ضافت لمساتها ع ألأكل حتى ولو كان جاهز.. فخلت جنب الأكل شوية سلطة بزيت الزتون و طحينة عملاها من بدري و شوية ورد ع السفرة!
انا: طول عمرك بتحبي الورد
عليا: هي الدنيا دي ممكن نستحمل عيشتها لولا الورد؟
انا: للدرجة دي؟
عليا: واكتر كمان .. ولا انتم يا دكتور مش بتؤمنوا بالحاجات دي
ابتديت آكل و عليا كمان و بنفس مفتوحة زي آخر مرة و كملنا كلامنا و احنا بناكل .. فقلتلها
انا: لا طبعا اكيد بآمن فيها .. انا أصلا ناوي اتخصص في الطب النفسي
عليا ابتدت تهتم بكلامي: همم .. حلو قوي ..
انا: بجد؟
عليا: ايوا بجد طبعا
انا: كنت فاكرك هاتتريقي ولا تعملي فيها زي زميلي د.حسين
عليا: وهو د. حسين زميلك بيقول ايه ؟
انا: بيقول الطب النفسي مش بيأكل عيش في مجتمعنا العربي ..
عليا: مش كل حاجة بتحكمها الفلوس يا يحيى المهم الانسان يحقق حلمه و الي نفسه فيه
كنت مستغرب لرد عليا. ماكنتش متخيل بقى عندها حكمة و بتفكر بعمق بالشكل ده
اظاهر ان عليا انتبهت لشرودي شوية و راحت مكملة معايا كلامها
عليا: ايه؟ كنت فاكرني هقولك إيه؟ ولا مكنتش متوقع اني هقولك كده؟
انا بضحكة خفيفة: بصراحة .. لأ!
عليا بابتسامة: ماشي .. طب يالا يا دكتور كمل أكلك لا يبرد ..
ابتسمت ليها و انا باصص لها بود و كملنا أكل مع بعض و دردشنا عن حاجات تانية معظمها كانت مواقفنا و ذكرياتنا الحلوة من غير ما ننسى مواقف باسل.. ما احنا كنا ثلاثي منسجم و ما فترقناش كتير عن بعض ..
الي كان بيحصل كان أمر طبيعي .. زي ما انا كنت شايفه من وجهة نظري . تقدروا تقولوا بعد ما عليا كلمتني عن مشاكلها و فتحتلي قلبها الجدران الي كانت مابينا تهدّت .. و قدرت انا اكمل حياتي في بيت العيلة بشكل مختلف عن زمان..
زمان ماكنتش استحمل اقعد كتير قي البيت و كنت بزهق و احس نفسي غريب .. دلوقتي الوضع تغير قوي و بقيت كل يوم اتعود عليه اكتر ..
انا مش شخص منافق ولا عندي وشين. انا كنت بتصرف طبيعي على قد ما اقدر. عشان الحياة تمشي طبيعية..
في المستشفى .. علاقتي مع اطياف بقت بتكبر كل يوم شويا .. و كل يوم ابتدينا نعرف عن بعضنا حاجات اكتر .. و اكتشفنا ان فيه مابينا حاجات مشتركة كتير زي حب و الادب و الفن و قراية الكتب بعيد عن المناهج الي المفروض احنا ما نسيبهاش لحظة تفارقنا ..
و كنت لما اخلص من المستشفى برجع للبيت عشان ارتاح ..
ابويا كان عياه بيزيد كل يوم بس وجوده كان مهم لينا كلنا حتى لو كان مايقدرش يتحرك .. عليا كانت قايمة بالواجب و زيادة و مخليا بالها كويس منه ..
في يوم بعد ما رجعت من المستشفى لقيت باسل موجود .. كان وحشني بجد .. عليا استغلت وجوده وطلبت مني اتعشى معاهم ليلتها .. و انا قبلت دعوتها بسرور .. المرادي كل حاجة كانت مختلفة عن زمان .. يمكن عشان انا بقيت متقبل لوجودي معاهم هم الاتنين و مش واخد وجودي بأي حساسية ..
حتى باسل نفسه لاحظ ده عليه
باسل كان بيحاول يكلمني من غير ما يقول كلمة من بتوعه الي كان بيقولهم ليّ زمان .. يمكن عليا أكدت عليه او طلبت منه يبقى تعامله معايا لين و مرن اكتر من قبل .
باسل: ها يا يحيى .. ايه رأيك في ألأكل بتاع عليا
انا: حلو قوي من غير مفاصلة ..
عليا بخفة ددمم: اوعى تكون قلت كده عشان ماتزعلنيش
باسل يقاطعني قبل ماجاوب بضحك: او عشان ما تبطليش تعمليله اكل بعد كده ..
عليا بنرفزة بس الضحكة على طرف شفايفها: بطل رخامة يا باسل .. لا أبطل أعملك اكل انت كمان
ضحكنا احنا التلاتة من كل قلبنا لما عليا قالت كده .. و كأنا رجعنا صغيرين زي زمان نتعامل مع بعض بشقاوة و ضحك و هزار.. و افتكرنا ايام زمان لما كنا دايما سوا كده
بس الي حصل واحنا بنضحك .. عليا بصتلي بصة مباشرة في عنية وهي كانت بتضحك .. بصتها كانت غريبة.. اول مرة بحس ان عليا كانت عايزة تقول حاجة بعنيها بس انا لسه مافهمتش لغة عيونها .. البصّة دي خلتني اتكسف لوجود اخويا باسل و نزلت عيني ع طول عشان حسيت ان ده مش صحيح .. خصوصا بوجود اخويا باسل ..
الأيام الي بعدها كان باسل اجازة فيها و عرفت انه خرج مرة مع عليا . مع اني كنت ناوي اكلمه بخصوصه هو و عليا و انهم باين عليهم مش زي زمان .. بس بصتها دي خلتني اقلق و ارجع لعادتي القديمة .. ما اتدخلش في حاجات ما تخصنيش .
وهكذا .. حياتي الجديدة بقت متوزعة مابين الشغل و التوتر الي رجع من تاني في البيت ..
كنت بقول مع نفسي .. انا لازم افكر اني اعزل في حتة هادية و ممكن أأجر شقة بسيطة و صغيرة على قد مرتبي .. بس كنت خايف من ردة فعل ابويا و خايف على صحته كمان ..
و في الشغل كانت علاقتي بأطياف ابتدت تتطور مع كل يوم .. و تبقى أقوى و أجمل. بقيت أعرف عنها حاجات كتير و هي كمان عرفت عني حاجات اكتر.
أطياف بنت تقليدية مثالية والي الكل بيدور عليها عشان يتجوزها و باله مرتاح. كل الصفات الحلوة الي انت عايز تتخيلها او مفكر فيها اساسا هتلاقيها موجودة في اطياف .. جمال و طول و رشاقة و حشمة و ادب و سمعة طببة قوي و مستوى اجتماعي قريب من مستوايا قوي .. و دكتورة ذكية و عارفة شغلها و فاهماه ..
تقدروا تقولوا ان مسألة مصارحتي لأطياف بقت مجرد مسالة وقت .. خطوة وحدة بس تفصلني عنها .. لانني حاسس انها متقللاني بردو و متوقعه الخطوة دي مني ..
دكتورعمر .. زميل جديد تعرفت عليه اول ما تعينت في المستشفى .. و ارتاحتله جدا و تحولت زمالتنا بمرور الوقت لصداقة حلوة .. و دكتور عمر كان بيعرف أطياف قبلي بمدة قصيرة بس هو خاطب من زمان .. خطب زميلته في الوحدة الصحية القريبة من بيتهم و هم على وش جواز..
و في الأيام الأخيرة ابتدى عمر يلاحظ الاهتمام الواضح مابيني و بين أطياف .. و العلاقة الي بيني و بينها عدى عليها شهور طويلة و زمان الاقامة في المستشفى هتخلص و يمكن كل واحد فينا مش هيشوف التاني بعد كده .. لأن بعد كده كل واحد يحدد مصيره وفي الاتجاه الي بيحب يتخصص فيه ..
المشكلة اني فضلت واقف في النص .. أطياف كانت عاجباني قوي .. مش ناقصها اي حاجة.. بنت حلوة و جميلة جدا و رقيقة و كل يوم بنكتشف مع بعض حاجة جديدة مشتركة ما بينا .. حتى الوضع المادي و المستوى الاجتماعي بتاعها قريب قوي من وضعي و مستوايا .. زي ماقلت عنها قبل كده ..
مش عارف ليه كل ما احاول اصارحها او اقولها ع الاقل بالي بحسه ناحيتها كنت بخاف .. و برجع لورا خطوة .. يمكن الخوف ده كان من رواسب تجربتي الفاشلة مع همسه و هو الي مسببلي عقدة حقيقية من الحب ..
انا و أطياف بقينا قريبين قوي من بعض في الفترة الأخيرة و يمكن كنا ما نفترقش عن بعض الا لو الشغل فرض علينا كده ..
..الكل من حوالينا كان شايف اننا كبلز و الكل كان بيتوقع ان علاقتنا دي هتاخذ شكل رسمي في اي وقت .. المسأله مسألة وقت بس ..
وفي يوم كنت قاعد في قسم الجراحة بنظم في الشيتات عشان الدكتور رئيس القسم ياخد عليها نظرة .. دخل علي عمر و من غير اي مقدمات قالي
عمر: انت حكايتك ايه يا يحيى؟ هو انت اهبل .. ولا اعمى ..ولا عبيط ؟
تنرفزت و قلتله: ليه الغلط كده بس يا عمر .. بتكلمني كده ليه؟
عمر كان متنرفز اكتر مني:
انت مش شايف البنت بتحبك ازاي .. ما تتحرك يا أخي
اتصدمت بكلامه: هو انت شايف كده برضه
عمر: انا بس؟ دي المستشفى كلها شايفه كده .. الا انت يا اهبل
انا: ماقلنا بلاش غلط يا عمر ..
عمر: ما انت الي بتعصب الواحد يا يحيى .. بقالك اكتر من سنة مع البنت و البنت واضح انها بتحبك كمان .. مش آن الاوان انك تاخد خطوة لقدام؟
انا: انا .. انا بس خايف يا عمر ..
عمر: خايف؟ هو انت لسه بتحب همسه؟ انت مجنون عشان تضحي باطياف بسبب حب قديم مش قادر تنساه ؟
انا: انا نسيته خلاص صدقني .. انا بس خايف من التجربة .. الخوف هو الي كل مرة بيشلني و مايخلنيش افاتحها
عمر: بص يا صحبي .. انا عايز مصلحتك .. اطياف دي بنت لقطة وبنت ناس .. دي الف واحد يتمناها ومستني اشارة منها .. بس هي ما بتبصش لغيرك .. اوعى تضيعها من ايدك يا يحيى
بعد شوية تفكير مع نفسي و تشجيع من عمر .. اخذت قرار مع نفسي .. ما انا مش هفضل طول عمري كده عايش ع اطلال همسة ولّا ذكريات عليا الي تجوزت اخويا..
عمر سابني و هو لسه بيهزق فيّ و مش راضي علي .. وانا قعدت مع نفسي قعدة طويلة بفكر فيها ازاي افاتح اطياف و هعمل ايه بعد ما اقولها ..
خدت نفس عميق و رحت للقسم الي اطياف شغالة فيه .. قلت اعزمها زي كل مرة على قهوة في الكافتريا .. مع اني كنت برتعش لأني كنت ناوي اصارحها النهاردة ..
مش عارف ليه القدر بيحب دايما يسيب بصمته او يفرض نفسه حتى لو كنا ناويين نعمل حاجة ضد رغبتنا .. اول ما وصلت قسمها .. مالقيتهاش و لما سالت عليها قالولي انه جالها تلفون من البيت و روحت بدري !
معرفش ليه حسيت كده بارتياح . يمكن لأني تجنبت مواجهتها و الموضوع تأجل لوحده لوقت تاني !
بنفس اليوم ده .. خلصت شغل و كنت راجع للبيت .. حياتي في البيت كانت عاملة زي موج البحر .. ساعات بتكون هادية و مريحة و ساعات بتبقى عالية وهايجة و بتخوف ..
و اول ما دخلت البيت .. سمعت صوت بكا واضح طالع من اوضة عليا ! حسيت ان القدر بيكرر نفسه معايا بس بشكل مختلف .. اكيد عليا هي الي كانت تبكي .. مكانش قدامي غير حلين .. يا اطنش و اعملي نفسي ما سمعتش حاجة و اطلع اوضتي و انام .. يا اروح اشوف ايه الحكاية و اطمن عليها ! ما هي في الآخر بني ادمة و بكاها ده بيخليني بشفق عليها ..
في الآخر .. قلبي الرهيف خدني ناحية اوضتها . وقفت قدام الباب و خبطت بأدب .. اتفتح الباب ع طول كأن عليا كانت واقفة ورا الباب !
زي المرة الي فاتت ، عليا كانت بتبكي و كانت حالتها حالة ، فحاولت اهدّيها و اتصرف بشكل طبيعي
انا: في ايه المرادي يا عليا؟ بتبكي ليه ؟
عليا: ابكي ع حظي المهبب يا يحيى
انا: ليه بس طيب! هو باسل لسه بيعاملك وحش برضه؟
عليا بصتلي بنفس النظرة اياها في المرة الاخيرة الي ضحكنا فيها احنا التلاتة ع العشا .. و قالتلي
عليا: كان جرى ايه لو كنت انتي الي تقدمتلي يا يحيى!!!!
سؤال عليا نرفزني بصراحة .. ماكنتش متوقع منها تقول حاجة زي دي بعد كل السنين دي ..
انا: مايصحش الكلام ده يا عليا .. اهدي شويا.. الي بتتكلمي عنه ده اخويا وانتي مراته .. و كل واحد بياخذ نصيبه
عليا كملت كلامها ولا كأنها سمعتني .. القدر برضه بيكرر نفسه معايا .. و راحت مكملة كلامها
عليا: هو انت كنت بتحبني زيه؟
انا بعصبية: ما خلاص بقى يا عليا قفلي ع السيرة دي..
عليا قربت مني بشكل غريب و قالت: بجد انا عايزة اعرف .
قربها مني لخبطني كتير: انت مالك النهاردة يا عليا فيه ايه بس؟
بشكل مفاجئ عليا نطت علي و حضنتني جامد و ابتدت تعيط زي ما تكون لسه عيلة صغيرة . حضنها ده خوفني و مكنتش متوقعه خالص .. و حاولت اني ابعدها عني بس عليا مسكت في جامد قوي .. و قالتلي و هي بتبكي:
ارجوك سيبني في حضنك شويا.. انا محتاجة للحضن ده .. ده انا بقالي كتير ما تحضنتش!
في البداية كنت حاسس بقرف و عصبية عشان هي عملت الي في نفوخها .. بس لما حسيت بضعفها و انكسارها و صدقها صِعبت عليّ .. ومن غير ما افكر بأي حاجة وحشة حاوطتها باديه في حضن بريء.. خليتها تهدى و هي بتبكي على صدري و في حضني
بعد شوية هديت عليا و جاه الوقت الي لازم نفض الحضن ده بقى خلاص .. و بعدت عنها وخليت مابينا مسافة معقولة .. مديت ايدي من غير شعور ومسحت دموعها من خدها وقلتلها بصوت كله صدق
انا: يا عليا انا هفضل اخوكي الي بيقدرك و يخاف على مصلحتك، مافيش جواز مافيهوش مشاكل .. انا سبق و وعدتك اني اكلم باسل عن تعامله معاكِ بس شفت ده مش هيكون في مصلحتكو انتو الاتنين ..
عليا بعد ما هديت :أنا آسفة يا يحيى .. بس انا بحس إنك الشخص الوحيد اللي حاسس بيا دلوقتي و مهتم فيّ ..
سكت شوية، والهدوء بقى تقيل…
انا: مهتم فيكي و حاسس فيكي لأنك زي أختي يا عليا
فضلت عليا تبصلي بنفس النظرة اياها و لا كأنها بتسمع كلامي الي كان بيحاول يصحي فيها ضميرها و يفكرها بأن الي بيحصل ده يمكن تكون ليه عواقب وحشة
عليا :أنا مش عارفه ايه هو اللي بيحصل بينا ده… بس أنا بحب وجودك معايا يا يحيى … قوي.
أنا : وانا بخاف قوي من اللي بتحسيه ده يا عليا، ارجوك ما تنسيش ..
هنا عليا قاطعتني و قالتلي وهي متنرفزة: انا عارفة و فاكرة كويس أنا ببقى ايه يا يحيى و مش لازم تفكرني كل شوية .. خلاص .. انا آسفة اني فتحتلك قلبي و كنت فاكرة اني هاقدر استند عليك ..
مع اني كنت بصد و ببعد بس المشهد كان بيقرب عليا مني أكتر، و يحطنا احنا الإتنين في نقطة خطيرة جدًا
عليا بعدت عني و رجعت تعيط بهدوء و انا بصراحة كان لازم اسيبها في النقطة دي .
سبت عليا في اوضتها و طلعت انا لاوضتي و كنت مش مرتاح للي بيحصل ده .. مع اني احيانا بشوفه طبيعي .. بس لو مكنتش حبيتها زمان !! هي دي الحقيقة الي مطيرة النوم من غيني و عاملة القلق ده كله لي
الليلة دي كانت اصعب ليلة مرت علي من يوم ما رجعت البيت خصوصا في غياب باسل.الايام الي يكون باسل موجود فيها بحس براحة و بأمان لأني كنت متأكد ان عليا هاتنشغل بجوزها و هو كمان يشغلها و ينشغل ببها ..
تاني يوم الصبح ..
صحيت وانا مكنتش نايم كويس ابدا . لكن عقلي كان بيوجهني لحاجة وحدة بس .. حاجة بقيت اشوفها ضرورية قوي ولازم تتعمل في اسرع وقت ..
كان لازم اصارح اطياف النهاردة ..ايوه .. لازم ، عشان بحبها! مش عارف لسه برده ولا متاكد .. لكن الي متأكد منه انها بنت ممتازة و ماتتفوتش .. او يمكن عقلي بيقلي كفاية تِفضل كده من غير جواز و لا استقرار .. كان فيه حاجة جوايا عايزة تخليني مرتبط .. بس عشان أبعد عليا عني بأي طريقة !
خرجت للمستشفى بدري قوي .. و الوقت كان بيعدي علي بطيء و ممل بشكل .. كنت مستني اخلص شغلي في القسم عشان اقدر اتفرغ بعد كده لموضوع أطياف .. و اول ما اليوم خلص خرجت بسرعة ع طول للكافتيريا ..
استنيت اطياف تخلص شغلها و تقابلني زي عوايدها في الكافتريا بتاعة المستشفى .. ولما جت سلمت عليا وقعدت وهي بتبتسم في وشي زي عوايدها .. و طلبنا اكل زي كل مرة وكل واحد فينا يسأل عن يوم التاني وابه الي عمله ..
حالات طبية كتيرة عدت ع اطياف و كانت حابة تناقشهم معايا و احنا بناكل .. و كانت بتحكيلي عن يومها والمواقف الي حصلتاها .. كنت كل مرة استنى منها تخلص عشان يجي دوري انا واحكيلها ..
الجو العام الي كان مابينا كان جو فيه طاقة و هزار و ضحك .. و تريقة على كام موقف ..
أطياف كانت بتضحك و وشها كان منور وكنت حاسس انها النهاردة احلا من كل الأيام
أطياف: ها .. دورك دلوقتي يا يحيى .. كلمني عن يومك ؟
قلبي كان بيدق بسرعة و ما كانش في تركيزي غير موضوع واحد و كلمة واحدة ..
بصيت في عنيها و من غير لف و دوران ولا أي مقدمات قلتلها: أطياف .. أنا .. بحبك !
الجزء السادس
انا قلت الكلمة دي من هنا و قلبي ابتدى يدق بسرعة جنونية اكتر من اي وقت فات و جبيني عِرق و نفسي بقى مسموع .. ماعرفش انا هببت ايه بصراحة . كنت متوقع ان اطياف هتقوم من مكانها زعلانه و تسيبني و تمشي .. بس ده ما حصلش
اول دقيقة .. بعد الإعلان الخطير الي أعلنته ده .. اطياف زي ما يكون تخضت .. تفاجأت.. و فضلت فاتحة عنيها من غير ما ترمش و بقت ساكتة زي ما تكون فقدت النطق .. ما انا كمان فاجأتها بشكل هي نفسها مستحيل تتوقعه ..
المفروض اني امهد للموضوع وابتدي اغير من الكلام واخليه ماشي ناحية المصارحة ..و اخليها تحس اني عايز اخذها للحتة دي عشان اقولها كل الي في قلبي ..
انا: انا بحبك و عاوز اتجوزك ..
اخير اطياف لطفت في و خلصتني من قلقي و عذابي و احراجي كمان ..
أطياف بابتسامة مليانة فضول و تعجب بنفس الوقت
قالتلي: مع انك فاجأتني! و مكنتش متخيلة انك هتقولها في يوم كده من غير اي مقدمات.. بس ..
قلتلها بقلق: بس ايه يا اطياف؟
اطياف كان باين عليها الفرح: بس انت خلاص قلتها اخيرا ..
انا وبقلق اكتر: طب ايه يا اطياف؟ ماسمعتش ردك يعني ؟
اطياف ابتسمت بخجل: و انا كمان يا يحيى .. عندي تجاهك نفس الشعور ..
اخيرا اطياف ريحتني من احراجي و خوفي و قلقي و ريحت قلبي و قالتهالي .. و من كتر الفرحة كنت هقوم من مكاني و بعمل زي الي جاب جون بس اطياف شاورت بايدها ليا عشان اخذ بالي من الناس الي حوالينا
ضحكنا احنا الاتنين من الفرحة و كل واحد فضل يبص للتاني بكسوف .. النظرات هي الي تكلمت عننا و احنا نبص لبعض .. كل الكلام هرب من قدامنا .. حقيقي شعور جميل ما يتوصفش
بعد الاعتراف الجميل ده فضلنا انا واطياف قاعدين مع بعض و بقينا بنتكلم بس كلام قليل جدا .. لا سالتني حبتني ليه و من امتى و لا انا سالتها كمان ؟ كنا احنا الاتنين مكتفين بالنتيجة العملية الي حققناها مع بعض .. مش مهم بقى مين الي ابتدى يحب الاول او ازاي
بعد الاعتراف ده كلمت اطياف اننا لازم نتوج الحب ده بخطوبة و جواز وهي دي الحاجة المهمة والي لازم نعملها أنا و اطياف بعد مرحلة الاعتراف
الخطوة التانية بقت من نصيبي وانا الي لازم اتحرك و اخطي خطوتي دي عشان اخلي مابيني وبين أطياف يبقى ارتباط رسمي
ما انا مش كفاية اني صارحتها و بس . لازم افاتح أهلي و اهلها و نعمل خطوبة رسمية خصوصا ان الأقامة هتخلص بعد كام اسبوع و لو تخطبنا رسمي ممكن نقدر نأثر على الموظف المتخصص في توزيعنا بعد نهاية الاقامة و يوزعنا سوا و نقدر نشتغل في نفس الوحدة الصحية مع بعض
رجعت و انا فرحان قوي للبيت و اول حاجة عملتها اني خذت موافقة ابويا الي فِرح قوي و باركلي بعد ما كلمته عن كل التفاصيل المتعلقة بأطياف و عيلتها
ابويا: خلاص يابني.. مادمت انت اخترتها و شايفها مناسبة ليك يبقى على خيرة **** .. كلم اخوك باسل عشان يساعدك في الموضوع و بقية التفاصيل .. الف مبروك يبني و **** يتمم ع خير
حضنت ابويا: **** يارك فيك يا بابا و يطولني في عمرك ..
كنت فرحان قوي و مستني باسل اول ما ينزل اجازة عشان اكلمه في الموضوع
وبعد ما باسل نزل اجازة خلاص .. استنيته يرتاح في اول يوم من اجازته ..
في اليوم التاني من ايام اجازة باسل و بعد الغداء .. باسل كان قاعد في الصالة بيشرب شاي، وانا دخلت عليه بخطوات مترددة. عليا كانت قاعدة جنبه، بس سايبة التليفون وبتراقب بصمت. كأنها حست من لخبطتي اني عاوز اقول حاجة مهمة لباسل
انا وببص لباسل:أنا عايز أكلمك في حاجة مهمة يا باسل.
باسل رفع حاجبه:خير يا دكتور؟ شكلك متوتر. فيه حاجة ؟
انا تنهدت و قلت : أنا قررت.. أني أخطب دكتورة أطياف.
عليا نزلت راسها شوية وهي متضايقة من جوّا، بس ما بتتكلمش، وبتاخد رشفة شاي وهي ساكتة
باسل كان عنده فكرة عن موضوع أطياف . لاني زمان كلمته كم مرة عنها بعيد عن عليا بس ماعرفش اذا كان هو قالها حاجة عن الحكاية دي ولا لأ
باسل (مندهش):أطياف؟ اللي كنت دايمًا بتقول إنها مجرد زميلة؟أنت متأكد؟ ده مش قرار سهل يا يحيى
انا: أنا أعرفها كويس بقالي اكتر من سنة، وحاسس إنها مناسبة ليا جدًا وهي كمان عندها نفس الرغبة.
باسل :طيب وانت ناوي تقول لأبوك؟ ولا عايزني أنا اللي ...
انا قاطعته وقلت :أنا كلمته بالفعل.عارف إنه تعبان ومش قادر يتحرك، بس سألني عنها، وحكيت له كل حاجة. وهو قاللي كلمة واحدة: "لو شايفها هتنفعك.. روح واخطبها."
عليا قالت بصوت هادي لكنه حاد شوية:يعني هي البنات خلصت يا يحيى؟ طب انت مالقيتالكش واحدة من الكلية؟ تكون خلصت معاك فيها فيها سنين طويلة؟ مش كان احسن من انك تختار زميلة شغل معاك بعد ماعرفتها سنة وحدة بس ؟ مش خايف لا تكون استعجلت يا يحيى ؟
كنت حاسس ان عليا متغاضة بس مش كان نافع نخلي التوتر الي مابينا يبقى باين قوي كده ع السطح و يمكن باسل ياخد باله فقلتلها بهدوء:أنا مش باخد قراراتي عشان أرضي الناس يا مرات اخويا
أنا باختار البنت اللي اقتنعت فيها انها تشاركني حياتي وتفهمني كويس .انا اتاكدت خلاص ان هي دي الي هتنفعني في بقية عمري
باسل كأنه حس بالتوتر ده مع انه مش فاهم ايه هو سببه فحاول يخفف التوتر:خلاص يا يحيى لو أبوك موافق، يبقى نتوكل على ****. إحنا نحدد معاد نزور أهلها رسمي و نخطبهالك يا دكتور .. ولا تشيل هم اي حاجة .. و الف مبروك يا حبيبي .
باسل وقف و جاه حضني و هو بيباركلي و عليا كانت بتبص الناحية التانية وقالتها من مكانها ببرود: مبروك يا يحيى
انا قلت اختصر عليكم الاحداث الرسمية الي مالهاش تاثير كبير في قصتنا .. زي زيارة التعارف الي عملتها لأهل أطياف و كسبت ودهم و موافقتهم الشفهية عشان اجيب اهلي يخطبوها . و عملت معاهم موعد عشان اهلي يجو يزوروهم و نخطب اطياف منهم رسمي
بس الي حصل في يوم الخطوبة كان لازم يتحكي و ياخذ مساحته من القصة الي انا بقولهالكم
عند بيت أهل أطياف – زيارة الخطبة
كنت داخل مع باسل وعليا، وجايبين معانا حلو و أطياف قاعدة في أوضة تانية. والدها ووالدتها أستقبلونا بود وبحرارة. الجو كان فيه شوية توتر بسيط.. بس الفرح كان غالب عليه
والد أطياف: اهلا وسهلا . نورتونا وشرفتونا بزيارتكم العزيزة
اتفضلوا، اعتبروا البيت بيتكم.
باسل (بابتسامة رسمية): يعز من مقدارك يا ابو الدكتورة ..
إحنا جايين في طلب عزيز علينا
أخويا دكتور يحيى ناوي يطلب إيد الدكتورة أطياف، وإن شاء **** يكون بيننا نسب طيب.
والد أطياف (كان بيبصلي):
وانت يا يحيى، شايف نفسك مستعد للمسؤولية دي؟
قلتله بكل ثقة:انا مستعد طبعا لأني بحب دكتورة أطياف وباحترمها، وشايفها هاتكون شريكة عمري الي كنت بحلم بيها و من زمان كنت بدور عليها
الأم (تبتسم):
وبنتنا بتشكر فيك قوي يا يحيى، و لما أنا شفتك و عرفت عنك قلتلها عندها حق انها توافق.
على جنب كانت عليا سايبة ابتسامة خفيفة مصطنعة على وشها ، لكن عنيها مش مرتاحة، كل شوية تبص لأطياف لما تطلع تسلم وترجع
والد أطياف:
يبقى على بركة ****. نقرة الفاتحة ونلبس الدبل، وربنا يتمم بخير.
كنا متفقين انا و اطياف قبل الزيارة دي على كل حاجة و هي رتبت ده مع امها و ابوها فكانت زيارتنا لاهلها شكلية و عشان تبقى علاقتنا رسمية
البيت كان مزين بشكل بسيط وراقي، و ورد أبيض وزهري، و صينية فيها دبلتين متوضبة على ترابيزة صغيرة.
أطياف كانت لابسة فستان رقيق لونه سموكي، حجابها ناعم ومكياجها خفيف. و انا كنت لابس قميص أبيض وبنطلون رمادي، و باين علي التوتر والسعادة في نفس الوقت.
باسل كان واقف بيتكلم مع والد أطياف، وعليا قاعدة جنب أم العروسة، بتضحك بس في نظراتها حاجة مش مريحة.
اللحظة المنتظرة: لبس الدبلة. مديت إيدي ، وأطياف بتقرب، إيدينا بتتقابل، والناس بتسقف بخفة.
قلتلها (بهمس):مبروك علينا.
أطياف (بابتسامة واسعة): وأخيرًا.
عليا (تتمتم مع نفسها وهي بتبص لينا):كل الحب ده بعد سنة وحدة بس! يا بختك يا أطياف
أم العروسة (سمعتها):
بتقولي حاجة يا حبيبتي؟
عليا (بابتسامة مصطنعة):
أبداً.. بس الأيام دي البنات بقوا بيعرفوا يختاروا قوي.
أطياف، سمعِت كلام عليا، و التفت ناحيتها بابتسامة مؤدبة، وقالتلها:
الحمد لله إن **** هدانا لبعض.
عليا (بترد بسرعة، وهي بتشرب شاي):
**** يوفقكم يا حبيبتي..
بس زي ما بيقولوا، الحب في الأول حلو، بس الجواز عايز صبر بجد.
أطياف (تهز راسها):
أنا صبورة ما تقلقيش وكمان يحيى يستاهل.
الجو بيهدى شوية، لكن التوتر بين عالية وأطياف بقى ظاهر في نظراتهم لبعض. باسل لاحظ ده ، و بص بسرعة لعليا بعين فيها تحذير خفيف.
باسل (بصوت عالي شوية):
يلا يا جماعة، نقطع التورتة ولا إيه؟!
أطياف مدت إيدها ناحيتي، و اخذنا الصورة جنب التورتة. في الصورة، ابتسامتي كانت حقيقية، وابتسامة أطياف دافية، لكن ورانا، عليا كانت واقفة ووشها فيه حاجه مش مفهومة: مزيج من الحنين.. والغيرة.. والوجع المكتوم.
الجزء السابع
تحذير
قد يحتوي على مشهد للبالغين .
في العربية و احنا سايقين للبيت ..
بعد حفل الخطوبة، الدنيا ليل والطريق فاضي، بس الجو مكانش هادي...
مش بسبب الزحمة، لأ، بسبب اللي كانوا جوّا العربية.
باسل سايق، وانا جنبه وببص في الضلمة، وعليا قاعده في الكرسي ورا، ساكتة، لكن وشّها متشدّ... عينها مركّزة في ضهري، وساعات تبصلي في المراية.
باسل كسر الصمت:"مبروك يا عريس... الخطوبة كانت بسيطة بس شيك، شبهكم."
ابتسمت بهدوء:"الحمد لله... وجودكم معايا كان شيء مفرح قوي كمان .. "
سكتنا شوية... لكن واضح إن في حاجة مشحونة في الجو.
عليا بصّت في المراية وقالت ببرود:
"بس أطياف شكلها كانت متوترة أوي... كأنها مش فرحانة أوي يعني."
باسل بص لها في المراية، لكن ما علّقش.
استغربت انا شوية، لفيت راسي ورا وقلتلها بهدوء:
"هي بس مش بتحب الزحمة... ده يوم تقيل عليها، أول مرة تقف وسط كل الناس دي."
عليا شدّت حاجبها وقالت:
"يعني مش مستعدة للحياة اللي جاية؟"
باسل قالها بنبرة فيها تحذير:"عليا... خلاص، الحفلة خلصت، وكل حاجة عدّت تمام."
رديت عليها بهدوء:
"أنا شايفها مستعدة أكتر من ناس كتير. مش لازم تبقى مبتسمة طول الوقت علشان تُرضي الناس."
سكتنا تاني...
وبعدين باسل قالي:
"بس قولي بجد... أنت متأكد من اختيارك ده و مش هتندم عليه في يوم ؟"
لفيت ناحيته بنظرة:
"آه، طبعا متأكد. اطياف فيها حاجة مختلفة... نقية كده، ومش بتتجمّل ولا بتلف وتدور. بتريحني."
باسل قال بصوت واطي:
"هي هادية .. فعلا . واضح انها بتناسبك كتير. **** يوفقكم .
بعد ما رجعنا للبيت ..
كل حي كان لازم يروح لحاله.. ويشوف حياته ..
من ناحيتي حسيت بفرح و سعادة و تعويض عن كل الشقى و الحزن الي شفته في حياتي من قبل ما اعرف أطياف ..
أطياف هي العوض الحقيقي ليَ .. هي الإنسانة الوحيدة الي ادتني الحب زي ما ادتهولها .. و قدّرت كل مشاعري ناحيتها و حست بيه و فهمتني و حبتني زي ما حبيتها و يمكن اكتر ..
كنت بعيش تالت اجمل مرحلة في حياتي .. الاولى كانت لما دخلت الحياة الجامعية ..والتانية لما اشتغلت .. و التالتة دلوقتي لما خطبت اطياف
كنت فاكر انُ خلاص .. الدنيا ضحكتلي اخيرا و هاعيش حياتي زي بقية الخلق ، مع الانسانة الي بحبها و هاسس معاها حياتي و ابني معاها عيلتي الجديدة ..
بس! .. كان القدر دايما واقف قصادي و يحب يلعب لعبته معايا من غير اي اهتمام خالص حتى لو لعبته دي بتدمر حياتي
في الايام الي بعدها .. بعد ما خطبت أطياف. كنت بحاول اتجنب عليا في البيت خصوصا لما باسل يروح للجيش ، كنت بحاول ماكلمهاش الا في الضرورة.. خصوصا اني كنت شايف قد ايه التوتر باين عليها ..
كنت اتمنى ساعات اسألها عن سبب توترها و وشها المقلوب طول الوقت .. بس كنت بتراجع في الآخر .. لأني مش عاوز افتح على نفسي باب يمكن ماعرفش اسده لو اتفتح ..
عليا كانت بتحاول تتصرف طبيعي قدام جوزها .. بس ما تقدرش تمسك نفسها لما جوزها يبقى مش موجود ..
للأسف .. التوتر ده خلاني بقيت مش مستحمل ان الوضع يفضل كده. خصوصا اني كنت ناوي اتجوز في بيت ابويا علشان هي دي رغبته قبل ما يموت ..
انا انسان مؤمن بأن الموت نهاية حتمية لكل واحد فينا و مسير ده هايحصل لكل حد فينا و منهم ابويا الي صحته تعبت أكتر مع كبر سنه .. فكنت اقول اتجوز قريب منه و استحمل تصرفات عليا و بعد عمر طويل لو ابويا سلم امانته لخالقها ساعتها مش هافضل في البيت ده ثانية واحدة
في يوم كان هادي و الجو لطيف .. قلت لازم اواجه عليا بعيد عن باسل .. يمكن اصحّي فيها عليا بتاعة زمان بنت خالي الرقيقة البريئة الي بتحبلي الخير ..
كعادتها .. عليا كانت في المطبخ مشغولة بتعمل اكل .. وانا دخلت عليها و هي حست بوجودي بس كانت مطنشاني و عاملة نفسها مش واخدة بالها
قلتلها: مالك يا عليا ..هو انت ليه مش على بعضك من يوم الخطوبة؟ هو انت ما فرحتيش ليّ يا عليا؟ مافرحتيش لأخوكي؟
فجأة عليا انتبهت لكلامي و بصت ناحيتي وهي متعصبة: اخويا؟ لا يا يحيى انت مش اخويا.. انت ابن عمتي .. !
حسيت ان عليا كانت عايزة تتخانق و خلاص فقلتلها عشان اهديها: فيه ايه يا عليا ؟ مالك النهاردة بس؟
عليا: هي دي الحقيقة يا يحيى.. واظن الحقيقة ماتزعلش حد ؟
كلام عليا جرحني شويا فقلتلها بصوت مكسور: عموما انا اسف يا عليا .. كنت معتبر نفسنا صحاب وخوات .. بس اذا كان ده مضايقك انا هبعد ..
خرجت زعلان من المطبخ .. وطلعت لاوضتي و قعدت على سريري و كنت بجد مخنوق و مش مرتاح ، الوضع ده مكانش عاجبني ابدا ..
بس بعد شوي سمعت صوت خطوات عليا وهي طالعة السلم و راحت داخلة عليَ ..وفي عيونها كام دمعة كانوا لسه نازلين منها .. و من غير ما كلمها .. عليا جت ناحيتي وقعدت جنبي ع السرير ؟
وابتدت عليا تبكي أكتر ؟بُكى مش مفهوم .. هي بتبكي ليه؟ انا الي كان مفروض اكون زعلان منها ، هي الي جرحتني؟
هي كانت بتعيط لأنها ندمانة على الي عملته معايا ولا عشان انا بقيت خاطب رسمي و خلاص طلعتها هي و غيرها من حياتي ؟
بكاها اثر في بصراحة ،عليا كانت بتعيط زي العيال و مش قادرة تاخد نفسها عشان تقولي كلمة او تشرحلي سبب بكاها؟ طب هي لي طلعت عندي؟
عليا بقت تبكي و انا بسألها: طب بتعيطي ليه ؟ مالك يا عليا في ايه بس ؟
عليا و هي بتبكي زي العيال و كلامها يطلع متقطع: مش.. طايقة .. عيشتي .. اكتر .. من كده .. مش قادرة .. استحمل ..
حاولت اهديها بعد ما صعبت علي بجد ، كنت عاوزها تهدى بس ، مهمن كان عليا هي بنت خالي و صديقة طفولتي و عشرة عمر و لا يمكن ارضالها الحزن
عليا كانت بتبكي و راسها لتحت و بدت تميله ناحيتي ، لحد ما سندته على كتفي ! من غير ما قصد ولا احس ، ماعرفش ليه عملت كده ، خليت ايدي على كتفها و حضنتها وانا عاوزها تهدي من بكاها الي كان على آخره ، لدرجة خفت انها تقطع النفس
عليا فجأة رفعت راسها وهي على صدري و بصتلي بوشها الغرقان دموع ، بنظرة من عنيها خلتني احس بضعفها و حزنها و خذلانها ،حسيت قد ايه هي مكسورة و تعبانة ..
حضنها و وضعها كده ماقدرتش اسيطر عليها ولا على نفسي . في حاجة اجبرتني اني امشي مع عليا و الي هي بتعمله حتى لو كانت نيتها سليمة ..
عليا وهي بتبصلي بوشها الغرقان دموع: سنين وانا مستحملة عشان كنت فاكراه بيحبني .. بس هو خلاص معادش طايقني
انا : معلش يا عليا اهدي و بطلي عياط ، كل حاجة هاتتحل و ترجع لمكانها . ده انتو بقالكم أكتر من ست سنين متجوزين. العشرة مش هينة يا عليا
عليا: زمان كان بيقولي انه بيحبني اكتر منك أنت و اني عمري ما هلاقي حضن زي حضنه ولا حب زي حبه ؟
حاولت اعمل نفسي كأني ما سمعتش: خلاص بقى يا عليا اهدي .. ده مش كويس عليك كتر البكا ده
عليا مكملة من غير ما تقف: هو قالي انه عارف انك كنت بتحبني كمان ، بس هو حلفلي انه بيحبني اكتر منك !
انا اول مرة أسمع الكلام ده من عليا ،مع ان اوانه كان متأخر قوي ، هي ليه عليا فجأة عايزة تفتح في سيرة الماضي و تقلب في دفاتره القديمة ؟
أنا ما رديتش عليها. بس هي خلت كف ايدها الشمال على صدري و بدت تحسس عليه
و قالت: هو انت كنت بتحبني بصحيح؟
انا: يا عليا ما قلنا الكلام ده خلاص فات اوانه
عليا: لا .. لسه اوانه ما فاتش يا يحيى؟
انا: طب اهدي بس و بطلي عياط
عليا: لو عاوزني ابطل عياط يبقى لازم تقول الحقيقة قول انك كنت بتحبني! حتى لو كان حبك ليَ أقل من حبه
نظرة عليا و ريحتها الجميلة و نفسها الدافي كان بيضرب في وشي ، انا في الآخر بني آدم من ددمم و لحم ، و الوضع ده حرك كل مشاعري و احاسيسي و حتى شهوتي ، مع اني كنت بقاوم و برفض اعمل اي حاجة تأذي اخويا ، بس المرادي الشيطان كان أشطر و اقوى ..
انا في لحظة ضعف قلتلها: ايوا يا عليا ، انا كنت بحبك زمان بس ..
عليا فجأة فتحت عنيها و بقت تبصلي بعيونها و فيها اغراء قوي و ابتدت تقرب شفايفها ناحيتي و هي بتقولي بصوت ناعم و مغري
عليا : يعني انت كنت بتحبني بصحيح ؟ باسل ما كدبش عليا ؟ كنت بتحبني ؟ قول ،عايزة اسمعمك ،ولا انت عايزني افضل اعيط للصبح؟
انا بنفس الغباء و الضعف: ايوا يا عليا ،باسل ماكدبش عليكي ، كنت بحبك ، ده انت كنتي اول حب في حياتي
عليا تحمست و كان ده واضح في عنيها
قالت: و دلوقتي .. مش بتحبني برضه؟ قول ؟
قبل ما انطق و ارد .. كانت شفايفها قريبة قوي من شفايفي و من غير تفكير و لا عقل ، رحت مخلي شفايفي على شفايفها ،و عليا استلقتهم بترحيب ، في بوسه ناعمة قوي ، كهربتني و خلتني احس بطعم شفايفها الحلو ، عمري ما تخيلت ان شفايف عليا ناعمة وحلوة كده ..
فجأة حسيت انا بالغلط الكبير الي بعمله.. حاولت ابعد بس الي حصل ان عليا كانت ماسكة فيَّ قوي و حتى لما عُزت اقطع البوسة شفايفها كانت لازقة بشفايفي ..
غلّبتني عليا وانا بسحب نفسي عنها اخيرا ، و بُقي تحرر من بقها ، و ساعتها بس بصيت ليها بقلق و استغراب و هي كانت بتبصلي بشكل مختلف كأنها كانت عايزاني اكمل الي ابتديناه
بس لا ، مش انا الي يعمل كده في أخوه و يخون عرضه و عهده
خذت نفس طويل وانا ببعد عن عليا و قفت وانا مديلها ظهري و قلتلها وانا مش حاسس غير بتقل تأنيب صميري
انا: الي حصل ده كان غصبن عني يا عليا ، ارجوك سامحيني .. و ..
عليا بتقاطعني: بس ده مكانش غصب عني انا ؟انا كنت مبسوطة معاك و ..
قاطعتها وقلت: كفاية يا عليا ارجوكي ، ياريت ننسى الي حصل ده ، الي حصل غلطة و مش لازم تتكرر ابدا ، خليكي فاكرة اننا أذينا باسل ،اوعي تنسي ده! عشان ما نرجعش نفكر في الغلط تاني ..
عليا شكلها كانت مصدومة من كلامي و ماكانتش عايزة تنزل من قيمة نفسها اكتر من كده كفاية الي راح من كرامتها وهي رامية نفسها علي
عليا ما نطقتش بأي حاجة فسمعتها وهي بتقف و تخرج من اوضتي ، و لا كأن حاجة حصلت ..
اما انا فكنت حاسس بقرف و تأنيب ضمير كبير قوي ، انا مش بس خنت اخويا انا خنت اطياف كمان ، ازاي اعمل حاجة زي دي مع مرات اخويا ؟ ازاي باسل اخويا من دمي و لحمي .. هان علي كده ؟
قعدت مع نفسي و انا عمال بعاقب فيها كأني بديلها أألام ، ألم ورا ألم ، عشان تصحى و تبطل تفكير وسخ ..
أناعملت حاجة مش حلوة.
يعني انا مفكرتش فيها كده وقتها، بس حسّيت إني جرحت نفسي قبل ما اجرح اي حد تاني ..
انا كنت مع عليا قبل شوية بكل جوارحي، واليوم ده حسّيت تجاهها بحاجة مش المفروض أحسها ، انا مش المفروض أكون بالشكل ده أبداً
مش المفروض قلبي يتلخبط كده وأنا.. أنا المفروض خلاص بقيت شايف طريقي بعيد عنها ..
أنا مش عايز أكون الشخص اللي قلبه بيتهز من أي كلمة أو لمحة أو لمسة زي ما حصل مع همسة زمان
أنا عايز أكون ثابت و مستقر في مشاعري و اهدافي برضه
بعد اكتر من ساعات من تفكير و تأنيب ضمير ، خدت برشام منوم عشان اهرب من الي عملته و اعدي الوقت ده بأي شكل و خلاص ، تأنيب الضمير نفسه متعب و يسبب ارهاق للجسم كمان
في اليوم الي بعده ..
رحت المستشفى ، كان لازم اكون وقتها في الدور الرابع - جناح الجراحة
ماعرفش ليه كنت بحس اني عامل عملة و هربان منها ؟ حتى كنت بشك في نظرات زمايلي لي .. هو انا فعلا باين علي اني عملت حاجة غلط؟ مافتكرش .. بس هو تانيب الضمير بيخلي الواحد فينا مفضوح كده ..
كنت لابس البالطو الأبيض، الي شبه وشّي ساعتها ، وشي كان لونه مخطوف و شاحب، و اول ما دخلت الجناح سلمت على زمايلي وانا شارِد.
و أول ما شفت أطياف جاية ناحيتي، عدلت وقفتي كنت بحاول أبان طبيعي، بس اظاهر ملامحي ماقدرتش تخبي الي جوايا
أطياف (بهدوء وابتسامة دافية): صباح الخير يا يحيى... عامل إيه؟
وقبل ما اجاوبها عليا كانت باصالي بتركيز، كأنها بتحاول تقرى وشّي
أطياف : إنت كويس؟ شكلك مرهق كده... نمت كويس امبارح؟
قلتلها و انا بحاول ابتسم واهرب بنظري عنها : صباح النور الحمد لله تمام...آه... يعني... نمت شوية. يمكن بس دماغي كانت مشغولة شوية ، الواحد ساعات... بيتوه شوية جوّه نفسه.
أطياف (بصوت واطي وحساس):يحيى.. لو فيه حاجة مضايقاك، تحب تحكيلي؟ يمكن أريحك.. انا مش بس خطيبتك .. نسيت اني حبيبتك كمان؟
هنا قررت اني اخد اطياف بعيد عن القلق الي شايفاه في و حاولت اغير الموضوع و رحت قايلها
انا (بمرارة):آه يا اطياف انت حبيبتي و أنا بحبك... ومش هسيب أي حاجة تكسر ده.. ومهما حصل في الدنيا انا مستعد أحاربُه علشانك.
أطياف ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت: وانا معاك يا يحيى .. انا و انت هنحارب سوا... بس أوعدني إنك تبقى صادق في حبك لي دايمًا... حتى لو وجعتني..
كنت بقول مع نفسي هي ليه جابت سيرة الوجع؟
انا: **** يبعد عنك و عني الوجع يا أطياف ، بوعدك ان ايامنا الجاية كلها هتكون فرح و حب و سعادة .. وعد يا أطياف
اطياف ضحكت ضحكتها الحلوة و قالتلي بخفة ددمم : ولو انك ما قلتليش ايه الي كان معكنن مزاجك بس لما الضحكة رجعت لوشك يبقى خلاص انا كمان مش عايزة اعكنن عليك ..
انا و بحب: انت مستحيل تعكنني علي يا اطياف ، انت ألطف من نسمة الهوا .. انا بحبك بجد
اطياف بكسوف: و انا كمان يا يحيى.
بعد اليوم ده ما عدى ، خدت قرار مع نفسي ، اني مش هاضعف تاني . و عليا انا هاعرف ازاي افكرها بحدودها واخليها تلزمها و مش هكلمها تاني ابدا حتى لو شفتها تعيط .. أنا مالي بيها انا؟ كل واحد ليه حياته و لازم يهتم فيها .. بعيد عن التاني و أذاه ..
عدى يومين على الي حصل مع عليا في البيت . و باسل لسه ما نزلش اجازته. هو لما يجي بحس انا زي المسجون الي خد افراج
من ناحيتي حاولت انسى الي حصل و اعديه ، بس الحاجة المش راضية تعدي ، ان الي بينا انا و عليا ما عادش زي زمان ، و لا هيرجع زي زمان ..
حتى عليا لما اشوفها صدفة في البيت كانت بتخبي نفسها و باين على ملامحها الزعل و وشها ماعادش يضحك و ينور زي زمان .. مع اني كنت بتجنبها على قد ماقدر
حتى الورد الي مالي البيت بقى ذبلان! يمكن لأن عليا من كتر التفكير انشغلت عنه و نسيت تهتم بيه ..
الجو العام كان كئيب ، و الوضع في البيت مابقاش فيه حاجة تحليه او تخلي فيه روح او مزاج ..
فكنت اقضي وقتي كله تقريبا في اوضتي ، حتى الأكل لو عليا نادتني عشان انزل اتعشى ما كنتش بنزل ، كنت اكذب عليها بأي حجة ، اقولها ماليش نفس او تعشيت برة ، المهم ماقعدش معاها ولا اواجها تاني بعد الي حصل
تقريبا الوضع هايفضل زي ما هو .. لحد ما انا و اطياف نتجوز
انا و اطياف ابتدينا نجهز لجوازنا. انا فَهمت اهلها اني ماقدرش اخالف رغبة أبويا بأني لازم اتجوز في بيت العيلة. و هم وافقوا ، بالعكس اطياف وامها زاد اعجابهم فيَ عشان أنا بار بابويا. و قلتلهم يمكن بعد سنة و لا اتنين نقدر نعزل في شقة لوحدنا ، لأننا ممكن نستغل فترة وجودنا في البيت و نقنع ابويا بمرور الوقت باننا نعزل خصوصا اني نويت أأجر قريب من بيتنا عشان اضمن موافقة ابويا.
كنت فاكر ان كل حاجة هتمشي زي ما انا خططت ليها بالضبط . ما كل حاجة تخص جوازي من اطياف جهزتها خلاص. حتى باسل اخويا كلم جماعة يعرفهم عشان يبنو ملحق للأوضة الي فوق على السطح (حمام و مطبخ صغير ) عشان نحس ان عندنا استقلالية جوا البيت.
ولكن .. و اه من اللكن يا عزيزي القارئ .. يالي لسه مكمل معايا و مستحمل معاي الي بيحصل ..
في يوم رجعت انا من المستشفى تعبان ، في وقت متأخر. واول ما وصلت سمعت صوت عالي قوي طالع من جوا البيت. اظاهر ان فيه خناقه جوا.. و اول ما دخلت عرفت أن عليا كانت بتصوت ، و شكل باسل كان بيضربها ؟ الصوت كان طالع من اوضتهم بوضوح.
في الأول طنّشت... قولت يمكن شدّ وجذب عادي، زي كل مرة.
بس الصوت بدأ يعلى... وعليا بقت بتزعق.
ده حتى ابويا نده عليا اول ما سمع الباب يتفتح! و وسط الصويت ده رحت عند ابويا الاول و اول ما دخلت قالي.
ابويا: يا يحيى، دول بقالهم ساعة بيتخانقوا ، انا سامعهم من هنا.. روح .. روح يابني خليهم يبطلوا خناق و صالحهم مع بعض..
انا ترددت قوي لاني ماكنتش عايز اتدخل مابينهم بس كان لازم اسمع كلام ابويا
أنا: أمرك يا بابا .. حالا ..
و رحت بسرعة لاوضة باسل وقلبي بدأ يدق بسرعة، فيه حاجة غلط بتحصل ، ولما فتحت باب الأوضة، شفت اللي ما كنتش أتخيله.
باسل كان واقف قدام عليا، عنيه كلها غضب، كأن كل حاجة حصلت بسرعة.. كان واضح جدا ان باسل كان بيضرب عليا جامد. و شها باين عليه علامات ضرب و كدمات و من تحت عينها لون غامق !
أنا اتجمدت حرفيًا لما شفتها كده. عمري ما تخيلت ان عليا ممكن يحصلها كده و من مين؟ من باسل؟
عليا كانت قاعدة على السرير وإيدها على خدها، والدموع كانت بتنزل من غير صوت...
"إنت عملت إيه؟!"
ده كان صوتي، وأنا بجري ناحيتهم ، دخلت في النص، وقفت بين باسل وبينها، وأنا قلبي بيولّع.
انا:" انت بتهزر؟! تمد إيدك على مراتك؟! تمد ايدك على عليا؟!"
باسل لفّ لي، عنيه مش ثابتة، كأنه خرج عن السيطرة.
قاللي بجفاف:
"وانت مالك يا يحيى .. مراتي واعمل الي انا عايزه معاها ..أنا حر!"
أنا اتجننت.: "حـر؟ مراتك ع العين والراس بس كمان دي بنت خالي و زي اختي .. ها ! دي إنسانة من ددمم ولحم، مش لعبة! دي واحدة واقفة قدامك بتتهز من الألم ، وانت شايف إنك حر؟!"
كنت شايف دموع عليا وهي ساكتة، كأنها مش مستغربة، كأنها اتعودت على الي بيحصلها ده، وده اللي وجعني أكتر.
قربت كمان منه، وقلتله:"دي مش بس مراتك، دي أختي... أختي يا باسل!"
ساعتها، باسل بَصلي بنظرة عمري ما هنساها. فيها حاجة مش مفهومة ، حاجة شبه التهديد...
وقاللي بجفاف بارد:"إنت نسيت نفسك يا يحيى ؟ مش كل حاجة يحقلك تتدخل فيها. مش كل مرة تفتكر إنك المنقذ."
الكلمة دي...
كسرتني.
أنا اللي كنت شايفه أخويا الكبير، ضهري وسندي، رد عليا كده؟
أنا اللي كنت فاكر إني واقف في مكان صح، يتقاللي كده؟
بصيت لعليا، لقيت وشها ما بين الانكسار والخذلان...
وبصيت لباسل تاني، وقلبي اتقبض.
قلتله : "انت اللي بتضيع يا باسل بالي بتعمله و ها تضيعنا معاك .. وإحنا كلنا اللي بندفع التمن."
باسل بلهجة جافة: قلتلك يا يحيى ما تتدخلش في الي مالاكش فيه ؟؟
واللي وجعني أكتر من كده ان عليا نطقت بحاجة عمري ما توقعتها و قالت بصوت محشرج : ارجوك يا يحيى بلاش تتدخل بيني وبين اخوك .. ارجوك ؟؟؟؟
لما سمعت عاليا قالت جملتها دي . في اللحظة دي تمنيت الأرض تنشق و تبلعني ، الاتنين جرحوني النهاردة ، سكت وبصيتلهم بصمت و سبتهم مش هاقدر أبص في عنيهم تاني..
ما قدرتش أكمل.. خرجت
انسحبت... وأنا حاسس إني كنت عاجز، رغم كل اللي حاولت أعمله.
كنت عايز اطلع لاوضتي بس ابويا نده عليا عشان يسالني عن الي حصل و الي عملته. هم كانو سكتوا بعد ما سبتهم.
انا كدبت على ابويا وقلتله خلاص.. كل حاجة بقت تمام وانهم اصطلحوا مع بعض !
الجزء الثامن
آسف على التأخير اتمنى تسامحوني.
الجزء ده فيه مشهد للبالغين 🔞
بعد موقف عليا الاخير مني. خدت عهد على نفسي مرة تانية .. اني مش هتدخل في حياة باسل و عليا بعد كده مهما حصل. انا عاهدت نفسي قبل كده مرة ولا اتنين بس ماعرفش ليه كل مرة بكسر العهد ده .
ما فيش غير اني ابص لقدام مع ان الي بيدور حواليا بيأثر على حياتي بشكل مباشر و غير مباشر .. بس ما فيش حل قدامي غير كده ..
في اليوم التاني
صحيت بدري النهاردة، بدري قوي. الساعة كانت لسه ٦ الصبح، والبيت ساكت، مفيش غير صوت المروحة اللي بتلف ببطء وصوت أنفاسي اللي حسيتها تقيلة.
ما قدرتش أكمل نوم. قمت من على السرير، وغسلت وشي كأني بحاول أغسل معاه كل اللي شفته في دماغي طول الليل... بس ما راحش.
لبست هدومي بسرعة، خدت المفاتيح ومحفظتي وخرجت من الأوضة على أطراف صوابعي، عشان ما أصحيش بابا، ولا حتى باسل الي كان بيشخر بصوت واضح طالع من أوضته.
نزلت الشارع، والهوى كان لسه نضيف، فيه برودة خفيفة كده، زي حضن أم أنا محروم منه. مشيت من غير هدف. رجليّا كانت بتسوقني، مش عقلي.
وانا بتمشى كانت الدنيا لسه مظلمة و مافيش زحمة غير من شوية ناس رايحين بجيبوا رزقهم ..
عديت على الميدان اللي دايمًا بزوره مع أطياف وإحنا راجعين من المستشفى... كنت دايمًا بعدي فيه وأنا معاها... بس النهاردة، أنا لوحدي.
جبت قهوة من كشك صغير، وقعدت على سور حجر كده، وبصيت للناس اللي بتعدي. فيه واحد بيجري، وواحدة شايلة عيلها، وعامل بينضف الرصيف. وأنا؟ أنا مش عارف أنا إيه.
كل حاجة جوايا ملخبطة. بحب أطياف، دي أكتر واحدة كانت معايا وقت ضعفي، ووقفت جنبي. بس عليا... عليا مش بتسيبني. مش بتسيب تفكيري، ولا حتى في حلمي. هي كانت جزء من حاجة أنا ما فهمتهاش، أو يمكن فهمتها بعد ما فات الأوان.
أنا مش خاين، بس قلبي مش قادر يكذب أكتر. أنا تايه، حرفيًا تايه، وفي وقت المفروض أكون فيه فرحان، مخطوب، ومبسوط، أنا حاسس إني أضعف من أي وقت فات.
رميت باقي القهوة، وقمت أمشي تاني. مش عارف رايح فين. يمكن المستشفى؟ يمكن مكان تاني؟ أو يمكن... يمكن أدور على لحظة صدق مع نفسي.
كنت بتمشى وأفضل ماشي لحد ما رجليه تتعب و بعد كده اروح بتاكس للمستشفى
لاني في المستشفى اقعد افكر مع نفسي بحاجات كتير .. اهمها اني اصبّح بوش اطياف السمح ..
اطياف لما تدحكلي بتريحني و بتغسل همومي. بنت نظيفة قوي من جواها ؛ يمكن انظف مخلوق قابلته في حياتي .. هي ذكية و لماحة و تحس بيا دايما
الي منرفزني اني بعمل مقارنات بينها وبين عليا غصبن عني و من غير ما أقصد أفكر بده ..
لسه عليا معلمة علي تاني. مش أول مرة تعملها ، اول موقف كان يوم ما بسنا بعض و لسه ضميري كل شوية يفكرني و يخليني اقرف و اكره نفسي و اكره الي عملته .. و تاني موقف لما قالتهالي في وشي : ما تتدخلش بيني وبين اخوك يا يحيى؟ عايز انا أيه اكتر من كده عشان أعرف اني لازم أبعد .. لأ.. انا لازم اهرب .. أجري بسرعة من المكان والزمان و كل الي حواليه .. عشان بس ارتاح من العذاب الي انا فيه ده.
و اللي متأكد منه، إني لازم أخد قرار... وإلا هفضل أعيش في نصين، لا قادر أكون مع أطياف بالكامل، ولا قادر أنسى عليا
في المستشفى
كنت حاسس أني مش طبيعي اليومين دول. كل ما ببص في وش أطياف، بحس إن جوايا حاجة مش مستقرة. بحبها، آه، ومش قادر أتخيل حياتي من غيرها، لكن كل مرة تضحك لي أو تحكيلي عن حلم من أحلامها الجاية، قلبي يتقل شوية.
المشكلة مش فيها، هي طيبة وبريئة، بتحبني بصدق. المشكلة فيه أنا . من بعد اللي حصل مع عليا، ومن ساعة ما شفت نظرتها، والي حصل ما بينا، ودموعها ، وانا مش قادر أهرب من صورة المشهد ده.
حتى لما رحت مع أطياف في الكافيه المفضل عندنا ، وهي كانت بتحكيلي عن تصميم بيت المستقبل، وفجأة سرحت ؛ افتكرت همسه. هي كمان عملت كده و اختارت حتى لون الستاير .. بصّيت لأطياف وهي بتتكلم، لكن في بالي كان وش تاني خالص... عليا..؟
شديت نفسي، ورجعت سمعتها، ضحكت معاها، ومسكت إيدها كأني بطمنها إني معاها، بس الحقيقة إني كنت بطمن نفسي. بحاول أقنع قلبي إن اللي حصل مع عليا كان لحظة ضعف، وإنا مستحيل أخون أطياف حتى في خيالي.. و لا حتى اخويا باسل
بس تأنيب الضمير مابيرحمش. كل كلمة بقولها لأطياف، كل وعد بوعدها بيه، برجع أسأله جوايا: "أنت صادق؟ ولا تكدب على نفسك يا يحيى؟"
كنت عارف إني لو فضلت ساكت، هانفجر. بس كمان مش عارف أقول ده لمين. باسل؟ مستحيل، ده انا هخرب بيته لو عملت كده.. انا لا ممكن اصلح الغلط بغلط اكبر ..
طب وأطياف؟ لو عرفت ؟ دي هتهجرني يمكن ..هتقول علي ايه؟ ضعيف؟ ماقدرش اتحكم بنفسي؟ ولا انا ما بحبهاش اصلا؟ ولسه بحب عليا؟ عليا مرات اخويا؟ خطبتها عشان انسى عليا بس؟ مستحيل اعمل كده كمان .. ده انا ها أكسرها.. و هاخسرها .
كنت بشتغل و كل شوية اسرح مع نفسي. حتى صاحبي د.عمرو لاحظ كده. يبقى أكيد إطياف لاحظت ده كمان. مع انها تشتغل في قسم تاني بس كنا بنلتقي كل ما الوقت يسمح .. او لما نتغدى سوا في دار الأطباء
وفي آخر النهار بعد ما الشغل يخلص ، لما أرجّع أطياف بيتها، وقفت قدام باب العمارة الي ساكنة فيها ، قالت لي:
"حاساك مش هنا معايا النهارده... في حاجة؟"
ابتسمت بصعوبة و قلتلها :
"تعبان شوية ... ضغط الشغل بس. متقلقيش."
هزّت راسها وسكتت، بس عينيها فضلت تبص في عنيه، كأنها حاسة إن في حاجة مستخبية، وإن قلبي مش معاها زي الأول!
سبتها و رجعت البيت بتاكسي .. وانا ما كنتش شايف الطريق... كنت شايف نفسي في مراية العربية المكسورة، نص مع أطياف، والنص التاني... مع حد تاني لسه مش قادر أعترف بيه.
في البيت ،
الايام كانت بتعدي زي ما هي. من غير تغيير ملحوظ. كنت بشوف عليا و ماحتكش بيها. بتجنبها على قد ما اقدر. خصوصا لما باسل يروح الجيش.
مع اني من جوايا بحس بلخبطة . بس كل الي بعمله في الواقع كان ماشي باتجاه جوازي من أطياف. لازم الجواز ده يتم و بأسرع وقت كمان.
خناقات باسل و عليا بقت حاجة عادية. بتحصل كل اجازة بيجي فيها باسل للبيت. وحتى لما ابويا يطلب مني اتدخل كنت بعتذرله بأدب و اقوله: سامحني يا بابا ..اخر مرة سمعت منهم كلام مش بيعجب حد. ارجوك ما تضغطش علي
ابويا فهم الي قصدته. وهو الاخر سكت.
في يوم كانت الخناقة ما بين باسل و مراته كأنها في اعلى ليفيل وصلته .. و بعدها حصل هدوء غريب .. و باسل لبس الزي بتاعه و خرج. و فضلت اسمع صوت بكا عليا في اوضتها ..
بس بعد شوية هديت و سكتت.
بالليل، الساعة قرابة ١٢. الجو كان مطر خفيف، والشارع بره ساكت و النور خافت، والهدوء بيخوف
المطر كان بيرزع على الشباك، وبرغم إنه خفيف، بس خلّى ليه حضور مدموج بين الراحة و القلق.
وفي لحظة، الكهربا قطعت.
البيت غرق في سكون مفاجئ… عالية وهي في اوضتها شهقت من الخضة.
هي حاولت تمسك أعصابها، بس صوت الريح وهي تزق الشبابيك كأنها همس مرعب.
عليا قامت بسرعة من مكانها وطلعت السلم تخبط على اوضتي
فتحت الباب و انا لابس ترينج خفيف، ووشي بقى مستغرب وقلقان.. من مجيتها ..
كنت مولع نور الموبايل بس نوره كان ضعيف و ماقدرتش اشوف ملامحها كويس
انا بصوت هادي : مالك؟ حصل حاجة؟
عالية (بتكتم رعشة في صوتها):
"الكهربا قطعت… والجو مرعب… و… معرفش، حسيت إني مش قادرة أفضل لوحدي."
ترددت شويا بس من صوتها حسيت قد ايه هي خايفة و بتتألم ، قلبي الرهيف الي طول عمره مغلبني و موقعني في مشاكل كأنه هو الي نطق بدالي :" تعالي اقعدي هنا لحد ما النور يرجع… متقلقيش."
دخلت عليا، وقعدت على الكنبة الصغيرة الي في اوضتي . كانت لابسة فستان خفيف بلون اسود، من قطن
جبت لها كوباية يانسون سخنة كنت لسه عاملها قبل النور ما يقطع ، وقعدت قصادها في الأرض، مسنود على طرف الكنبة.
رجعت قالتلي (بصوت عميق وبنظرة مش ثابتة) : "أنا ببقى ضعيفة قوي جنبك، و مع ان دي حاجة بتخوفني…بس أنا بقيت كل يوم بستنى تيجي لحظة زي دي… تبقى انت قدامي… و قريب مني.
انا ماردتش عليها؛ كنت حاسس بعطف كبير عليها، يمكن من كتر ما كانت بتبكي بسبب معاملة باسل لبها
قمت من مكاني بهدوء، وقعدت جنبها من غير ما تكلم .. كل الي كنت عايزه اني احسسها بشوية أمان .. كنت حاسس بخوفها .. مش من الظلمة لا .. من حياتها الي بقت كارهاها بوضوح
عالية دمعت، وبصّتلي …
كانت عينيها فيها دفء حقيقي، مش رغبة، مش طمع… بس أمان نادر وجوده جداً .. كانها حسته معايا دلوقتي
في لحظة صمت ، خدت هي إيدي بهدوء… من غير كلام. وسندت راسها على كتفي… وفضلنا نتنفس بس بنسمع صوت المطر .. يمكن كنا عايزينهُ يكمّل الحكاية اللي مفيهاش عنوان.
بعد شوية النور رجع تاني .. و انا بعدت عنها بس برقة وهنا شفت المفاجأة .. ولا اقول الكارثة ؟
شفت وش عليا و عليه علامات الضرب. و لون ازرق تحت عينها الشمال. المنظر ده رعبني و هزني و نرفزني أوي
وقفت على طولي و قلتلها بغضب: ايه ده؟ ايه الي حصلك؟
عليا وقفت كمان قصادي وقالتلي:
انت راضي كده دلوقت؟
قلتلها: قصدك ايه يا عليا ؟
عليا : اظن انت عارف قصدي كويس
كلام عليا نرفزني و خلاني اطلع من مود الشفقة والتعاطف الي كان مسيطر علي قبل شوي
انا تعصبت و قلتلها: مش هو ده الي كنتي انت عايزاه.. اسيبك في حالك ؟
عليا رفعت صوتها : وانت ماكدّبتش خبر مش كده يا يحيى؟ اهون عليك طيب؟ اختك تهون عليك ؟
قلتلها و انا حاسس بمرارة بسبب الي قالتهولي اخر مرة : انت بنت خالي يا عليا
عليا قربت مني بشكل غريب : اخص عليك .. بتشمت فيا بعد كل الي حصل ؟
قلتلها وانا مش بتجرأ ابص في عنيها: ماعاش الي يشمت فيكي بس انتي مرات اخويا يا عليا .. والي يحصل مابينا ده مايصحش ولا عمره هيصح ابدا
عليا سألتني سؤال منطقي ما توقعتوش منها ولا حتى سألته لنفسي من قبل
عليا: وهو ايه الي بيحصل ما بينا اساسا ؟ عشان نقول عليه يصح ولا ما يصحش يا يحيى؟ ها .. فهمني
سكت ليه ..؟ هو انت لسه بتحبني يا يحيى؟
بارتباك و صدمة قلتلها : أنتي بتقولي ايه ..!؟
وحاولت ابعد بس عليا مسكتني وحضنتني فجأة
عليا: ايوا انت بتحبني و عمرك ما بطلت تحبني .. انا عارفة ده و حاساه و شايفاه بعيونك .. من اول يوم رجعت فيه من الكلية ؟ فاكر؟
كل لحظة بتمر علينا كنا بنقرب من بعض اكتر من غير ما حس. ما هو انا مش ملاك عشان ابري نفسي و اخلي اللوم على عليا بس. انا كمان كنت ضعيف قدامها
قلتلها و انا بحاول اصحيها واصحي نفسي من الي بنعمله وبعدها هن حضني: انت عايزة مني أيه ؟
عليا وهي بتحضني اكتر : احضني .. عايزة حضنك ارجوك ..محتاجة لحضنك ..
قربت وشها مني قوي و حسيت ان الوضع بقى مستفز ، عليا حركت رجولتي وهيجتني بصراحة مع اني كنت بحاول اخلي نيتي سليمة معاها بس احنا عدينا النقطة دي خلاص و الشطان كان اقوى مننا
انا زي ماكون بلعت لساني و قلبي كان بيجري جوا صدري.. عليا كانت واقفة معايا بتحضني، شعرها مفكوك وواقع على كتفها، وعنيها فيها حاجة مختلفة... نظرة معرفهاش، بس حسيتها في قلبي قبل ما أفهمها بعقلي. ولما انا كنت ساكت بس .. كانت هي الي بتتكلم كل شوية
عليا بصوت واطي وبهدوء غريب، مدّت إيديها ولمست وشي،
وقالت:أنا تعبانة... ومش عارفة أهرب من كل اللي جوايا.
سكتنا شوية. كنت حاسس نبضي بيعلى. جسمها الجميل ملتصق بجسمي و كنت حاسس بكل تفاصيل جسمها وهي بتضغط بصدرها علي
و من غير ما أستوعب، لقيتها قربت أكتر، جسمها لامس جسمي أكتر، إيديها على صدري، وعنيها مش بتسيب عينيّا. قربت وشها من وشي أكتر ، وهمست مكمله اغرائها ليا:
"وحشتني... حتى وانت مش ليا."
قلبي كان بيخبط في صدري زي الطبول، ونفَسي اتلخبط.
ولما شفايفها لمست خدي، وبعدين اتحركت ناحية بُقى، حسّيت بجسمي بيترجّ.
كانت بتقرب ببطء، لكن حضنها كان دافي، وأنفاسها بتلسعني من القُرب.
أنا حاولت أتكلم، أقولها "لأ"... بس صوتي اختفى.
انا حاسس إني ضعفت. لحظة... لحظة واحدة، حسّيت إني هابقى إنسان تاني.. غير يحيى الي انا بعرفه
قلبي اتشق نصين... بين اللي بحاول أكونه، وبين اللي دايمًا كنت بخاف أكونه.
حضنتها، لثواني، وبعدين فجأة... حسّيت بنار قايدة في قلبي
لحظة... لحظة واحدة، حسّيت الدنيا كلها اختفت، ومابقتش شايف غيرها قدامي
شفايفها انطبقت على شفايفي، إيديها على صدري، وجسمها ملتصق بيا كأنها بتدور على أمان فقدته... وأنا، أنا كنت ضعيف قدامها
ماعرفتش أقاوم، أو يمكن ماكنتش عايز أقاوم
اندمجت معاها بالبوسة. شفايفها كانت رقيقة اوي ونفسها زي ريحة الورد بالضبط. طول عمرها عليا بتحب الورد لانها شبه الورد.
نسيت نفسي و نسيت باسل و نسيت اطياف و نسيت أبويا الي كان نايم جوة .. و مافيش غيري انا وعليا في اللحظة دي .
عليا لما شافتني سلمت خلاص و لساني بقى جوا بقها و أديّه جت على خدودها ، ابتدت تزيد من ضغط شفايفها على شفايفي و البوسة خرجت دلوقتي من إطار الحب والرومانسية لأطار الشهوة الي عمت القلوب ..
فجأة قطعت عليا البوسة وبصتلي بنظرة مليانة إغراء و رغبة عميا .. وقالتلي بصوت مليان نعومة و حرارة بنفس الوقت
عليا : ماتقول .. ايه هو الي بيحصل ما بينا..هتفضل ساكت ؟
وهنا .. ماردتش عليها بكلام. ماعرفش أيه الي حصلي .. فجاة بقيت زي بطل خارق و مسكتها من خصرها و رفعتها بادية على صدري و لفيت بيها و انا حاضنها و رميتها برقه على سريري ..
و بقيت فوقيها وانا بحاول اقلع فستانها الاسود عنها . هي كمان ما ضيعتش لحظة و مدت اديها ترفع عن جسمي الترنج الخفيف الي كنت لابسه .
دخلنا في حالة احنا الاتنين نعرف نهايتها هتودينا لفين بس كنا رغم كل ده مكملين !
لحد ما كشفت صدرها الجميل و انسان الغاب الي كان راقد في سبات جوايا صحي و كان هيموت من الجوع و عاوز يصطاد فريسته الي قدامه باقرب وقت ..
هجمت على صدرها و مسكته باديه و بسته و شميته و ذقت طعمه و تمتعت بطراوته و رحت معاها في عالم تاني و عليا كانت بتتاوه بصوت رقيق طالع من جوا قلبها . كأنها بتعمل ده لاول مرة ؟ عمري ما حسيتها مرتاحة كده قبل اللحظة دي . كأني انا جوزها دلوقتي مش باسل!
و من غير ماضيع وقت كتير نزلت ببُقي على بطنها الجميلة و وانا ببوسها و لغاية ما وصلت لاهم حاجة فيها الي كان مابين رجليها .
كان هو كمان حاجة شبه الورد بشكله و ريحته ولونه .. عمري ما تخيلت انه يكون بالنعومة والجمال ده .. شكله الجميل خلاني اعرف انه ما تلمسش كتير بقاله مده .. يبقى باسل بقاله مدة ما عملهاش معاها؟ طب ليه؟ ليه يا باسل؟ ليه اتجوزتها و بطلت تحبها ؟ ليه؟ عمات كل ظه عشان تسبقني .. ؟ دايما عاوز تبقى قبلي .. ؟
كان بتاعها مبلول و فيه عسل شفاف بكمية معقولة.. بيدل على اثارتها و استعدادها كل ده بعرفه من العلم الي انا درسته .. فسيولوجية الوظائف الجنسية عند المرأة .
رحت انا ببقي عليه و بقيت اشربه و كان عامل زي ماية الورد بالضبط. ريحته حلوة و طعمه احلا. اما عليا فبقت في دنيا تانية وعالم تاني خالص وهي بتسلمني نفسها من غير شروط.. وبتفتحلي رجليها اكتر
و هنا جاه دوري .. مادمنا وصلنا نص الطريق فكان لازم نكمله للآخر. بقيت فوقيها و دخلت بتاعي جواها و بعدها دخلت انا على طول في عالم تاني برضو. الأحساس الي جالي منها من نعومة و سخونية و رطوبة، إحساس وصلني لحتة بعيدة قوي عمري ما تخيلت اني هوصل ليها ..
عليا خلت كف ايدها على بقها لأنها خافت تطلع صوت عالي من كتر اندماجها معايا .. ممكن الصوت ده يسمعه ابويا وهيصحيه وهتبقى كارثة بكل معنى الكلمة.
وانا فضلت اتحرك جواها و مندمج معاها .. ومابقاش قدامي غير هدف واحد.. اني افضي لبني جواها . كانت اجمل لحظة عشتها في حياتي ..
إحساس الإنسان لما يمارس مع انسان بيحبه يبقى مختلف كليا عن اي حاجة تانية .. عن اي شخص تاني .. كله في كوم .. و مع الانسان الي بتحبه و يحبك كوم تاني خالص
عليا كانت مندمجة معايا كمان بكل جوارحها .. حسيت كأنها بتجيب ظهرها كل دقيقة كأنها عمرها ما جربتش الجنس من قبل..
بعد المعركة الحامية دي ..
كملنا احنا الاتنين .. مع بعض. و هدينا شوية و تاا كنت لسه فوقيها و شفايفي رجعت تبوس شفايفها ..
بس بعد لحظات ..
عليا كانت مرتاحة و سعيدة .. بس انا مالحقتش اهرب من ضميري كتير. هي دي الحاجة المتوقعة انها تحصل بعد الغلطة ما تقع .. الندم ؟
بعدت عن عليا و لبست هدومي بسرعة و قعدت جنبها بس بعيد عنها شوية . انا ما بدخنش .. بس ساعات اشرب سجارة للمزاج. بس المرادي غير .. خدت سجارة و دخنتها زي المحروم و انا برتعش
عليا حست بيه وقعدت قريب مني وهي بتستر نفسها بثوبها الاسود
وهي ماسكته بايدها و حاطاه على صدرها. و ايدها على كتفي وهي الي قررت انها تكسر الصمت
عليا: زعلان عشان الي حصل؟ بتحس بندم ؟
قلتلها بعصبية وانا بدخن بشراهة واطلع الدخان من بقي: طبعا ندمان .. هو انا مش بني ادم عشان مابحسش بالجريمة الي عملناها .. احنا غلطنا غطلة كبيرة يا عليا .. غلطة في حق اخويا باسل .. وفي حق نفسنا
عليا بس بثقى : بس انا مش ندمانة يا يحيى.. دي كانت اجمل حاجة حصلتلي في حياتي .. انا كنت مستنية اللحظة دي من سنين ..
انا : انتي بتقولي ايه .. معقول الي بتقوليه ده ؟
عليا : بقول الحقيقة الي كنا مخبينها عن عنينا يا يحيى.. انا وانت بنحب بعض .. هي دي الحقيقة
انا بنرفزة : لا يا عليا .. انت غلطانة .. الي حصل ده كان وزة شطان .. غلطة ولازم ما تتكررش .. لازم ننساها و نرميها ورا ظهرنا .. ولا هنفكر فيها تاني ابدا .. انت سامعاني؟
عليا: انا عارفة انك بتقول الكلام ده عشان انت لسه مش مستوعب الحقيقة.. الحقيقة الي كنت بتغمض عنيك عنها
انا: حقيقة ايه .. ؟ ها .. انت نسيتي نفسك .. انت ست متجوزة من اخويا شقيقي .. و بقالك سبع سنين على ذمته ..
عليا : لا مانسيتش يا دكتور .. بس خليك فاكر .. زي ما انا بحبك و متأكدة من ده .. انت كمان بتحبني .. ايوا انت بتحبني وعمرك ماقدرت تنسى الحب ده ومهما حاولت تنساني ماقدرتش و مش هاتقدر
انا: لا يا عليا .. انا حبيت بعدك و الي ما تعرفهوش اني حبيت و فشلت و رجعت احب تاني .. انا احب أطياف يا عليا و هتجوزها .. ارجوك البسي هدومك دلوقتي و ارجعي لجوزك و حياتك، يمكن تقدري تسامحي نفسك على خيانتك ليه زي ما انا خنته معاكي ..
عليا : ارجع فين؟ قصدك ارجع للي انا كنت فيه .. ادفن نفسي في الحياه مع اخوك !
انا: محدش جبرك يا عليا .. انت الي اخترتي
عليا: لا .. مش انا الي اخترت .. انا رفضته ؟
كلام عليا ده فاجاني أوي وقلتلها كأني مش مصدقها
انا: أيه؟ انت بتقولي ايه؟
وقفت بعد ما سمعتها على رجلية جنب الشباك ساكت و مصدوم من الي بسمعه منها
عليا: هي دي الحقيقة الي انت ماتعرفهاش والكل مخبيها عنك
انا: انا مش فاهم حاجة ؟
عليا (بصوت هادي وفيه غصّة): عارف يا يحيى… عمري ما حكيتلك قبل كده، بس يمكن جه الوقت.. الي لازم تعرف كل حاجة
من مكاني لفيت ليها، بصوت حذر:تحكيلي عن إيه؟
عليا (تبص لتحت، و ترفع عينيها ناحيتي):
فاكر أول ما باسل اتقدملّي؟ قبلها بشهور... أنا كنت متلخبطة. قلبي كان ميال، بس دماغي مش مترتبة. كنت... بحاول أفهمك، أفهم اللي بيننا.
قلتلها بصوت مبحوح:كنتِ حاسة بحاجة زيي برضو؟
عليا (تهز راسها وهي بتبتسم ابتسامة حزينة):
كنت! بس باسل سبقك. جه وقالي حاجة قلبت كياني كله. قالّي إنك مرتبط ببنت معاك في الكلية. وإنها حب عمرك… وإنك ماشي معاها بقالك فترة.
أتقدّمت خطوة بسرعة ناحيتها، و ملامحي مصدومة:قالّك كده؟!
عليا (تهزّ راسها):
أيوه. وأنا صدقته. ماعرفش ليه، يمكن علشان كان بيتكلم بثقة، أو يمكن علشان كنت خايفة... خايفة أواجه الحقيقة لو كانت غير اللي أنا متخيلاها.
قالي إنك بتحبني صحيح بس حب مختلف عن حبه هو، وإنك شايفني أخت وبس… وإنك كمان اتريقت مرة وانتم بتتكلمو عني وقال إنك لو كنت بتحبني كنت قلت من زمان!
بصيت فيها بذهول:
ده كدب... كدب مفضوح. أنا عمري ما حبيت غيرك.. وقتها !
" لما باسل تجوز عليا كنت لسة سنة اولى ولسه ما تعرفتش بهمسة"
عليا (تدمع عينيها):
أنا عرفت متأخر... بعد ما بقيت مراته. لما شفت نظرتك ليا، لما كنت بتحاول تخبي بس كل حاجة واضحة في عنيك
بس كنت وقتها خلاص... محبوسة جوا اختياري. وأنا بعيش الندم ده كل يوم. بس أنا اللي صدّقته، أنا اللي كنت ضعيفة.
سكت وانا بسمعها تطلع الي جواها؛ الحقيقة ظهرت بس متأخر قوي
لحظة صمت عدت علينا و الهوى كان ساكن، والذكريات بقت تقيلة بوجعها
عليا رجعت تكمل بحزن وبنظرة فيها ألم وصدق:
يعني كل اللي فرقنا... كان كذبة من باسل؟ كذبة واحدة... بس كانت كفاية تغيّر كل حياتي.. و حياتك!
قلتلها بصوت بيرتعش: عايز اعرف الحكاية كلها بالتفصيل .. كل حاجة يا عليا .. كل حاجة
عليا ابتدت تحكيلي حكاية تانية عمري ما سمعتها .. حكاية غير الي باسل حكاها لي ..
"فلاش باك بين باسل و عليا
اول ما أنا تقبلت في الكلية"
باسل راح لعليا في بيت خاله قبل ما يتوفى . راحلهم في زيارة عادية زي كل مرة . بس الزيارة المرادي مكانتش عادية ابداً
باسل في وقتها خد عليا على جنب و طلع معاها للجنينة الي كانت مليانة ورد ، بعيد عن خالي ، بس كان باين في عنيه انه قلقان
باسل: "انا عاوز اتكلم معاك بموضوع مهم "
عليا:" ايوا انا معاك .. احكي يا باسل"
باسل": انتي عارفه ان يحيى مايخبيش حاجة عني .. تقدري تقولي اني صندوق اسراره "
علبا تضحك:" عارفة طبعا **** يخليكم لبعض "
باسل وهو بيكدب على عليا:" يحيى .. يحيى قابل بنت معاه في الكلية.. وبقى بيحبها وهي بتحبه .. هو خلاص هايبقى دكتور و الدكتور لازم يتجوز دكتورة زيه"
الكلام ده طبعا قبل ما يحيى يتعرف بهمسة . بس عليا ما تعرفش قصة همسة أساسا
عليا بمرارة:" هو الي قالك الكلام ده؟ "
باسل :" امال انا هكدب عليكي"
عليا حست بحزن حاولت تخبيه عن باسل وقالتله بصوت مليان ضعف:" و انت جاي تقولي الكلام ده ليه دلوقتي ؟ "
باسل بخوف و تردد قالها: "عشان بحبك ... بحبك يا عليا"
عليا مستغربة من كلامه لانها عارفة انه هو بيحبها بس مش الحب الي بين الست والراجل
عليا : بتحبني؟
باسل:" ايوا يا عليا .. انا وباسل كنا بنحبك من واحنا صغيرين .. بس انا بحبك اكتر منه بكتير هي دي الحقيقة "
عليا مصدومة: "يحيى بيحبني؟ "
باسل:" كان يحبك .. بس هو دلوقتي خلاص. لما شاف البنات الي معاه في الكلية ؛ بقى طموحه اكبر و بقى بعيد اوي عنك؛ اما انا يا عليا لسه زي ما انا ؛ لسه بحبك ؛ و عمري ما حبيت وحدة غيرك و مافيش حد هايحبك قدي ولا زيي .. انا اكتر واحد بيحبك يا عليا ومش هتلاقي حضن احن و ادفى عليك من حضني ."
عليا سرحت مع نفسها . شافت كلام باسل معقول.. خصوصا ان يحيى عمره ما لمحلها بشكل مباشر.. يمكن الي كان مابينهم حب طفولي بريء و انتهى وقته خلاص .
خلاص يحيى هايبقى دكتور قد الدنيا وهي ربة بيت ماكملتش تعليمها ..هايرجع يبصلها ليه ؟
عليا: "وانت جاي تقولي الكلام ده دلوقتي ليه؟"
باسل: "عشان هو ده الوقت المناسب الي لازم تعرفي بيه الحقيقة ؛ حقيقة اني بحبك ..و عاوز اتجوزك "
عليا صدقت باسل و شافت ان كلامه صح ، خصوصا ان يحيى هيكون ليه مستقبل كبير.
صحيح ان باسل ضابط و مكانته كبيرة بالمجتمع ، بس كفة الواقع للأفضلية في الوقت الحالي بتميل ليحيى أكتر ، يحيى لو كان بيحبها فعلا ما كانش استنى الوقت ده كله، بالعكس ده كان المفروض يروح يصارحها بحبه اول ما تقبل في الكلية عشان يضمنها و يطمنها انه بيحبها مهما حصل
هي ما بقتش شايفة مبرر يخليها ترفض باسل، باسل شاب وسيم و ضابط و هيبة و ابن عمتها و بيحبها و من زمان و هو اول واحد صارحها بحبه؟ هترفض حبه ليه؟ خصوصا ان بحيى بقى حلم بعيد مستحيل يتحقق .
الفلاش باك خلص
كنت سرحان في الي عليا قالتهولي . معقول اخويا باسم يعمل كده؟ طيب ليه؟ انا ماقدرش الومه؟ انا كمان تاخرت قوي و ما خذتش خطوة من بدري ؛ يمكن لاني كنت خايف؟ ايوا كنت خايف لا عليا تفّضل باسل عليَ .. ما هو طول عمره سابقني و الكل شايفه احسن مني
عليا قطعت سرحاني وقالتلي: دلوقت عرفت ان ده مش قراري
حسيت بمرارة و قهر من الي سمعته. الكلام ده عدى اوانه خلاص. والحقيقة ماعادش ليها لازمة حتى لو عرفتها. الواقع بيقول اني هاتجوز بعد شهر ولا اتنين وعليا هي مرات اخويا من سبع سنين. يمكن غلطنا مع بعض وعملنا ذنب لا يغتفر بحقنا وبحق باسل وبحق أطياف.. بس دي مش هي نهاية العالم ؛ لازم الحياة تستمر بس بعيد عن الغلط و الخيانة. لازم نبعد عن بعضنا اكتر يمكن نقدر نداوي جروحنا و ننسى خيانتنا لباسل.. و لأطياف
كنت متنرفز قوي: انت عايزة مني ايه دلوقتي؟ ارجوكي سيبيني في حالي .. الي فيا مكفيني
عليا وقفت ولسه حاطه توبها على صدرها وقربت مني وقالت بصوت حزين
عليا: انا فاهمة صدمتك وعاذراك، انا ماشية يا يحيى بس خليك فاكر ؛ انت مش هتقدر تهرب من الي جواك ..
مهما حاولت !
كنت فاكر إني هقدر أكمّل كإنّ مفيش حاجة حصلت.
كنت بضحك في وش أطياف، وبكلمها عن تفاصيل الفرح، وبسمّي مع العيلة على اسم القاعة واسم الشبكة، وكل حاجة ماشية طبيعي... من برّه.
لكن جوايا؟
كان في صوت بيزنّ... صوت عليا وهي بتقوللي: "إنت كنت دايمًا ليا... حتى من قبل ما تعرفها هي."
وصوت تاني بيرد عليا: "لأ... دي غلطة، وكلنا بنغلط."
أطياف كانت بتحاول... بتحاول تخليني أرتاح، تخليني أصدق إننا هنبدأ من جديد. كانت بتضحك قدامي، وبعنيها في لمعة صدق، لمعة حب حقيقي...
لكنها ساعات كانت بتسكت وسط الكلام، وتركّز ف وشي، كإنها بتحاول تفهم حاجة كانت واضحة ف عنية ..بس مش متشافة
وساعات تلمّحلي وتسأل:
"يحيى... إنت معايا مبسوط بجد؟
قلتلها: اكيد مبسوط ...مش محتاجة تسألي
اطياف قالتلي بفضول عطشان بيدور على اجابة يروي بيها عطشه :" حاسة ان فيك حاجة مكتومة مش راضية تطلع ؟"
وأنا؟
كنت ببص بعيد، واقول:
" كله تمام... ما تقلقيش."
بس عينيّا مكنتش بتعرف تكذب زي بقيّة الجملة.
الموضوع بقى مرهق. مش بس عشان عليا، لأ، عشان إحساسي إني بخدع أطياف، اللي ما تستاهلش غير كل خير.
هي بتحبني... وبتحبني بجد. وأنا؟
كنت بحاول أحبها أكتر، أخلق ما بينّا ذكرى تطغى على كل اللي حصل...
كنت بتمسك بأي لحظة ضحك أو سعادة معاها، وأقول لنفسي: "أهو، شوفت؟ كل دا كان وهم، اللي حصل مع عليا لحظة ضعف وعدّت."
لكن الحقيقة؟
إن قلبي لسه مرعوش، ولسه خايف من أي نظرة، من أي سؤال، من أي لحظة نتفضح فيها قدّام روحنا.
جيت في مرة، وبصيت في مراية الشباك، شوفت وشي، وقلتله:
"انت ناوي تكمل كدة؟ تظلم واحدة بتحبك؟ ولا هتصارحها بعملتك السودة وتتحمّل اللي هيحصل؟"
ومعرفتش أرد.
ولا حتى المراية ردّت.
السكة اللي اخترتها، سكة السكوت، وكتم المشاعر، والمضي قُدُمًا نحو الزواج من أطياف، رغم الصراع اللي كان مستمر جوايا .
عدّى أسبوع، واتنين، وانا ماشي في ترتيبات الفرح كإني روبوت حافظ الخطوات.
أمهات بتتصل، صالونات بتتحدد، بدلة عريس، واختيارات كوشة… وكل لما حد يقولي:
"باين عليك متوتر يا دكتور!"
بضحك ضحكة باهتة وبقول:
"الفرح قرب، طبيعي يعني."
أطياف كانت بتحاول تمسك اللحظات، تخلق جو حلو، تبعتلي صور فساتين، تقولي:
"تحب ده ولا ده؟"
وأنا أرد:
"اللي يريحك انتي."
بس هي كانت ذكية… كانت حاسة إني مش معاها بجد.
وفي يوم، على الموبايل، سألتني فجأة من غير تمهيد:
"يحيى... إنت بتحبني؟ بجد؟"
سكت.
سكت لدرجة خلت قلبها يضرب.
لكن بعد ثواني، قلتلها بشكل صريح بس رقيق :
"أطياف، أنا اخترتك بقلبي ، وبعقلي. والحب أوقات بيجي مع الاختيار، مش قبله ."
سمعتها وهي بتبتسم ابتسامة صغيرة…
مش ابتسامة فرح، لكن ابتسامة واحدة بتحاول تصدق، وبتراهن على مشاعر هتتكوّن مع الوقت.
ويوم الفرح قرب ..
وعليا؟
هتكون هناك.. يمكن ؟
بس مكانها كان فاضي… فاضي جوه قلبي أكتر من القاعة نفسها.
الفرح
كان بسيط، زي ما إحنا اتفقنا.
قاعة صغيرة على النيل، فيها إضاءة صفرا دافية، وكراسي لامعة بتلمع من كتر الورد اللي حواليها.
أنا كنت واقف قدام الكوشة، ماسك الدبلة، وإيدي بتعرّق،
مش من التوتر… لأ،
من الإحساس إني داخل على حاجة معرفش هي فعلاً بداية، ولا محاولة للهرب من نهاية كنتش قادر أواجهها.
أطياف دخلت مع أبوها، لابسة فستان أبيض ناعم، بدون بهرجة.
شكلها كان بسيط… وراقي.
بس عينيها… كانت مليانة حلم.
حلم شفته من بعيد… وكنت خايف أقرّبه.
ولما وقفت جنبي، همستلي:
"حاسس بحاجة؟"
ابتسمت وقلت:
"حاسس إنك شايلة البهجة كلها ف وشك."
ضحكت، واتكسفت… زي ما بتعمل دايمًا لما تتوتر.
بس كنت حاسس إنها فرحانة… مش علشاني بس، لأ، فرحانة بالحلم اللي قرب.
وقفت وسط الناس، وإيدي في إيد أطياف، والكاميرا بتصورنا و احنا بنبدل دبل.
أطياف بتبصلي بعيون فيها أمل، وهي بتحاول تبتسم...
بس جواي؟
كنت بقول لنفسي:
"ما تبصش وراك... ما تفكرش... خليك هنا، في اللحظة."
الناس كانت بتتصوّر، والأغاني بترقص حوالينا،
وعليا؟
كانت قاعدة في آخر الصف، لابسة لبس محايد، شعرها ملموم، وعينيها باردة…
بس كل شوية تبصّلي، كإنها بتقيس المسافة بينّا،
المسافة اللي كانت يوم ما قريبة،
وبقت دلوقتي مستحيلة.
وعدّى اليوم.
والكل بارك، والكل مشي.
وفي آخر الليل، كنت لوحدي في القاعة ، قلّبت الدبلة في صباعي، وبصيت لها وقلت مع نفسي :
"ياريت القلب يبقى زيه... يلبس اللي إحنا نختاره."
خلص الفرح، ومشي الناس، وطلعنا على بيتنا .. الملحق اللي باسل بناه في الطابق التاني مخصوص ليا…
وقاللي بفخر:
"مش هتحتاج تدور على شقة، بيتك هنا معانا ."
دخلته أنا وأطياف، وإيدها في إيدي.
كانت بتبص حواليها زي طفلة داخلة بيت لعب جديد.
الصالة الصغيرة مفروشة نضيف، بألوان ترابية، فيها كنبة رمادية قصيرة، وشباك واسع بيطل على الشارع .
ريحت الخشب الجديد كانت لسه مالية الجو،
وأطياف قالتلي وهي بتلف حوالين نفسها:
"مش مصدقة… ده كله لينا؟"
رديت وأنا بحاول أفرح معاها:
"بتاعنا… هنبتدي هنا، صفحة جديدة."
أطياف فتحت باب أوضتنا، ودخلت قبلي،
وقعدت على طرف السرير، ووشها فيه ملامح تعب، وفرح، وخوف بسيط.
وقالتلي بصوت خافت:
"حاسة ان هطير من الفرحة؟"
قربت منها، وقلتلها وأنا ببص في عينيها:
" بحبك … كل يوم أكتر من اللي قبله."
حطّت راسها على كتفي، وسكتنا.
والمرة دي
مكنش فيه صوت جوايا غير صوت نفسها الهادئ…
ولا ده كان ظل عليا؟
ده كان مشهد جديد في حياتي … بداية جديدة…
وأنا؟
قررت أديله فرصة حقيقية.
كنت فاكر إن الجواز هيبقى بداية جديدة فعلا… ورقة بيضا.
بس الحقيقة؟
الورقة مكانتش بيضا أوي… كان فيها شخبطة قديمة، حاولت أمسحها، بس الظلّ لسه باين.
أطياف كانت بنت محترمة، حنونة، وصبورة بشكل غريب.
في أول أسبوع، كانت بتحاول تخلّي البيت يضحك.
تحط ورد في كل ركن، هي بتحب الورد برضو زي عليا، تقليلي بطاطس بنفسها مع إنها عمرها ما دخلت مطبخ،
وتضحك لما أقولها:
"انتي بتحاولي تكسبي معركتك بالبطاطس المحروقة؟"
فترد بضحكة:
"لو قلبك هيستسلم، يبقى مستاهل يتلسع شوية."
ضحكت انا… ضحكت فعلاً.
بس الضحكة كانت مجروحة.
وفي وسط ده كله… عليا بدأت تظهر تاني.
مش ظهور مباشر، بس بنظرات.
بنبرة صوتها لما كانت بتعدّي علينا زيارة سريعة مع باسل.
وبطريقة كلامها اللي بقت فيها نبرة… غريبة.
مرة، كنا قاعدين أنا وأطياف وعليا ع السفرة. باسل اتأخر في الشغل.
فقالتلي عليا وهي بتقطع السلطة:
"لسه بتحب السلطة دي من أيام الكلية؟"
بصّت لها أطياف، وسكتت.
وأنا بلعت ريقي وقلت:
"كل حاجة بتتغير يا عليا ما بتبقاش على حالها … حتى الأكل الي كنت بحبه ."
فردّت وهي بتبتسم ابتسامة مالهاش معنى:
"آه… وأحيانًا الناس كمان."
في اللحظة دي، أطياف بصّت لي، بس المرادي مش بنظرة حب… بنظرة سؤال.
سؤال ما اتقالش، بس أنا سمعته:
"فيه إيه بينكم؟"
وبليل، وهي بتلمع الكوبايات ف المطبخ، سألتني:
"عليا… مالها .. ؟"
قلت من غير ما أبص لها:
"هي كده من واحنا صغيرين بتحب تعمل جو و تهزر… بس ده كان زمان. خلاص، دلوقتي مفيش حاجة فضلت من زمان ؟."
قالتلي وهي بتقفل النور وبتخرج:
"بس اللي كان زمان… ساعات بيعيش في الآن يا دكتور."
سكت.
مكنش عندي رد.
كل يوم كان بيعدي، كنت بحاول أحب أطياف.
أقنع نفسي إنها تستاهل، وإن اللي بيني وبين عليا كان وهم لحظي.
بس عليا… كانت بتلعب بالنار.
نظراتها، كلامها، تلميحاتها…
كانت بتغير.
ويمكن مش حب… بس غيرة إني مشيت، و لقيت حدّ غيرها.
والأصعب؟
إني كل ما أحاول أكون زوج كويس… ألاقي في بالي صورة تانية، صوت تاني…
ذكرى متعِبة، بتجرّني لورا وأنا بحاول أبص قدّامي.
في صراع عليا، اللي بدأت نيران الغيرة والندم تاكلها بصمت، وتُطلّ من ملامحها… من حركاتها، من تلميحاتها، من تصرفاتها الصغيرة لكنها تقيلة.
و انا الي كنت بلاحظ… وبتهرب،
وأطياف، اللي رغم كل ده… لسه بتحبني ، ولسه شايفة إن اللي بينها وبيني "أقوى من الشك".
مكنتش متخيّل إن عليا هتفضل موجودة بالشكل ده…
مش في حياتي، لكن حوالين حياتي.
كانت بتعدّي علينا بحجة أو من غير،
تيجي مع باسل، أو تيجي لوحدها تقول "كنت فاضية، قولت أشرب قهوة مع أطياف."
بس الحقيقة؟
كل مرة كانت تيجي، كانت بتبصلي بنفس الطريقة…
نظرة فيها سؤال، وعتاب، ولسعة خفيفة كده كإنها بتقولي:
"فاكر؟ مش ناسي؟ مش كنت هنا؟ هنا انت حضنتني و بستني .. هنا حصل بينا كل حاجة؟ "
وفي مرة، كنا قاعدين في البلكونة، أنا وأطياف وهي،
بنتفرج على الغروب، وبنضحك على حاجة قالتها أطياف…
عليا قاطعتنا وقالت بنبرة رخيمة:
"يحيى عمره ما كان بيحب الغروب… دايمًا بيحب الشتا… والليل."
وبصّتلي بابتسامة مش بريئة.
أطياف سكتت لحظة،
وبعدين ضحكت وقالت:
" بس الشتا بيخلي الناس حنينة.. زي يحيى"
بس أنا؟
كنت حاسس إن كل كلمة من عليا فيها لسعة نار.
هي مش بتتكلم صدفة… دي بتغرس ذكرة… بتفكرني… بتوجعني.
مرة تانية، أطياف كانت بتوريلها ألبوم الفرح،
فقالت عليا وهي بتقلب الصور وتوجهلي الكلام :
"شكلك كنت متوتر قوي… يمكن عشان الكاميرا؟ ولا كان فيه حاجة تانية؟"
أطياف ضحكت ضحكة صغيرة وقالت:
"ده كان مرعوب من الفرحة."
لكن عينيها كانت بتبصلي… بدقة.
زي ما تكون بتحاول تقرأ رد فعلي،
ويمكن… تقارن بين كلام عليا وتصرفاتي.
بس لسه أطياف… كانت واثقة فيَّ ، رغم كل الإشارات، كل اللمحات،
كانت شايفة إني بتاعها…
أو على الأقل، بتصدق إني بحاول أكون بتاعها.
كنت ساعات أبص لأطياف وهي نايمة جنبي،
وشعرها واقع على خدها،
وقول لنفسي:
"هي تستاهل الحقيقة… تستاهل قلب نضيف."
بس كنت خايف… خايف أفتح أي باب ويدخل منه الماضي يعكنن علينا كل حاجة.. يعكنن دي أقل حاجة ممكن تحصل .. الماضي لو دخل حياتي انا و أطياف هيدمرها بالكامل
أما عليا
فكانت بتتلذذ بكل لحظة تشوش فيها الصورة،
بس مكانتش سعيدة… كانت بتتألم أكتر ما بتنتقم.
وكأنها بتقول:
"أنا اللي سبت… وأنا اللي ندمت… بس مش قادره أشوفه سعيد بعيد عني.. و مع غيري .. معاها ؟ "
هي مش عايزة ترجع…لحياتها
ولا عايزة تسيبني أعيش بسلام.
كنت خايف ان حياتي هتستمر كده ..
بس الي هايحصل بعد كام من يوم من جوازي .. عبارة عن هزّة عنيفة بتحصل فجأة ، فيها كل التوتر، والانهيار، والدموع اللي بتخبط في القلب وبتخلي كل شيء يتغيّر.
كنت قاعد في عيادة المستشفى و الساعة كانت قربت ١٢ الظهر،
والجو برّة حر وساكن…
وفجأة، باب العيادة اتفتح بعنف،
ولقيت زميل من زمايلي في المستشفى واقف بيبصلي،
ووشه مش وش عادي.
عينه مزغللة، وصوته بيترعش.
قاللي:"يحيى… انت لازم تروح البيت دلوقتي… حالًا."
قومت، قلبي دق…
قلتله:
"حصل حاجة؟ بابا كويس؟ أطياف؟"
قال وهو بيبص في الأرض:
"باسل… فيه خبر وصل يخصه…"
قلبي وقع.
وقع فعلاً.
روحت جري، معرفش أنا كنت سايق إزاي، ولا وصلت إزاي،
بس وأنا داخل الشارع،
لقيت عربيات عسكرية واقفة جنب البيت، ورجالة ببدل،
وصوت بكا مكتوم طالع من فوق.
طلعت أجري، دخلت البيت،
لقيت عليا قاعدة على الأرض، شعرها مفكوك، وبتصرخ.
أطياف كانت ماسكة راسها، بتحاول تهديها،
بس وشها باين عليه إنها منهارة من جوّا.
لقيت ضابط واقف اسمه عمرو، شايل برنيطة باسل…
ولما شافني، قال بصوت ثابت بارد:
"الرائد باسل حسن عبد الرحمن … استُشهد أثناء تأدية الواجب، في مواجهة مع عناصر مسلحة على الحدود."
باسل، الضابط، أخويا الأكبر، السند… يُستشهد أثناء الواجب؟.
كل حاجة وقفت.
البيت سكت.
وأنا حسيت إني وقعت في حفرة سودة،
صوتي مش طالع،
نفَسي تقطع.
قلتله:
"باسل؟
يعني… مات؟
يعني مش راجع؟
يعني مش هشوفه تاني؟"
ووقع مني كل اللي في إيدي.
دخلت الأوضة… لقيت أبويا راقد على سريره ، ساكن… ووشه أبيض،
صوته طالع كأن في حاجة بتخرج من صدره بالعافية.
قال وهو بيبص للسقف:
"ابني…
ابني اللي كنت دايمًا خايف عليه من الحرب…
راح؟"
وبعدها، سكت.
وشه بدأ يتغير،
أيده نزلت على جنبه،
وعينيه اتجمدت.
صرخت:
"باباااااا!"
جريت عليه،
بس ماكنش بيتنفس.
كان مات…
مات من القهر… من الصدمة…
من الوجع اللي مفيهوش حتى وقت للبكاء.
وفي لحظة…
لقيت نفسي يتيم… من تاني
وأخويا اللي كنت بحس إنه جبل… تهد !
بقى شهيد.؟
الصوت حوالينا كان بكا ونحيب.
وعليا؟
كانت بتكسر حاجات،
وبتصرخ:
"سيبتوني ليه؟
ليه كل حاجة بتتسحب مني؟"
وأطياف…
كانت ساكتة.
بس ماسكة إيدي بإيدها …
وبتقوللي بهمس:" **** يرحمه ده في الجنة.. شهيد يا يحيى.. مكانه عند **** كبير اوي ."
هنا .. عزيزي القارئ مش حابب اني افصلك بجو الحزن و الصدمة الي كلنا عارفينه و يمكن حتى متعودين عليه .. عشان كده انا هعدي ايام العزا و الحزن والصدمة ..
و هنكمّل قصتي الشخصية بعد مرور فترة قصيرة على الصدمة،
الحياة في البيت بقى فيها تقبُّل ظاهري للأمر الواقع، لكن المشاعر من جوّه لسه بتغلي.
باسل مات.
والناس اتكلمت، وعيطت، وسكتت.
وكل واحد رجع لحياته...
إلا عليا.
معاناتها بقت مزدوجة: فقدت جوزها، وسندها،
لكن الأوجع… إنها فقدت آخر أمل كان جواها ناحيتي.
انا بقيت متجوّز، مستقر،
والباب اتقفل خلاص.
عدّى شهر.
الحزن هدأ، أو بمعنى أدق… كتم نفسه.
البيت اتغيّر،
الصوت العالي اختفى،
وحتى ريحة باسل…
ما بقتش في هدومه.
أنا بقيت بحاول أعيش…
بروح الشغل، وبرجع،
وأطياف بتحاول تملالي الفراغ،
بس الفراغ اللي سابه باسل كان أوسع من أي كلام.
إنما عليا
كان في حاجة تانية بتحصل جواها.
كانت مش بس حزينة،
كانت… مطفية.
بتقوم من النوم بعافية،
وتلبس هدوم سودا،
وتقعد في الصالة تبص في الأرض بالساعات.
وأكتر حاجة كانت بتوجعني…
نظرتها ليا.
مش نظرة لوم،
ولا حتى نظرة حب.
نظرة وجع نضيف…
كأنها بتقوللي:
"حتى وانت موجود… مش ليا."
كنت ساعات أبص لها، ألاقي عنيها بتتسحّب عليّا،
وبعدين تداري نفسها، وتقوم تدخل أوضة باسل وتقفل الباب.
أطياف لاحظت ده.
بس عمرها ما قالتلي حاجة صراحة.
مرة واحدة بس، وهي بتغسل الأطباق، قالتلي بهدوء:
"عليا محتاجة حد يسندها…
بس مش لازم يكون السند أخو جوزها ."
كنت عارف هي بتقصد إيه
ومكنش عندي رد.
كل مرة كنت أعدي قدام أوضة باسل،
وأسمعها بتعيط لوحدها،
أحس إني متقطع.
مش عشانها،
لكن عشان أنا كمان فقدت أخويا…و ابويا ... وفقدت معاها حاجة تانية…
شيء كان ممكن يكون…
لكن **** ما كتبش.
وبين كل ده، أطياف كانت بتحاول.
تحضنني من غير كلام،
وتقولي:
"أنا عارفة إنك مش تمام… بس أنا مش هسيبك."
بس عليا؟
فضلت كل يوم أضعف،
كل يوم أكتر وجع،
مش بس على باسل…
لكن على الفرصة اللي راحت…
ومافيش رجوع.
انا ابتديت القصة دي و انا بحكي حكايتي و كل الي عشته فيها انا شخصيا.
بس في قصة جانبية عرفتها بعدين ... دي قصة اخويا باسل ..الي انا ماكنتش اعرفها .. الا متأخر
القصة دي عرفتها من زميلة الضابط عمرو الي زارني بعد شهر من استشهاد باسل .. و موت ابويا ..
كان جاه مخصوص عشان يعزي لانه كان في الواجب لما سلمنا جثمان باسل.
و بعد ما اخذ واجب العزا .. الضابط عمرو قالي: " في حكاية حكاهالي المرحوم .. و كان لازم اقولهالك .. لانه الحكاية دي بقت تقيلة علي و مش قادر اكتمها في قلبي اكتر . و كن في ليدي دفتر مذكرات صغير .. كان بتاع باسل ؟ ."
احداث قصة باسل الي عرفتها من مذكراته هتكون على لسانه هو
حكاية باسل
انا باسل ؛ الي بحكيه ده مايعرفوش اخويا يحيى عني !
بالرغم من إنّي في الوقت الحاضر بقيت ضابط كبير، و شايل نجوم على كتفي، وواقف قدّام الناس كإني جبل…
بس فيه حتة جوايا من زمان…
ما بتكبرش.
كنت لسه ***، يمكن عندي ثلاث سنين، لما قالولي:
"مبروك، جالك أخ صغير."
بس ما حدّش قال لي إن أمي مش راجعة.
مع اني كنت صغير قوي بس الي حصل ده مستحيل يتنسى. انا فاكر كل حاجة لسه زي ما هي بالضبط ..
كنت واقف في أوضة المستشفى، شايف أبويه قاعد على كرسي و منهار، وعينيه محمرة، وأهلي حواليه بيحاولوا يواسوه…
وأنا
واقف ساكت، ماسك في طرف جاكتتي، مش فاهم، بس حاسس… حاسس إن فيه حاجة اتكسرت جوايا.
ومن يومها، بقت كلمة "أخويا" مرتبطة بكلمة "فقد".
كل ما أشوف يحيى من هو وفي اللفة، بحس إني فاكره هو السبب…
عارف، تفكير عيال.
بس أنا ما كنتش عارف ألوم مين لأنها راحت مني و سابتني، وما لقتش غيره.. عشان ألومه
هو جه، وهي راحت.
عدّت السنين، وكبرت، ودخلت الجيش، وبقيت راجل في نظر الناس…
بس كل مرة أبص في عيون يحيى، أفتكر اللي خِسرته.
أنا بحبه، و**** بحبه.
ابن أبويا، وابن أمي ، دمي، لحمي…
بس جوايا دايمًا فيه غصة…
كأنّي شايل عليه ذنب مش ذنبه.
وكل مرة أشوفه بيضحك، أو بيكلم بابا، أو بيطلب مني حاجة…
جزء مني بيتحرك ناحيته… وبيوجعني.
مش عشان هو عمل حاجة غلط…
بس عشان أنا اللي عمري ما اتعالجت.. من الوجع ده
عارف إن ده مش عدل…
بس المشاعر الي جوايا دي شكلها ما بتعرفش العدل.
أنا كنت لسه محتاج أمي، وهو خدها. لسه كنت صغير و محتاج اتربى في حضنها سنين طويلة .. لسه عودي رفيع ما يستحملش فقدها
هو ما طلبش كده، ما طلبش ييجي للدنيا.. بس جيه.
وياما نمت بالليل وسألت نفسي:
"يا ترى لو أمي كانت عايشة… كنت هبقى نفس الشخص؟
كنت هحب يحيى أكتر؟
ولا كان قلبي هايفضل مشغول بالحزن زي دلوقتي؟"
واللي الناس شايفاه قوة، هو في الحقيقة غطا…غطا على وجع قديم،على غيرة من *** جه خد حضن ما نلتوش،
وخد أمّ، وأنا ما بقيتش ألاقي غير صورها.
بس مهما كان…
أنا هفضل أحب يحيى.
حتى لو جوّا قلبي فيه ندبة جرح باسمه
ويمكن…
يمكن لما يعرف الحقيقة في يوم، ها يسامحني على اللي ما اتقالش ده
عمري ما كنت أتصوّر إنّي هقف في نص الليل وسط الصحراء، ماسك بندقيتي وقلبي تقيل كده. البرد بينخر في عظامي، ورغم كده، العرق بيبل هدومي من تحت الدرع الحديدي.
كنا بنعمل وردية حراسة في الوحدة، وكان معايا عمرو… شاب طيب من المنصورة، أحنّ واحد فينا. بقاله أسبوعين ساكت، بيضحك بالعافية، زيّي بالظبط.
بعد ما خلصنا الوردية، قعدنا على حجر كبير بعيد شوية عن العنابر، من غير ما حد ياخد باله مننا.
سألني فجأة:"انت مبسوط؟"
بصيت له، وضحكت ضحكة بايخة،
"يعني… الحمد لله. وإنت؟"
ردّ هو بصوت واطي:
"حاسس إنّي عايش غصب عني… حتى وانا بضحك. مش حاسس إني في مكاني."
كلمته دي نغزتني في حتة أنا بخاف ألمسها.
بصيت قدامي، والنجوم كانت ساكنة فوق دماغنا.
"أنا كمان، يا عمرو.
أنا طول عمري فاكر إنّي لازم أكون القوي، الكبير، السند… بس الحقيقة؟
أنا تعبت."
اتخضّ شوية من كلامي، يمكن لأنه مش متعود يسمعني بتكلم كده.
"تعبت؟"
هزّيت راسي وأنا مبحلق في التراب تحت رجلي:
"تعبت من كتر ما بكتم جوايا.
كل مرة أتكسر، أرجّع نفسي بإيدي…
بس مفيش حد بيرجّعني أنا."
كنت متخيل إنّي لما أبعد عن البيت والدوشة والمشاكل، هرتاح.
بس الحقيقة
أنا شايل نفسي معايا في كل مكان.
شايل الوحدة، والغيظ، والندم…
حتى ضحكة أخويا يحيى، بقت توجعني…
عشان نسيت أنا إمتى آخر مرة ضحكت من قلبي.
عمرو سكت شوية، وبعدين قال لي: "بس إنت شكلك قوي."
ابتسمت وأنا مغمّض عيني:
"الشكل خدّاع يا صاحبي…
القوة اللي باينة، ساعات تبقى مجرد قناع.
أنا مش قوي…
أنا متعوّد أتوجّع لوحدي.
وبصراحة؟
أنا تعبت من الوحدة دي.
بس مش عارف أمدّ إيدي…
مش عارف أطلب حضن، ولا حتى كلمة.
يمكن عشان دايمًا كنت أنا اللي بيتطلب منه…
وأول ما احتجت، لقيت نفسي فاضي.
وآه، الحقيقة أنا مش مبسوط.
بس لسه مكمل…
يمكن عشان ما عنديش رفاهية إني أتهد. يمكن عشان انا ضابط في الجيش... الكلمة شكلها تقيل، كأنها درع بيلمع قدام الناس، بس جوايا… حاجة تانية خالص.
عمرو كان نفسه يعرف ليه انا قد كده كنت حزين و موجوع . هو سألني في لحظة كنت قريب قوي من الانفجار .. يا اتكلم دلوقتي عشان افضفض عن نفسي يا اطق و يحصل في دماغي حاجة ..
قلت لعمرو: تعرف انك ابن حلال يا عمرو .. انا قررت ان افتحلك قلبي و صندوق اسراري
عمرو و هو متاثر: ده شرف كبير ليا يا باشا .. انا هكون عند حسن ظنك ..
قلتله وانا بشد نفس سيجارة عميق جوا صدري ..
"أنا مش دايمًا كنت كده... حزين و موجوع"
"الناس شايفاني جامد، متماسك، ضابط مبيتهزش، بس الحكاية من جوا مختلفة خالص. يمكن محدش يعرف، حتى يحيى نفسه، أنا بخاف. آه، بخاف..مش زي ما الناس فاكراني بعيد عن حاجة اسمها خوف.. انا بخاف زي اي *** صغير"
"لما أمّي ماتت، كنت لسه صغير، بس فاكر كل حاجة كأنها امبارح. كل حاجة في البيت اتغيرت من وقتها... واللي وجعني أكتر إنها ماتت بعد ما جابت يحيى.
كنت شايفه هو السبب... مش بذنب منه، بس كأن **** أخدهالي علشانه.
ومن ساعتها، وأنا حاسس إن فيه حاجة ناقصة... عمرها ما هتكمل"
"بس عليا ظهرت في وقتها... حسيت زي ما **** ادالي العوض بيها .. مع اننا كنا صغيرين بس لما شفتها حسيتها ملاك لجناحين لما ترفرهم بتداوي جروحي و تخفف وجعي"
أول مرة شفتها، حسيت إن الدنيا وقفت. هي كانت مختلفة.
وجودي معاها و احنا نلعب كان بيديلي امان وفرحة و احساس بالحرية ..
حد كنت ممكن أعيش عشانه من غير ما أحس إني لوحدي.
كنت بتعلّق بيها كل يوم أكتر، وبخاف كل لحظة إنها تبعد.
بس في وقت ما، حسّيت إن فيه حاجة بتهدد قربها مني ...
نظراتها أحيانًا ليحيى... كلامها وهي بتسأل عنه... ضحكتها لما ييجي.
أنا أخو يحيى، وأعرفه كويس...
شخصيته فيها حاجة تخلي الناس تحبه، حتى من غير ما يقصد.
ويمكن هي، من غير ما تاخد بالها، كانت بتقارن.
مكنتش مستعد أعيش الخسارة دي تاني.
مش بعد ما لقيت حد، أرجع أخسره بسبب يحيى...
مش بعد ما ضاعت أمي، ألاقي نفسي باتفرج على حبيبتي وهي بتميل ناحيته.
ساعتها... كدبت.
قلت لها إن يحيى بيحب واحدة تانية في الكلية.
كنت عايز أطمنها، أو أطمن نفسي بالأصح.
أقطع الطريق قدام أي احتمال.
كنت شايف الكذبة دي كأنها درع...
درع أحمي بيه نفسي من الخوف اللي بيصحى معايا كل يوم.
بس أنا غلطان...
لإني ما حسبتش إن الدرع ده ممكن يجرح اللي بحبها...
ويشوّه أخويا قدامها، من غير ما يستحق.
أنا... مش ندمان على حبي لعليا.
بس ندمان إني خُفت أكتر ما وثقت.
ندمان إني ظلمت يحيى، واللي المفروض يكون هو الأمان... مش الخطر.
بس يمكن... يمكن الخوف لما يبقى كبير، بيخليك تعمل حاجات عمرك ما كنت تتصور تعملها.
كنت فـ تانية ثانوي تقريبًا، ساعتها... ولسه الحاجات مش واضحة أوي في دماغي.
بس اللي كنت حاسه كان واضح جدًا جوا قلبي.. هو
عليا...
بنت خالي، بس بالنسبالي هي أكتر من كده.
كنت ببص لها كأنها حلم... حلم مش قادر ألمسه، بس مش قادر أبطل أفكر فيه.
هي كانت أصغر مني بسنتين تقريبا، كانت دايمًا مميزة... ضحكتها، طريقتها في الكلام، حتى وهي بتتخانق معايا، كنت بحس إني عايز أضحك.
أنا ماقلتلهاش طبعًا.
ماقدرتش.
مكنتش حتى عارف ده حب ولا إيه، بس كنت عارف إني مش عايز حد يقرب منها.
وخصوصًا... يحيى.
آه، يحيى كان لسه صغير، تلات سنين أصغر مني، بس من وهو ***... عنده حاجة مميزة او يمكن انا لس الي شايف كده
الناس بتحبه بسرعة، بيتكلم من قلبه، وعليا كانت بتحبه أوي.
كانت بتدافع عنه، تضحك على كلامه، تحكي له أسرارها.
وأنا
أنا كنت بتفرج.. بس
كنت بشوفهم مع بعض، وساعات أحس نار بتاكلني.
إزاي؟
إزاي يبقى هو كده؟
حتى في وجودي... الناس تتشد له.
كنت خايف.
مش بس إني أخسر عليا...
كنت خايف إن التاريخ يعيد نفسه.
أنا خسرت أمي، وكل اللي كنت بحبه... بسبب وجود يحيى.
والخوف ده فضِل جوايا...
كبر معايا، وبيخلي أي لحظة بينه وبين حد أنا بحبه تبقى خطر.
أنا لما كنت صغير، كنت عيل غبي...
بس كنت باخد بالي.
وكل مرة تضحك فيها عليا ليحيى، كنت برجع أوضتي وأقفل الباب وأتخانق مع المراية.
"هي ليه مبتضحكليش كده؟
ليه هو؟
ليه دايمًا هو؟"
مكنتش بكرهه...
بس كنت بتمنى إنه يختفي من الصورة.
حتى لو ليوم واحد، أعرف فيه أنا لوحدي أقدر أخلي عليا تبص لي زي ما بتبص له.
وأكتر حاجة كانت بتكسرني...
إني عارف إن يحيى بريء.
هو ماكانش بيحاول يخطف حاجة مني...
بس وجوده لوحده، كان بيخلي الحاجات الحلوة تبعد عني.
فاكر اليوم ده كأنه امبارح...
كنّا في مصيف عند جدي في بلطيم، إحنا، وعليا، وأهلها.
الدنيا كانت صيف، والشمس حارقة، والضحك مالي الجو.
وأنا قاعد على الرمل، ساكت. باصص من بعيد.
عليا كانت لابسة فستان أبيض خفيف، شعرها مربوط ديل حصان وبتجري ناحية البحر وهي بتنادي يحيى:
"يحيى! تعالى، الميّه تحفّة!"
وهو؟
جري وراها زي عيل صغير... وهو فعلًا كان صغير وقتها، بس أنا... كنت شايف حاجة تانية.
شافته بيغرق شوية، فقامت نطت ناحيته، وهي بتضحك:
"هغرقك يا جبان!"
وهو بيزعق وهو بيضحك:
"بلاش! عليااا، بلاش!"
كنت بتفرج عليهم كإني مش موجود.
زي مشهد في فيلم، وأنا المُشاهد، مش البطل.
رجعوا من البحر وهما بيهزروا، شعرها مبلول، وصوت ضحكتها عالي، وهو بيهز بشعرها و هم في الرمل وبيقول:
"أنا كسبت! أنا اللي خضّيتك!"
وهي بترد:
"ياض يا كدّاب، أنت اللي خفت!"
فضلوا يضحكوا...
وأنا حسّيت قلبي بيتكسّر.
قمت، دخلت الشاليه، وقعدت لوحدي في أوضتي.
ماقدرتش أكمل.
بعدها بكام يوم، حصل اللي ماكنتش عايز يحصل.
سمعتها بتقول لمامتها وهما في البلكونة:
"يحيى قلبه أبيض أوي... بحس معاه بأمان اكتر من أي حد تاني."
الكلمة دي... "أمان"
قتلتني.
أنا اللي طول عمري بشيل الهم... أنا اللي دخلت ثانوي و تركيزي راح مني في اخر سنة بسببها ، هم افتكروني عييت و العيا أثر علي .. هو كان عيا بصحيح .. بس اسمه الحب
وقتها...
كان باين إن في حاجة جوايا.. ناحية عليا
كل اللي جوايا كان باين.. و اظن انها واخدة بالها بس مكانتش مهتمة في قد اهتمامها بيحيى
و عرفت من اللحظة دي...
إن خوفي من يحيى، مش بس لأنه أخويا،
لكن لأنه بيمثل كل حاجة أنا خايف أخسرها.
وإن وجوده حوالين عليا، بيخليني أحس إني صغير...
حتى وأنا الكبير.
بعد ما خربت الدنيا و طلعت مجموع ضعيف .. قررت اني ادخل الكلية الحربية ، وهو دخل طب بعدين ..
أنا اخترت الطريق اللي كله جد، التزام، قوانين.
وهو؟ دخل طريق كله تقدير، احترام، والناس بتبصله كأنه منقذ.
كنت فاكر إن البُعد، والسنين، هيطفّوا اللي كنت حاسه...
بس لا.
كبرت، وجسمي بقى أقوى، ملامحي بقت حادة، لبسي اتغيّر.وعدّت سنين، وبنيت نفسي، و دخلت الجيش، ومسكت سلاح بدل ما أحضن حد
بس جوايا؟
لسه الواد الصغير اللي خايف حد ياخد منه الحاجة اللي بيحبها.
عليا كبرت وبقت ست بجد.
مش بس شكلها، حتى كلامها، نظرتها، حضورها.
وبدأت تحكيلي... تحكيلي عن ناس بيتقدّموا لها، وناس مش عجبينها،
وأوقات تحكيلي عن يحيى.
مش كتير، بس كفاية إني أحس إن اسمه عايش في دماغها.
وكانت بتقولي الكلام قدامي.
تبص في عيني وتقولي:
"فاكر لما يحيى جاب درجاته كلها امتياز؟ ده الواد ده دماغه مش طبيعية."
وأنا أضحك من برا،
وأجري أدفن الغيرة جوا قلبي من جوه.
ساعتها حسّيت الخطر رجع...
رجع أكبر، وأوضح، وأقرب من أي وقت فات.
يحيى مش ***، يحيى بقى راجل... وبيشوف.
ولو شاف عليا، بالطريقة اللي أنا شايفها بيها...
هيشوف نفس الحلاوة، نفس النُضج، نفس الروح.
وفي مرة... كنت أنا وهي قاعدين في بيت خالي و انا بزورهم
وقالتلي كده فجأة، كأنها بتختبر رد فعلي:
"عارف؟ بحس يحيى اتغيّر. بقى أهدى، وبقى في حاجة جواه بتشدّك ليه... مش عارفه أوصفها."
سكتّ.
بس دماغي كانت بتغلي.
بتغلي.
كانت لحظة حاسمة...
حسّيت إني لو سكت أكتر، ممكن يحصل اللي عمري ما قدرت أتخيله.
فقلت الكذبة.
طلعت من لساني بسلاسة مخيفة، كأني كنت مِحضّرها طول عمري.
"هو؟ آه... هو بيحب واحدة في الكلية. من بدري كمان.
بس مش بيقول اسمها. هو كده دايمًا، بيكتم، بس أنا عارف."
هي بَصّتلي، وفي عنيها لمعة غريبة...
صدّقت.
وبس.
حسّيت إني كسبت جولة.
بس وأنا راجع بالعربية بعدها، قلبي كان بيتخانق مع ضميري.
كنت فرحان... وخايف.
كنت مطمئن... ومكسوف من نفسي.
بس قلت لنفسي:
"أنا مش هخسر تاني.
خسرت أمي.
مش هخسر عليا كمان.
مش بسبب يحيى.
مش للمرة التانية."
الجزء العاشر
انا آسف عسان تأخرت شوية عليكم
الجزء ده فيه مشهد جنسي خفيف *
دلوقتي بس عرفت السبب الي فرقني عن عليا .. الي كانت هي الحب الاول بالنسبالي ... ماعرفش اقول لروح باسل ايه .. هو كمان تعذب زيي .. مكنتس متصور ان مجيي للدنيا هيعمل كده فيه ، عقدة تخلقت فيه بسببي من غير ما يحس ، خلته يحس بضعف و خوف من الفقد، فقد امه او اي حاجة بيحبها ..
الحقيقة ظهرت متأخر اوي ومش هتنفعنا بأي حاجة دلوقتي حتى بعد ما عرفناها ... مستحيل اكره اخويا باسم في يوم على الي عمله... اصله كان مجروح زيي بالضبط ، و كان هو بيبصلي زي ما كنت ببصله بالضبط ..
كل واحد فينا مجروح و موجوع و فاكر ان التاني احسن منه او هو السببب في جرحه ووجعه..مع اننا احنا الاتنين كنا بنفس مركب الوجع ..
خلاص .. باسل راح و خذ معاه ابويا .. ابويا الراجل العيان الي كنا متوقعين موته في اي وقت .. كنت بشوفهم في احلامي مجتمعين مع امي في مكان احسن ..
الحياة لازم تستمر .. لازم نبص فيها لقدام ولازم نعيشها بحلوها و مرها لحظة بلحظة .. لا الندم هيفيد ولا النظر للماضي هيرجع الي راح ..
في بيت العيلة
بعد مرور اكتر من شهر على استشهاد باسل
البيت كان هادي بشكل يخوف، كأن كل صوت فيه بقى يهمس بدل ما يتكلم. الصورة الكبيرة اللي على الحيطة لباسل، ببدلته العسكرية، كانت بتبُص على الكل كأنها بتراقبهم من بعيد.
النهاردة كنت اجازة و قاعد في الصالة، ساند ضهري على الكنبة، و لسه حاسس بحزن وتعب. أطياف كانت قاعدة جنبي ، ساكته من ساعة ما دخلنا الصالة، بتبص في عنيا كل شويا كانها بتحاول تفهم إيه اللي جوا دماغي في اللحظة دي
دخلت عليا من أوضة باسل، لابسة إسود من رأسها لرجلها، عينيها منفخة من كتر البكا، بس وشها ثابت، كأنها مش عايزة تبين ضعفها. قعدت على طرف الكنبة التانية، ومن غير ما تبص لحد، قالت بصوت واطي
عليا: انا حاسة ان وجودي بقى تقيل عليكم ... أنا .. أناممكن أمشي ؟
بصّيت لها بسرعة، كلامها نغزني في قلبي
قلتلها: تمشي تروحي فين يا عليا؟ إنتِ مش ضيفة هنا... ده بيتك.
عليا (بهدوء): أنا ماليش حد تاني بعد ما ابويا مات من خمس سنين... ولا بيت غير ده... بس ماحبش أكون عبء على حد
أطياف جنبي خدت نفس طويل، وبصّتلي، كأنها بتستأذن مني عشان ترد.
أطياف:عبء إيه يا بنتي؟ إحنا إخوات، والبيت ده بيتك و هايفضل مفتوحلك دايمًا
بعد اطياف قلت لعليا بصوت ثابت، بس مليان وجع
أنا : أنا واعدت نفسي... ووعدت باسل من قبل ما يروح... إن عليا تفضل وسطنا، ومحدش يلمسها بكلمة، ولا يحسسها إنها لوحدها.
عليا بدأت تبصلي لأول مرة من يومين، عنيها دمعت من غير ما تنزل دمعة.
عليا:بس أطياف... يمكن مش هترتاحش لوجودي...؟
أطياف (بسرعة): بصيلي يا عليا... أنا ممكن ساعات أزعل، ممكن أتعب، بس عمري ما أقسى. أنا ست، وفاهمة يعني إيه واحدة تكون لوحدها في الدنيا. إنتِ ها تبقي أختي، اختي يا عليا وإحنا هنعدّي المرحلة دي سوا."
الصمت نزل تاني على المكان الي كنا متجمعين فيه... بس المرة دي ماكانش تقيل، كان فيه نفس صغير من الراحة.
مدّيت إيدي وحطتها على إيد عليا.. بطمنها : اللي باسل ريحته فيه ، إحنا كمان هنحافظ عليه... و انتي مش بس مراته ، انت بنت خالي يا عليا ؛ يعني أختي، وكلنا هنا لبعض.
عليا بضعف و صوت ناعم: **** يخليكم لي ولا يحرمنيش منكم ..
بعد الموقف ده .. الكل كان يحاول يرجع لحياته مع انها تغيرت .. و كنت فاكر ان الي حصل لعليا هايخليها تنسى الي فات و تسامح نفسها عليه زي ما انا دايما بحاول ..و تبص لقدام عشان تكمل حياتها
ولكن ..
و يا خوفي من اللكن يا عزيزي القاريء الي لسه مستحملني و مكمل معايا ..
رجعت بدري النهاردة من المستشفى، كان فيه تغييرات في الجدول وخلّوني أخلّص ورديتي قبل المعاد. دخلت البيت وأنا حاسس بإرهاق خفيف، بس كمان كنت مبسوط إن ليا ساعتين كده قبل ما أطياف ترجع من شغلها.
وأنا داخل أوضتي سمعت صوت خفيف جاي من الصالة، صوت عالي شوية، كأن حد بيتكلم مع نفسه.. قربت على أطراف صوابعي، وقلبي بيدق بسرعة من غير سبب واضح...
كانت عليا واقفة عند الشباك، باين عليها كانت بتبص للفراغ، مش واخدة بالها إني دخلت.. بس اول ما دخلت انتبهت لوجودي على طول
قالت وهي متنهّدة: يحيى؟
كانت حاطة شوية ميك اب ، و لابسة روب حرير خفيف، شعرها سايب، وعينيها بتلمع في الظلمة وابتدت تمشي بخطوات ثابته ناحيتي و تقرب مني
اتجمدت مكاني. حسّيت بحاجة غريبة في تصرفاتها .. وقفت في مكاني و قلت بهدوء: هو انت كنتي بتكلمي حد؟
هي ارتبكت، وضحكت ضحكة مجروحة: لا... لا يا يحيى، بس كنت بفكّر بصوت عالي... وانا بفكر فيك كتير.
قلتلها و انا بحاول اصلحلها الي قالتله: قصدك كنتي بتفكّري في باسل؟
سكتت شوية، وبعدين قالت وهي لسه تقرب مني: عمرك ما فارقتني ولا فارقت تفكيري حتى لما كان هو معايا كنت انت برضو حاضر... بس أوقات، بحسّ إن اللي راح مش هو بس... انت كمان رحت مني .. مابقتش طايلاك حتى من بعد ما بقيت أنا متاحة ..
بعدت عنها وقلتلها بحذر: قصدِك إيه؟
بصّت لي، عينيها كانت فيها نظرة غريبة، مش دموع، بس كأنها خنقة جواها.
وقالت: في حاجات ساعات بنخبيها جوا قلبنا... مش علشان نخون، ولا علشان نغدر، بس علشان نكمّل .. علشان اللي حوالينا ما يتأذوش.. انا طول ما كنت معاه كنت بعمل كده .. ماكنتش عاوزة ااذيك .. لأني كنت بحبك .. وعمري ما حبيت حد غيرك
كنت بحاول ابان اني مش مصدق كلامها و الي بتقوله ده ميصحش
أنا : أنا مش فاهمك يا عليا .. ليه لسه مش راضية تسيبي كل حاجة وراكي و تبصي لقدام ؟ ليه بتبني حياتك و مستقبلك على ماضي مش ممكن يرجع في يوم ؟ ليه؟
عليا ردت بحزن : ليه ما تحاولش تفهمني ؟ ... كفاية عليّ إني ساكتة... ومكمّلة.. من غيرك .. ده انا ساعات بفكر انط من فوق السطح و اخلص من الوجع ده !
سكتت، وسكوتها كان بيوجع.
هي قالت حاجة صريحة، بس أنا كنت بعمل نفسي مش فاهم ، فهمت إن الحكاية جواها لسه ما خلصتش. وإن وجودي في حياتها، مش مجرد صدفة... وجودي في حياتها كان ضروري عشان تكمل .. و لسه الوجود ده ضرورة بالنسبالها
في اللحظة دي، حسّيت إننا بندور حوالين نفس الدائرة، من أول يوم رجعت فيه للبيت بعد موت باسل... وإن في حاجات ما بتنتهيش، حتى لو إحنا قررنا نكمّل. وإني مهما حاولت أكون "أخوها في ****" زي ما زمان باسل كان بيحب يقول... لسه فيه حاجة جواها،بتنادي اسمي..
و انا سرحان في كلامها تفاجأت لقيتها بتقف قدامي ما يفصلش بيني وبينها غير هدومنا ! كانت حاطة ريحة برفان مشتق من ريحة الورد الي بتحبه و بتبصلي بعنيها الي كانت مليانة دموع و حب و حرمان و يأس و رجاء !
قبل ما كلمها احذرها او انبهها .. نطت علي تحضني زي المرة الي فاتت .. و هي بتقولي: ارجوك .. انا موجوعة اوي سيبني ارتاح في حضنك شوية .. ارجوك
حسيت بكلامها وصوتها و رعشة ايدها قد ايه هي فعلا موجوعة و محتاجة لحضن حنين يخفف عنها المعاناة الي بتمر بيها لوحدها ..
بس الحضن زاد ... و طال و بقى حضن قوي لدرجة حسيت انا بكل تفاصيل جسمها ملتصقة على جسمي .. كأن الزمن بيعيد نفسه و يا خوفي من ضعفي انا كمان ..
في اللحظة دي . انا الي سالت نفسي: هو انا بحب أطياف بجد؟ و لو بحبها ... بضعف قدام عليا كده ليه؟ هو انا اصلا عمري بطلت احب عليا مالأساس؟ انا ليه بقيت ضعيف اوي قدامها كده ؟ انا ليه بأذي اطياف و سبق و اذيتها هي و اخويا و خنتهم مع عليا ؟
فجأة حسيت بشفايف عليا انطبقت على شفايفي و اندمجت معاها في بوسة رقيقة شاعرية مش زي البوسة الي فاتت و ودتني لطريق الخيانة ..
كنت حاسس بحلاوة شفايفها و صدق مشاعرها في البوسة دي . عليا كانت بتمر بأضعف حالاتها و اسوأ مراحل حياتها .. كلامها عن انها ممكن تنط من فوق السطح خوفني و يمكن عشان كلامها ده انا تهاونت معاها و سبتها تعمل الي هي عملته ..
فجأة عليا خلعت الروب و سابته يقع عند رجليها .. مكانتش لابسه اي حاجة من تحت .. بقت عريانة و هي بتحضني و تضغط بصدرها علي صدري و بتفك عني قميصي ..
انا تأكدت ساعتها اني أضعف مخلوق قدامها هي بالذات .. مافيش ست في الدنيا قبلها ولا بعدها قدرت تاخد عقلي و قلبي و تستحوذ على كل تفكيري زيها ..
جمال جسمها و هي واقفة قصادي خلاني اتجنن و انسى كل حاجة بتفكرني اني يحيى الدكتور المتجوز العاقل المتزن ..
عليا لما عرفت نقطة ضعفي بطلت تبوسني وبعدت عني و فضلت واقفة قدامي و هي بتتنفس بسرعة و شفايفها مفتوحة و عنيها مبرقة في عنية ..
قالتلي بصوت كان جواه كل اغراء الدنيا وهي بتفرجني جسمها : انا كلي متاحة ليك .. ده كله هيبقى ليك .. أي وقت و كل وقت وقت ما تحب !
ماعدتش قادر افكر بأي حاجة تانية خالص ما قدرتش اقولها بلساني أيوا يا عليا هو ده الي انا عايزة و مش عايزو مرة واحدة و خلاص .. هو ده الي انا عايزو يبقى ليا طول العمر .. ليا انا لوحدي ..
رحت ناحيتها بسرعة و مسكتها من اديها و المرادي انا الي لازم آخد المبادرة .. و لزقت شفايفي على شفايفها مرة تانية بس ببوسة مش بريئة أبدا و انا ايدي بتروح لبزها و تمسكه بحنية خلتها بتطلع اهات من بين شفايفنا و انا بلاعب حلمتها و هي بتمرر صوابعها الجميلة لتحت حوالين زبري الي اتجنن تحت نعومة صوابعها ..
خلاصى.. احنا ماشيين في سكة الي يدخلها .. مش هيعرف يرجع منها ..
كل ده كان يحصل وحنا في مكانا ..ولا حتى فكرنا ان ممكن اطياف تخش علينا واحنا وسط الببت كده و تكشفنا و تبقى خيانة و فضيحة و خراب بيوت ..
في اللحظة دي عقلي اشتغل شويا .. و رفعتها من تحت رجليها و خدتها زي ما تبقى عروسة في ليلة دخلتها و مشيت بيها ناحية اوضتها .. أوضة اخويا باسل الي كانت هي فيها مراته لسبع سنين ..
وهناك رميتها على السرير برقة وانا ببص لجمالها وجمال جسمها و لنظرات عنيها الي كلها حب و شوق و شبق و شهوة و رغبة بتغلي ..
لاول مرة بعمل كده ... نزلت بين رجليها .. كسها كان نظيف و ناعم جدا كأن عليا عملته من يوم ولا من كام ساعة.. هي معقول كانت واثقة اوي كده اني هنام معاها النهاردة؟ ولا هي بتعمل ده كجزء من روتين اهتمامها بنفسها ..
مع انها مش اول مرة لينا بس المرة دي كانت مختلفة اوي..لان عليا بقت فعلا متاحة لي ،مافيش حاجة تمنع انها تكون لي و تبقى مراتي ..
نزلت الحس كسها و ابوسهُ واشمه مع اني كنت بعمل كده مع أطياف بس مع عليا كانت حاجة تانية خالص. و من كتر لحسي و استمتاعي بكسها عليا جابت ظهرها ببقي بسرعة وانا شربت عسلها وهي بتقولي كل شوية: انا بتاعتك ..انا كلي ليك .انا مراتك .. انا ملكك .. كل ده ملكك خلاص و هايبقى ليك وحدك انت ..
عقلي كان شغال اصلا من شوية فقالي اني لازم اخلص بسرعة لأن الوقت ديق. و بسرعة بقيت فوقيها وطلعت زبي و دخلته و تحركت فيها وهي جوايا و كانت دايبة معايا في دنيا تانية زي المرة الي فاتت .. و رجعت اطبق شفايفي على شفايفها .. و عليا كل شويا بتفكرني انها خلاص بقت بتاعتي .. كأنها بتفكرني بأن الي عملته ده مش عشان نزوة ولا شهوة ولا عشان يتعمل مرة وخلاص ..لا ده كان اعلان رسمي منها ان الي جاي هايبقى كله كده بيني وبينها ..و مش من حقي ارفض او اهرب من الي هي قررته ما دمت انا ضعفت كده بسهولة قدامها ..
في الآخر وصلنا للحظة الي كنا نستناها سوا و جبت ظهري جواها و حسيتها هي كمان جابت ظهرها معايا للمرة التانية ..
الأحساس كان المرادي مختلف خالص .. مافيهوش ندم زي المرة الي فاتت ..فيه شوية ألم بسيط زي شكة دبوس لضميري الي ابتدى ينام و يدخل في سبات وأنا ببقى مع عليا .. شكة دبوس بتفكرني بخيانتي لأطياف الي هي المفروض تبقى كل حاجة ليا
خلصنا بسرعة المرة دي و قمت عنها و انا مش لاقي كلام اقولهولها .. بس عليا ماكانتش محتاجة كلام مني عشان هي تعرف اني سلمت ليها و بقيت اسير لحبها الي مش راضي يفك اسري او يوهبني حريتي ..
من غير ولا حتى كلمة لبست هدومي و عليا لبست فستان متعلق ورا باب اوضتها ... وانا بصيت لها وردت علي بابتسامة فيها طعم الانتصار .. طعم القوة الي بتتمتع عليا بيها وهي بقت متاكدة انها هتكسب الحرب الي جاية .. ضد أطياف .. مش ضروري هيكون على شكل جواز .. المهم انها انتصرت لما خدت كل تفكيري و مشاعري من جديد و حتى احتياجي الرجولي ليها ..
وطيت راسي من الندم و الخجل و تانيب الضمير وسبتها وخرجت .. بس هي كان واضح عليها انها مبسوطة اوي ... مبسوكة انها عرفت نقطة ضعفي و هتعرف تستغلها في الأيام الجاية
لما رحت الصالة ، شفت روب عليا الي سابته يقع ع الارض لقطته و وديته الحمام ..
قلت لنفسي ..كفاية يا يحيى تفضل انسان ضعيف ما تقدرش تتحكم بنفسك و مشاعرك و تأذي الي بيحبوك دايما .. تفتكر هيحصل ايه لأطياف لو شافت روب عليا الحرير واقع ع الارض في النص كده ...ده ممكن يفتح ابواب الشك في تفكيرها ..
عليا فضلت في اوضتها و قفلت على نفسها الباب .. وانا لسه مش قادر اتحكم بنفسي و لسه قلبي مش مرتاح ولا عمره هيهدى طول ما انا و عليا قي مكان واحد
دخلت عليا أوضتها، وسابتني واقف في النص، حاسس إنّي وقفت على حافة نار... هتحرق كل حاجة فاضلة في حياتي
ضميري كان كل شوية بيوجعني عسان خيانتي لمراتي أطياف .. بس الي كان بيهونه ان قلبي لسه بيقلي اني بحب عليا و مش لازم افضل مخبي على نفسي اكتر من كده ..
في آخر اليوم ..
أطياف رجعت من المستشفى و وشها كان مرسوم عليه بهجة و فرح .. وشها كان منور و الابتسامة مش بتفارق شفايفها .. و طلعت السلم بسرعة كأنها بتجري ، و اول ما دخلت الأوضة كانت بتاخد نفسها بعد طلوعها السلم بالسرعة دي
قلتلها وانا قاعد في مكاني : لا ده اكيد فيه خبر حلو جايباه معاكي عشان تجري بسرعة كده ..
أطياف كانت واقفة قدامي بعنيها اللي دايمًا فيها فرحة هادية، وقالتلي وهي بتبتسم
أطياف بفرح: يحيى… أنا حامل..!
ماكنتش متوقع أسمع الكلمة دي و بالسرعة دي… قلبي دق جامد… حسيت ان الدنيا كلها اتفتحتلي، حسيت إني بقيت أب خلاص .. فرحة كنت استنيتها كتير… تعوضنا كلنا عن الحزن الي كان معشش في بيتنا من فترة ، يمكن كنت محتاج لحاحة زي دي عشان تفوفني من الي بعمله في اطياف و ابطل خيانتها .. عشان ابطل ااذيها .. و اهتم بجوازي و ابني الي جاي في السكة
قمت من مكاني و رحت ناحيتها و حضنتها جامد، ووشي اتحول لضحك مش قادر أسكت عليه، بس بعد لحظة… سكت.
أطياف بصّتلي مستغربة:مالك؟ ..
قلتلها : ممكن نكتم الموضوع شوية؟ على الأقل لحد ما نطمن إن كل حاجة ماشية كويس؟
اطياف زعلت شوية، مش زعل بمعنى زعل، بس اتفاجئت
وقالتلي: ليه؟ يعني مش المفروض نكون مبسوطين؟
قلت: أنا مبسوط جدًا واللهي ، بس... فيه حاجات محتاجة تتوزن. كل حاجة متركبة فوق دماغي دلوقتي، ومش عايز مشاكل من أي نوع، خاصة في الوقت ده
كأن أطياف فهمتني و قالتلي بهدوء: قصدك عليا ؟ فكرك دي حاجة ممكن تزعلها ؟
انا: ماظنش تزعلها .. بس الأحسن اننا نحترم حزنها كمان شوية
وافقت اطياف وهي مش مقتنعة أوي… بالسبب الي قلته بس سكتت.. يمكن بعد ما هديت شافت انه مش وقته فعلا اننا نعلن الخبر ده .. كنت فاكر كده
ماعداش كتير…
يمكن يومين، تلاتة…
ولقيت عليا بتكلّمني بطريقة مختلفة. قالتلي وهي بتحاول تبين إنها عادية
عليا: أطياف وشها منور اليومين دول، شكلها فرحانة.
قلت وأنا بتجنّب الموضوع: آه… يمكن..
قالتلي وهي بتضحك ضحكة باهتة بصوت فيه عتب: بصراحة، هي قالتلي… أطياف ماتخبيش حاجة عني .. مبروك يا يحيى .. هاتبقى أب.
قالتها من ورا قلبها… بس حسّيتها، حسيت الوجع في نبرة صوتها، حسيت نفسها المكبوت.قفلت عيني لحظة وأنا بأتنفس ببطء… و قلت مع نفسي ، يعني أطياف قالتلها.. غيرة النسوان محدش يقدر يفهمها ..
و رديت عليها ببرود : شكرًا عليا .. **** يخليكي
كنت فاكر ان الموضوع عدى و عليا تقبلته رغم حزنها و فترة حدادها ، بس المفاجأة الكبيرة كانت بعدها بيوم.. يوم واحد بس!
كنت راجع من الشغل، وكانت عليا مستنياني في الجنينة الصغيرة، حسيت انها كانت عايزة تبقى في مكان بعيد عن أطياف…
لبسها كان بسيط، بس فيها حاجة مش مريحة، كأنها محضرة لمفاجأة ما تخطرش على بال أي حد ، قربت مني اول ما دخلت وقالتلي بهدوء
عليا: يحيى، محتاجة أقولك حاجة… قبل ما تسمعها من حد تاني.
سكت.. بقلق و بصتلها بترقب .. بعد لحظة قصيرة بصّتلي عليا… وقالت
عليا :أنا كمان حامل.. يا يحيى !
الدنيا وقفت…كأن الأرض ما بتتحركش تحت رجليه بعد كلامها الي اتقال ، اتكهربت، وبصيتلها بصدمة مش مصدق…لساني اتعقد… قلتلها أول حاجة جات في دماغي
انا :حامل ؟!.. من باسل ؟
هي عضّت شفايفها، ودمعة صغيرة نزلت من عينها
وقالت: لا ده منك انت ؟
صوتها كان بيقطع، ودمها محتقن في وشها…وهنا فهمت…فهمت كل حاجة. بس قلبي ما استوعبش.
إزاي؟إمتى؟وهي… كانت بتفكر في إيه لما قالتلي الخبر ده ؟
عليا لما قالتلي الكلمة دي ، بصيتلها، وقلبي بينبض بسرعة… بس عقلي كان بيشاورلي على باسل، هو اللي كان جوزها، وهو اللي المفروض… يعني لو في حمل، يبقى منه.
قلت وانا بحاول أنكر الي قالتهولي عليا : انت بتقولي أيه؟ لا ده أكيد من باسل؟
بصّتلي بنظرة غريبة… فيها وجع، بس فيها برضه شيء تاني مش قادر أفسره.
عليا : لا ... يا يحيى .. الي في بطني ده يبقى ابنك انت ؟
بصيتلها… كنت عاوز أشوف عنيها يمكن تكون بتكدب؟ بس انا كنت هاتجنن، انا مش مصدق، ومش قادر أربط…
صرخت وأنا مبحلق فيها:
انتي بتهزري .. صح؟ ده حصل مرة واحدة! غلطة واحدة! إزاي تفتكري إن ده كفاية؟! انتي أساسًا إزاي متأكدة؟
عليا بتكتم غضبها: مش مرة واحدة يا يحيى .. انت نسيت الي حصل قبل كام يوم ؟
انا سكت لاني مابقتش قادر ادافع عن نفسي قدتمها
قالتلي مكملة كلامها وهي بتبصلي بعينها اللي فيها الحقيقة اللي خبيتها عني سنين: أنا عارفة إنه منك أنت يا يحيى… عشان ...!
لفيت عليها زي المجنون مخلتهاش تكمل جملتها ... عاوز أفهم و اعرف و اصدق : نعم؟! ازاي ... ازاي ؟
قالتلي وهي بتكمل كلامها و موطية وشها : الدكتور قالنا الحقيقة من زمان، انا و باسل ، من بعد جوازنا بسنتين.. لما تاخرنا في الخلفة…و كشفنا عنده ؟ الدكتور قال انه هو السبب! بس أنا خبيت السر ده، كنت خايفة على مشاعره، كنت فاكرة إن **** ممكن في يوم يرزقنا… بس ده ما حصلش
كملت عليا كلامها بهدوء، بس صوتها كان متكتف بالغصة: باسل ما بيخلفش يا يحيى .. هي دي الحقيقة الي انا خبتها عن الكل طول السنين الي فاتت
ساعتها الدم نط في وشي. عقلي ما قدرش يستوعب. رجعت خطوة لورا، ومسكت طرف الترابيزة عشان أوازن نفسي.. و انا بواجه المصيبة الي هتقلب حياتي و انا مش قادر اصدقها
انا : يعني… منّي؟! انتي بتقولي إن الحمل ده مني؟!
قالتلي من غير ما تهرب بعينيها: أيوه، منك يا يحيى.. منك انت
سكتت… وبعدين رفعت عينيها فيّا…نظرتها كانت غريبة… ماكانتش نظرة ست مجروحة، كانت نظرة واحدة شايلة سر كبير.
قالت وهي بترمش بسرعة عشان تمنع دموعها تنزل: من وقت التحاليل بعد ما تجوزنا وحتى بعد باسل ما مات، قلت أدفن السر معاه… بس دلوقتي؟ بعد الي حصل ما بينا ... وبعد ما حملت ... مش هاينفع اخبي السر ده اكتر .. و انت مش ممكن تنكر الحمل وتشك فيه… مش ممكن !
وقفت مش عارف أرد. قلبي كان بيخبط في صدري، ودماغي بيقوللي: بس إزاي؟وإزاي هي كانت مخبية السر ده كل السنين دي؟ وإزاي أنا… بقيت ف موقف بالشكل ده؟
هي بصّتلي نظرة أخيرة
وقالت: أنا مش طالبة منك حاجة يا يحيى… لا عايزة جواز، ولا انا اصلا اقبل اكون ضرة على أطياف. بس خليك فاكر… أنت خلاص بقيت عارف ... عارف ان ده ابنك !
و قبل ما ارد عليها و افتح بقي بكلمة .. عليا كملت كلامها كأنها عارفة الأسألة الي كانت جوا دماغي .. و ادتني اجاباتها
عليا: ما تخافش .. أطياف مش هتعرف حاجة .. و لما حملي هيبان والناس تسأل هقول انه من باسل .. باسل مارضيش يسيب الدنيا و يسيبني من غير ما يسيب حد يشيل اسمه من بعده ..
كلام عليا قلب تفكيري و قلب كياني و بقيت فعلا مش عارف اعمل ايه او ارد عليها بأيه .. دي حتى سابتني و هي بتبكي و راحت دخلت اوضتها وقفلت على نفسها ..
الجزء الحادي عشر والأخير
بعد مرور فترة ..
الوقت كان بيمر بسرعة خصوصاً لما اكون برة البيت ، في الشغل مع اطياف ..
بس بحس كأن الدقيقة بتعدي في سنة لما ابقى في البيت ! بالضبط .. عشان وجود عليا الي بيخليني احس بتوتر و قلق طول الوقت .. خصوصا بعد ما ادعت ان الي في بطنها ده يبقى ابني .. انا كنت شاكك انه ابن باسل ، بس هي تحدتني في المنطقة بتاعتي .. في الطب ؟ وقالتلي انها مستعدة تعمل تحليل دي ان اي عشان تثبت نسب ابنها لي .. !
بس انا كنت بترجاها كل يوم تقريبا انها تهدي نفسها و لو هي بتحبني بجد زي ما بتقول فبلاش تخرب بيتي
عليا كانت طول الوقت حزينة و مكتئبة .. مش عشان باسل .. انما عشان رد فعلي تجاهها في اليوم الي كشفتلي سر حملها .. كأنها حست انها خلاص خسرت فرصتها في اني ارجع ليها او اختارها و اكون معاها و افضلها على اطياف ..
بالنسبالي الموضوع ماكانش سهل ابدا .. كنت بتقطّع من جوايا بسبب تأنيب ضميري على خيانتي لأطياف وكل الي نتج من الخيانة دي و الي هيلخبط الدنيا و مش هيخليني اعيش في استقرار ..
بس مع كل ده عليا عملت بأصلها و قفلت بقها ..و داست على حبها و مشاعرها .. وهي بتقول لأطياف ان **** اراد انها تكون حامل من باسل عشان الي هايجي يشيل اسمه من بعده ..
بس حتى مع كل الي عملته عليا كنت بحس اني مخنوق و ان فيه حاجة مش مضبوطة .. في حاجة وحشة هتحصل ، ويمكن المستخبي يبان و يقضي على حياتي المستقرة مع اطياف و يدمر بيتي تدمير ..
اطياف فرحت كتير لخبر حمل عليا و مع انها هي كمان كانت حامل، لكنها كانت ماتفارقش عليا في كل مواعيدها الطبية في المستشفى او غيره و كانت دايما بتخلي بالها منها ..
كنت بقولها : يا حبيبتي .. انتي حامل! مش المفروض انك تهتمي بنفسك الاول! بترهقي نفسك بغيرك ليه( بقصد عليا)
كانت أطياف بترد بزعل: يا حبيبي عليا مالهاش حد غيرنا .. امال مين الي هياخود باله منها اليتيمة المسكينة الي ترملت بعز شبابها؟ ده انت المفروض توصيني عليها عشان اعمل معاها اكتر من الي انا بعمله
انا: ايوا يا روحي بس انتي اهم عندي .. مش عايزك تقصري في حق نفسك ..
أطياف بتبتسم: ما تقلقش يا دكتور .. مراتك دكتورة شاطرة و قادرة انها تعمل كل ده لوحدها
كنت ببتسم ليها و اشجعها و انا بقولها اني معاها وفي ظهرها في كل خطوة تعملها ..
من الناحية التانية كنت بطمن عليا اننا هناخود بالنا منها هي وابنها بعد ما تولد .. و كانت بترد علي ببرود
عليا كانت بترد بصوت مكسور: **** موجود يا يحيى .. انا بس زعلانة لأن الي في بطني هيتحرم من ابوه ..
كنت برد بزعل: هايتحرم؟
عليا: طبعا .. هايتحرم من ابوه ولا انت عاوزنا نقول لمراتك انه ابنك و نطربق الدنيا على دماغنا .. مش هو ده الي كنت انت عاوزه؟
انا بتردد: ايوا .. بس .. بس انا مش هخليه يحس بكده .. أنا هبقاله الاب و السند .. مش هخليه محتاج لحاجة
عليا : طب وابنك التاني .. مش خايف لما يكبر يشوفك مهتم زيادة بأبن عمه؟ و يمكن لما يكبر شوية كمان يبدأ يغير و لا حتى يبقى متعقد زيك !
كنت برد بنرفزة: يوه يا عليا .. مش وقته الكلام ده دلوقتي .. خلينا نركز في الي جاي .. كله في اوانه يا عليا .. **** يقومك انت واطياف بالسلامة الاول و كله بأوانه و كل ها يتحل في وقتها !
كنت بكذب على نفسي ... لأني عارف ان عليا عندها حق في كل الي قالته .. الموضوع حساس اوي و معقد .. اذا كنت انا نفسي مريت بالتجربة دي .. انا و باسل مع اننا كنا خوات .. ازاي بقى لو كنا ولاد عم!!! مستوى الغيرة والمنافسة والعقد الي هتتراكم جوانا هيبقى ازاي؟
الايام .. عدت .. حتى لو كنت حاسسها بطيئة .. كانت لازم تعدي في النهاية .. و موعد ولادة اطياف قرب ..
و جاه اليوم الي كنت مستني .. الكل مستنيه.. عليا و اطياف .. مش بس انا
الغريب في الموضوع ان عليا و اطياف حملوا بفرق وقت بسيط .. شهر تقريبا!! بس المفروض اطياف هتولد قبل عليا بكم اسبوع بس!
في اليوم الي حست فيه اطياف انها هتولد .. بدأت تحس بوجع كبير .. و ده كان شيء مش متوقع ابدا .. فخدتها وجريت بيها دغري على المستشفى ..
وهناك اول ما شافتها الدكتور قالتلنا انها لازم تدخل عمليات حالا .. الموضوع مش هيستحمل تاخير ابدا ..
كنت قلقان اوي .. حاولت اعرف من الدكتورة ايه هو السبب الي مخلي مراتي بتتوجع كده؟ و هل العملية هتبقى خطيرة على حياتها .. بس للأسف الدكتورة هربت مني و هي بتخش العمليات و تقلي : كله ع **** .. ادعولها انها تقوم بالسلامة ..
كنت واقف قدام باب صالة الولادة ، والعرق مغرق وشي. إيديا بتترعش وأنا بشبك صوابعي في بعض، أحاول ألهي نفسي بالدعاء:
يا رب، خليها ليا… خليهم ليا هما الاتنين. و سامحني على الي عملته فيها ... سامحني لأني خبيت عنها ...سامحني لأني خنتها
بعد ساعات مرت علي كأنها سنين ..
فجأة صرخة *** بتشق الهوى. قلبي فرح… و كنت بقول "الحمد لله" لحد ما ساد السكون. سكون كان تقيل اوي ، و يخوّف. بس صوت أطياف جوه مش سامعه؟
اخيرا الباب اتفتح، الممرضة طلعت، عينيها هربانة من عيني، وشها بيقول اللي لسانها مش قادر يقوله. وهي بتشاورلي عشان ادخل .. ؟
دخلت اوضة الافاقة .. و انا مش حاسس برجلية من كتر الخوف و القلق
شفت أطياف كانت نايمة على جنبها، وشها هادي، وكأنها بتنام نوم عميق. مسكت إيدها… لقيتها بردانة. حاولت أقول اسمها، يمكن تصحى…ندهت عليها كام مرة .. بس مافيش فايدة..
من صدمتي .. فضلت انادي عليها بصوت عالي و ابتديت اسرخ ... لحد ما الممرضين و الدكاترة الي كانوا زملاتها برضه .. اتجمعوا حواليه و مسكوني من اديه و طبطبوا على كتفي وهم بيقوليلي كلمة عمري ماتوقعتها و لا كنت حابب اسمعها !
( دكتورة اطياف .. تعيش انت يا دكتور يحيى ! دي كانت ارادة **** .. البقية في حياتك )
رديت عليهم وانا مش مصدق .. انتو بتقول ايه؟ ده مش صحيح .. مش صحيح ..
و فضلت ابكي و اعيط من كتر صدمتي ..
اطياف دي كانت الحاجة الوحيدة النظيفة الحلوة الي حصلتلي في حياتي .. وانا للأسف ما عرفتش قيمتها .. وخنتها .. و هفضل ندمان طول عمري على الي عملته فيها ..
فقدها عمل شرخ كبير في قلبي .. و روحي .. مش بس جرح .. حسيت وقتها إني وقعت في حفرة سودة، مالهاش قرار .
الممرضة قربت مني، و حطت البيبي في حضني. كان صغير أوي وضعيف، لكن صرخته قوية كأنه بيبكي معايا على اطياف .. أمه ..
ضميته لصدري… وبصيت له بعيون مدمعة و كلمته و انا مؤمن انه هايسمعني و يفهمني
و قلتله: هفضل شايفها فيك .. انت شبها اوي .. روحها بقت فيك يا .. هسميك ايه؟ هسميك طيف .. لأنك تولدت منها .. و هتبقى شايل صورتها قدامي زي الطيف بالضبط .. طول العمر
يمكن من مصلحة عليا ان أطياف تبقى مش موجودة .. بس ماظنش عليا هتوصل للمستوى ده والي يخليها تشمت في موت حد ..
عليا تلقت الخبر بصدمة و حزنت على اطياف بجد .. كنت بسمعها تبكي في اوضتها .. ساعات بتنادي اسم باسل و ساعات بتقول اسم اطياف ..
اول حاجة عملتهالي عليا بعد ما اطياف سابت الدنيا .. انها وقفت معايا وقفة بنت اصول .. لما قالتلي
عليا: بص يا يحيى .. الحي ابقى من الميت و اطياف راحت عند الي خلقها و هو هيكون احن عليها مننا .. البنت طول عمرها اصيلة و بنت اصول .. حتى معايا .. عمرها ما سَمعتني كلمة وحشة .. وانا .. انا كنت .. كنت
هنا ..عرفت قصد عليا ايه .. قصدها انها بتتعذب و ضميرها بيلومها لأنها خانتها معايا .. بس انا غيرت الموضوع على طول ..
انا: خلاص يا عليا .. ماتبصيش لورا بقى .. كفاية العذاب الي بنحسه .. هنعذبها معانا ليه اكتر ..
عليا: انا آسفة يا يحيى .. بس كنت عاوزة اقولك .. ابنك هو ابني و مش هيلاقي صدر حنين عليه زي صدري .. انا هشيله في حبابي عنيه .. يمكن **** يسامحني ع الي عملته بأطياف ..
انا: انت متأكدة يا عليا؟ ماتنسيش انك حامل برضه و على وش ولادة ؛ انا كنت بفكر اوديه عند امها تخلي باله منها
عليا اعترضت بشدة: لا يا سي يحيى .. ابدا .. الكلام ده مش ها يحصل .. دي هي الحاجة الوحيدة الي هتخليني اكفر عن ذنبي .. و صدقني .. مش هخليه يحس بأي فرق لما .. لما اخوه يشرف للدنيا.. كفاية انه حته منك يا يحيى ..
وافقت على مقترح عليا .. مع اني كنت شوية متردد .. بس اقتنعت بوجهة نظرها .. يمكن فعلا تربية طيف هي الي هتكفر عن ذنب عليا .. بس انا .. اعمل ايه عشان اكفر عن ذنبي ؟
الأيام مرت بعدها و كانت تقيلة، البيت فاضي من ريحتها وضحكتها. كنت أقوم بالليل على بكاه، أشيله وأمشي بيه في في البيت عشان يهدى ..
عليا ماقدرتش تنام جنبي ولا انا بديها طيف لما ينام .. اتفقت معاها نقسم الوقت و المسؤولية .. بالنهار هيكون ليها ..و بليل هيبقى معايا ..
ليلة من الليالي، وأنا شايل طيف، لقيت نفسي افتكرت أيام زمان… أنا وباسل كنا صغيرين، قاعدين في أوضة ضلمة بعد ما أبونا اتخانق معانا.. عشان ما حلناش الواجب بتاع المدرسة
باسل بص لي وقال:
أنا وإنت مش هنسيب بعض أبداً، فاهم؟ إحنا إخوات… ولو الدنيا كلها وقفت ضدنا.. احنا هنقف في وشها
أنا ساعتها ما رديتش… بس الكلمة دي تحفرت جوايا. يمكن عشان بعدين… اتفرقنا في حاجات كتير، حتى وإحنا في نفس البيت.
بعد ما عدى شهر من الوحدة ..
ام اطياف كلمتني بالتلفون
ام اطياف: انا عارفة قد ايه انت بتحب بنتي يا يحيى .. بس الي هقولهالك ده مع انه من ورا قلبي.. بس لازم يتعمل !
انا بقلق: ايه هو الي لازم يتعمل يا ام اطياف .. انت قلقتيني
ام اطياف: انت لازم تتجوز عليا يا يحيى!
انا تصدمت من كلامها و قلقت و كمان قلت لنفسي هي حاسة بحاجة؟ دي اطياف نفسها ماحستش باي حاجة لما كانت عايشة
رديت عليها متنرفز: ايه الكلام الغريب الي بتقوليه ده يا ام اطياف .. وهو ده كلام معقول برضه؟
ام اطياف بصوت حزين: هو ده الي لازم يتعمل يا يحيى .. عشان انا ام وعارفة كويس ان اطياف مش هترتاح بقبرها وهي سايبة طيف من غير ام يتربى في حضنها .. و اظن ان عليا هتولد قريب وهتبقى ام و مش هلاقي وحدة هاتحس بطيف زيها .. و كمان هي بنت خالك .. حاول تفكر في مصلحة طيف قبل كل حاجة يا يحيى
كنت مستغرب فعلا الي قالتهولي ام اطياف! هي كانت بتتكلم جد و بعقلها؟ ولا هي مش في وعيها
انا: ايوا .. بس ..
ام اطياف: ما تنساش يا يحيى .. وجودك انت وعليا في بيت واحد هيجيب الكلام .. الناس ما بترحمش يا دكتور .. دي بنت يتيمة و غلبانة و بقت ارملة وهي في عز شبابها .. و انا عارفة ان كلامي ده زعلك .. بس هي دي الحقيقة .. خلينا نعمل الصح حتى لو كان ده من ورا قلبنا ..
اول ما خلصت مكالمة .. فضلت مع نفسي مصدوم و مش مصدق الي انا بسمعه ..
فجأة لقيت عليا واقفة قدامي، عيونها فيها خوف وكسوف.. كأنها سمعت كل حاجة بس ما فتحتش بقها بكلمة
بس انا بعد ماستوعبت كلام ام أطياف .. لقيت عليا تكلمني في وقت تاني وهي بتبص ع الارض من الكسوف
عليا : انا مش حابة اتقّل عليك .. بس بجد مش عارفة اودي وش فين واروح عند مين
انا تعصبت و تنرفزت اوي: ايه الي بتقوليه ده يا عليا .. انت بنت خالي .. و ام ابني ! ماتنسيش ده .. وانا مسؤول عنك سواء ده عجبك ولا ماعجبكيش ..
عليا كانت تفضل ساكتة من احراجها و كسوفها .. لانها بجد ماعندهاش حد تروحله .. يمكن قرايب من بعيد بس مافيش حد النهاردة يستحمل حد ..خصوصا لو كان قريب من بعيد ..
في الايام الجاية ..
فكرت في كلام ام اطياف كتير .. انا كنت بحب عليا زمان .. و ما كنتش شايف غيرها ..و يمكن .. يمكن انا لسه بحبها بس مش راضي اعترف بالحب ده .. يمكن عشان غلطت معاها كتير حتى لما كانت اطياف عايشة .. خيانتي لاطياف هي الي كانت بتخليني احس بالذنب و مش قادر ارجع احب عليا زي زمان .. ايام ما كانت ملاك طاهر بريء .. بس هي عملت كل ده ليه؟ يمكن لانها ما حبتش حد غيري في حياتها .. حتى باسل!
ابتديت افكر بكلام ام اطياف بالعقل . كنت بقدم في الشغل على تخصص طب نفس في الوقت ده.. و كنت بقره مراجع و كتب كتيرة عشان انجح في امتحان التخصص .. ولما اهدى و افكر في كلام ام اطياف اشوفه معقول و موزون ..
في لحظة ..
جاتلي فكرة ما كانتش على بالي .. فكرة اقدر اعالج بيها المرض بالوقاية .. مش الحكمة بتقول الوقاية خير من العلاج؟ و مادمت انا و باسل **** يرحمه تعذبنا بسبب ظروف ما كانتش مناسبة .. ظروف ظلمتنا احنا الاتنين كتير .. و ماقدرناش نتعالج من اثرها و سابت فينا وجع و عقد .. لدرجة غيرت حياتنا كتير .. و غيرت توجهاتنا كمان .. فلازم ماخليش ولادي يعيشوا نفس الي عشناه احنا ..
سرحت كتير في الفكرة دي ..
فكرة اني اتجوز عليا فعلا. هي هتولد قريب .. و طيف لسه ما كملش شهر .. و لو تولد ابن عليا يبقى هيكون فرق فيما بينهم كام اسبوع .. مافيش احسن من اني اربي طيف وافهمه ان ده مش بس اخوه .. ده شقيقه و توامه ..
لحسن الحظ .. بسبب وفاة اطياف لسه ماعملناش بيان ولادة لطيف و لو ولدت عليا بالسلامة .. انا هسجلهم هم الاتنين بتاريخ واحد .. و بأسمي كمان ..
بس كنت محتاج موافقة ام اطياف .. زي ما اشترطت علي اتجوز عشان عليا عشان تربي حفيدها لازم اشرط عليها انها تحفظ السر ده للابد ..
لازم توافق ان طيف يخاوي ابن عليا .. عشان مايحسوش بأي فرق .. لما يكبروا .. هم في الآخر ولادي و خوات حقيقي
بعد ايام ..
وقبل ما افاتح عليا بالموضوع .. كلمت ام اطياف و قلتلها على الي ناوي اعمله .. و هي ما اعترضتش ابدا .. ام اطياف كانت ست كبيرة و عيانة.. و هي عارفة يمكن هي كمان مش هتطول في الدنيا بعد ما ماتت بنتها .. فمالقتش حاجة تخسرها .. صحيح الضنا غالي و طيف حفيدها بس مصلحته اهم من اي حاجة تانية ..
ما فضلش قدامي غير اني افاتح عليا بالموضوع .. بصراحة انا ما ظنش هي هتوافق بسهولة .. اظن انتم متوقعين انها هتفرح و توافق بسرعة .. مش كده؟
بس الي حصل كان حاجة تانية خالص ..
في اليوم الي قررت فيه افاتحها بالموضوع..
كنت قاعد في أوضتي بعد فترة طويلة من رحيل أطياف… البيت بقى ساكت وهادي بشكل يخوف، وقلبي كان مليان فراغ مالوش آخر. و عليا لسه موجودة معايا، و مع انها عايشة معايا تحت سقف واحد من يوم ما باسل استُشهد، وأنا من يومها واخد عهد إني أبقى سند ليها.. و مش هاممني كلام الناس .. هي في الآخر ام ابني الي جاي في السكة، لكن بعد ما أطياف راحت، موضوع جوازي من عليا بقى مجرد مسألة وقت .. حتى هي يمكن شايفة كده ..
دخلت عليها ليلتها…
كانت قاعدة في الصالة تقرأ كتاب، عينيها غرقانة في السطور، بس ملامحها باين عليها الوحدة. قلت لنفسي: "الوقت جه."
قربت منها وقلتلها بهدوء: عليا… أنا محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم
رفعت عليا عينها من على الكتاب، وقالت باستغراب:خير يا يحيى؟
قعدت قصادها وحسيت إني متوتر زي أول مرة دخلت امتحان في الكلية. خدت نفس عميق
وقلت: بصراحة… أحنا ما ينفعش نفضل عايشين تحت سقف واحد كدة ! من يوم ما باسل مشي و الوضع بقى متلخبط . بس بعد ما أطياف راحت… الوضع بقى متلخبط و متعقد اكتر و الدنيا بقت فاضية علينا احنا الاتنين .. و لو حكّمنا عقلنا فاحنا .. احنا لازم نتجوز !
سكتت عليا فجأة، والكتاب وقع من إيديها على الطرابيزة. ملامحها اتغيرت ما بين صدمة ورفض.
قالت بسرعة: ايه؟ لا يا يحيى… لأ. أنا مش عايزة كده.. مش بالشكل كده !
اتربكت وقلتلها : ليه يا عليا؟ ما احنا لازم نكمل حياتنا و نستند على بعض فيها.. اكملك و تكمليني .. و نربي ولادنا سوا .. تحت النور و من غير قلق و خوف و كلام الناس
عليا هزت راسها بحزن
وقالت: انا مش عايزة تبقى جوازة تحصيل حاصل. مش عايزة تحس إنك بتجبر نفسك عليا لمجرد إنك لقيت نفسك لوحدك دلوقتي ولا عشان تسكت الناس لان الناس عمرها ما هتسكت مهما عملنا ... أنا مش بديل لحد يا يحيى، ولا ظل لحد .. ما قبلش اكون بديل يا يحيى .. ماقبلش ..
حسيت إن عليا عندها حق في الي قالته .. فقلتلها بصوت فيه حنية و رجاء
انا : انا لو بدور على بديل كنت زماني اتجوزت أي حد وخلاص .. أنا عشت معاكي سنين يا عليا من واحنا صغيرين ، و عارف طيبة قلبك، وعارف قد إيه انتي صبورة وقوية.. و تستحملي الدنيا مهما جات عليكي .. أنا .. انا بصراحة عايزك إنتي… مش عايز فراغ يتسد، ولو مكانش عشان خاطري .. يبقى عشان خاطر اطياف .. و عشان ولادنا يا عليا .. الي لازم نربيهم صح و ما نخلوهمش يحسوا بفرق .. و نديهم كل حبنا و اهتمامنا و وقتنا، كفاية الي ضاع من عمرنا واحنا تايهين و ضايعين و مش لاقيين نفسنا
عليا سكتت ، ونزلت دمعة صغيرة من عينها.
قالت بصوت واطي: بس أنا خايفة يا يحيى… خايفة في يوم تصحى تلاقيني غلطة صلحت بيها غلطة أقدم ، ويمكن تكتشف إني كنت مجرد حل سهل... لمسالة أصعب .. احنا يمكن غلطنا يا باسل .. بس عايزاك تعرف حاجة مهمة اوي .. انا عمري ما بطلت احبك يا يحيى .. عمري!
قربت منها أكتر، وقلت بإصرار:
انا عارف ده يا عليا .. و كنت حاسس بيه طول الوقت ولو كنت هفكر كده .. انك مجرد حل ، ماكنتش جيت أقولك إني اخترتك بوعي، مش بشفقة. وصدقيني… اللي بيننا ممكن يكبر ويبقى حب حقيقي، مش مجرد جواز عشان الظروف.
عليا بزعل: يعني انت ما كنتش بتحبني يا يحيى؟
قلتلها و انا متلبك: اكدب عليكي لو قلتلك اني ما حبتكيش و حبك فضل غصة في قلبي .. و حاولت انساك و احب غيرك بس فضلت اشوف وشك في كل الوشوش الي حبيتها .. انا حبيت اطياف اه .. دي حقيقة .. و هي الوحيدة الي قدرت تاخد قلبي و تنسيني حبك .. حتى همسه .. الي عمري ما حكتلك عنها .. حب الجامعة الي كان اجمل حب عشته في وقتها .. قدرت اتخطى حبها لأنها سابتني .. بس انتي يا عليا .. عمرك ما سبتيني .. ودي هي الحاجة الي خلتني ارجع افكر فيكي .. مش عشان اتجوز اي وحدة وخلاص .. ولا حتى عشان ولادنا .. لا .. عشان نقفل الحكاية الي ابتديناها واحنا صغيرين و فضلت مفتوحة من غير نهاية و نحطلها عنوان يليق بيها ..
فضلت عليا تبصلي شوية، وملامحها بين القبول والتردد .. و واضح ان كلامي اثر فيها …
وبعدين همست قالت : اديني وقت أفكر يا يحيى يمكن قلبي يصدق فعلًا كلامك الي قلته ده
ابتسمتلها رغم الألم، وقلت: لو مكانش عشانا احنا .. يبقى عشانهم هم .. عشانهم يا عليا
بعد ايام .. قربت أيأس من موافقة عليا .. كنت عايش تحت ضغط و توتر رهيب. مش لأني بحبها .. بس لأن ده هو احسن حل واقعي للي احنا فيه ده ..
و قبل ما الساعة تدق ١٢ بالليل .. عليا جاتلي أوضة المكتب .. و معاها قهوة .. خلتها قدامي .. و جلست بهدوء تبصلي وانا بشرب القهوة بعد ما شكرتها.. وانا باصص لها وعارف انها جايه عشان تعرفّني بقرارها ..
كنت قلقان بجد بس حاولت اخبي قلقي و خوفي عنها .. بس بعد شوية عليا نطقت
وقالت بصوت دافي اكتر ماهو صوت فرحان: انا .. فكرت في كلامك كتير يا يحيى .. و انا موافقة بس !
من جوايا فرحت و التوتر راح .. ماعرفش لو كانت فرحتي دي عشان قدرت احمي عيالي و عيلتي من انهم يضيعوا ولا عشان عليا فعلا هتبقى مراتي و هنرجع مع بعض نسقي زرع الحب مابينا عشان يعيش تاني و يكبر من جديد ..
قلتلها وانا احاول اخبي ابتسامتي من عنية: بس ايه يا عليا ؟
عليا: بس لي شرط واحد .. بس
قلتلها وانا مستغرب: شرط واحد بس؟ و ايه هو شرطك يا عليا؟
عليا: مانعملش فرح .. مجرد نِشهر جوازنا و زفة بسيطة بس ..
انا فهمت قصدها .. انا كمان كنت حاسس بتقل في موضوع الفرح ده. مع اني و**** كنت ناوي اعملها فرح زيها زي أي وحدة تتجوز و من حقها تفرح ..
انا: ليه طيب .. ده حقك ؟
عليا: عارفة و فاهمة .. بس ماليش وش افرح يا يحيى .. ارجوك .. ارجوك تفهمني و تقدر شرطي ده ..
وافقت على شرطها وقلتلها: خلاص .. انا مش هجبرك على حاجة انت مش مقتنعة فيها .. و مبروك علينا يا عليا
اتجوزنا…
عشان البيت يفضل عامر، وعشان الطفل يلاقي حضن أم، حتى لو مش أمه الحقيقية.
الي اتولد بيني وبين عليا ماكنش حب زي الي حبيته لأطياف، لكن كان فيه حاجة تانية… حاجة زي دفء البيت، و إحساس العيلة..
و مع كل يوم كان يعدي علينا .. كان حب جديد بيكبر ما بينا .. حب مختلف عن كل حب عشته من قبل .. حتى معاها هي ذاتها .. ايام ما كنت احبها قبل جوازها من باسل .. ، تقدروا تقولوا حب أُسري نظيف و حب الإستقرار و الاهتمام باعضاء العيلة الي جايين في السكة ..
شفت عليا وهي بتخلي بالها من طيف و شفت نظرات عنيها ليه الي كلها حنيه و دفا وحتى اعتذار .. كانت بتنزل دمعة من عنيها كل ما بتبصله من غير ما تحس .. حسيتها كانها فعلا جاية تكفر عن ذنبها لأطياف و تقسم شعور الأمومة الجديد الي تولد عندها مش بس ناخية ابنها الي قي بطنها و لكن برضه لطيف الي مكانش يفارق حضنها ..
بعد حوالي شهر
في يوم شتا، المستشفى اهتزت بصرخة *** جديد. الممرضة قربت مني وهي حاضنة المولود و تدهولي عشان احضنه وهو في اللفة، وعليا بتبتسم في وشي رغم تعبها. من كتر حبها لطيف رفضت انه يغيب عن عنيها .. عليا ولدت طبيعي و **** سهل عليها الولادة و هي بكامل وعيها .. عشان كده اول حاجة بصتلها بعد ما شافت النولود الجديد .. هو طيف كانها بتطمن عليه و كان واحشها ..
انقلابة كبيرة حصلت في شخصية عليا بعد ما ربت طيف و وولدت .. سيف .. ايوه .. سميناه سيف ..
مسكت البيبي الجديد ( سيف) ، وبصيت قدامي… سريرين صغيرين، طفلين نايمين جنب بعض!
قلبي كان بيرتعش، دموعي بتنزل، لكن المرة دي مش دموع قهر. قربت منهم ولمست راس كل واحد وقلتلهم بصوت مسموع: مش هسمح يحصل لكم اللي حصل ليا أنا وباسل… هتفضلوا إخوات… بقلب واحد… طول العمر
بعد مرور سنوات ..
كملت اختصاص طب نفسي و بقيت استاذ في قسم الطب النفسي في المستشفى .. و فتحت عيادة ناجحة لعلاج الامراض النفسية .. و بذلت كل جهدي عشان اساعد الناس الي مجروحة من جواها .. عشان الجرح الي يتشاف سهل انه يتضمد و يتعالج .. انما الحروح الي جوا ماحدش يقدر يشوفها .. دي لازم تتحس .. وعلاجها يبقى مختلف و محتاج صبر و ثقة في النفس ..
في يوم الاجازة .. كنت قاعد في جنينة البيت .. و الجو كان رايق و جميل .. و الاولاد كانوا برضو بيلعبوا قدامي ..
ما الاولاد كبروا .. وبقى عندهم سبع سنين .. فضلوا يلعبوا اليوم بحاله .. وانا مستمتع بالمشهد ده
لحد ما الشمس بقت بتنزل بهدوء، والنسمة كانت رايقة. و أنا لسه قاعد في الجنينة،و قدامي هما الاتنين: طيف الكبير، و سيف الصغير، بيلعبوا كورة سوا.
واحد بيقع، التاني بيجري يشيله. بيتخانقوا دقيقتين، وبعدها يضحكوا كأن مفيش حاجة حصلت.
فضلت أبص عليهم، وابتسم… أنا عارف إن أطياف وباسل لو شايفين المشهد ده، هيبتسموا هما كمان. لأني حافظت على الوعد… والبيت
ساعتها افتكرت صوت باسل وهو صغير، يوم ما قال لي: إحنا إخوات… ولو الدنيا كلها ضدنا احنا هنبقى مع بعض ..
بصيت لطيف و سيف، وقلت جوايا:
الوعد الي وعدتهولي يا باسل … انا الي هانفذه و احافظ عليه ..