NESWANGY

سجل عضوية او سجل الدخول للتصفح من دون إعلانات

سجل الان!

متسلسلة رماد البعث | السلسلة الأولى | الجزء الأول 1/11/2025

Dr Yousef

Dr Yousef
⚡️الراوي - بياع الكلام⚡️
فارس الكلمة
نجم ايدول
نمبر وان فضفضاوى
نسوانجى جنتل مان
افضل عضو
العضو الخلوق
اسطورة نسوانجي
نسوانجى مثقف
نسوانجي متفاعل
نسوانجي متميز
نسوانجي خفيف الظل
نسوانجي معلم
خبير صور
برنس صور
قناص صور
دكتور نسوانجي
أستاذ نسوانجي
نسوانجي كروي
نسوانجي عبقري
فارس الردود الذهبية
عضو
ناشر قصص
نسوانجي قديم
ناشر صور
مبدع
ناشر المجلة
فضفضاوي خبير
فضفضاوي برنس
شاعر نسوانجى
مستر نسوانجي
إنضم
25 يناير 2024
المشاركات
9,467
التعليقات المُبرزة
5
مستوى التفاعل
9,669
نقاط
48,579
رماد البعث ـــــ RAMAD EL-BA3TH

السلسلة الأولى

KsNJiJt.png


لم تكن تلك الليلة تشبه أي ليلة مرت علي في حياتي...
كنت واقفاً عند مدخل القاعة السابعة بالمتحف المصري الكبير، أتنفس هواءً يختلف عن كل قاعات المتحف.
الهواء هنا لم يكن مجرد هواءً يتميز بالبرودة الصناعية التي تحفظ الآثار، بل كان يحمل شيئاً… شيئاً يشبه الذاكرة.
ذاكرة من آلاف السنين تُستعاد في كل نفس ألتقطه، كأن الحجارة نفسها تتنفس معي وتهمس بلغتها القديمة التي لم تعد تُسمع.

كنت أراقب الأضواء المنعكسة على الجدران الحجرية، وهي ترسم ظلالاً لتماثيل الآلهة كأنها تتحرك ببطء.
أقسم أنني لمحت تمثال الإله "مين أو منو كما تنطق في المصرية القديمة" — شامخاً، فخوراً، نصفه في الضوء ونصفه في الظل — وكأنه ينتظر شيئاً.
ذلك الشعور الذي يسبق العاصفة، الهدوء المتوتر، كان يملأ المكان حتى الثمالة.

أنا يونس الراوي، عالم آثار شاب في أوائل الثلاثينيات.
واحداً من الفريق العلمي المشرف على تجهيز المتحف المصري الكبير لليلة الإفتتاح الكبرى.
مهمتي كانت محددة: التأكد من سلامة المقتنيات الخاصة بقاعة الإله مين، إله القوة الذكورية والخصوبة، وبشكل شخصي إستكمال آخر البيانات اللازمة لرسالة الدكتوراه التي أعمل عليها منذ ثلاث سنوات.
رسالتي تدور حول طقوس الخصوبة عند الإله مين، وكيف تطورت رموزه من العصر البدائي إلى ذروة الدولة الحديثة.

لكن، في تلك الليلة، لم أكن أفكر في البحث الأكاديمي بقدر ما كنت غارقاً في شعور غريب يصعب شرحه.
منذ أسابيع وأنا أشعر بشيء غير طبيعي كلما إقتربت من هذه القاعة.
كأن شيئاً فيها يراقبني… أو ينتظرني.

في منتصف القاعة، كان تمثال الإله مين يقف شامخًا، ضخماً، منحوتاً من الجرانيت الأسود،
ممسكاً بعصاه الرمزية التي تمثل القوة الذكورية والخصوبة.
عيناه الحجرية كانتا تلمعان تحت ضوء خافت، تعكسان وهجاً ذهبياً متقطعاً كلما مر تيار كهربائي عبر نظام الإضاءة الجديد.
لم أستطع أن أحدد إن كان ذلك مجرد صدفة في الضوء، أم أن الحجر نفسه كان يتنفس.

حول التمثال، كانت المقتنيات المرتبطة به مصطفة بعناية:
تمائم على شكل زهرة اللوتس، عصي طقسية، وأوان صغيرة كانت تُستخدم في إحتفالات الخصوبة القديمة.
لكن أكثر ما كان يلفت النظر، قطعة أثرية صغيرة الحجم نسبياً، موضوعة داخل صندوق زجاجي منفصل.
قرص حجري من الحجر الجيري، قطره لا يتجاوز ثلاثين سنتيمتراً، محفور عليه نقش دقيق يصور الإله مين في طقوس إحتفاله السنوي.
كانت تلك القطعة تُعرف بيننا باسم "قرص البعث" — وهو الإسم الذي أطلقه زملائي عليها مازحين،
لأنها كانت ترتبط بأسطورة غامضة تتحدث عن إن "رماد البعث" يمنح قوة الخصوبة لمن يلمسه، كأن الحياة نفسها تنبع من بين ذراته. لكنها، في الحقيقة، لم تكن سوى قطعة عادية من وجهة نظر العلم… حتى تلك الليلة.



KsNoEPe.md.jpg

كان كل شيء يسير على ما يرام.
الفريق الفني أنهى الفحص، والإضاءة كانت مستقرة، والقاعة مغلقة إلا على عدد محدود منا.
كنت أراجع آخر الملاحظات، أقف أمام القرص الزجاجي وأتأمل النقوش التي أحفظها عن ظهر قلب.
لكن تلك الليلة كان للنقوش بريق مختلف.
شعرت وكأنها تتحرك ببطء، تتنفس هي الأخرى.

أخرجت دفتري الصغير، وبدأت أكتب بعض الملاحظات السريعة عن حالة النقش، حين حدث الأمر.

دوى صوت خافت في السقف،
صوت يشبه الشرارة الكهربائية، أعقبه وميض أزرق خاطف ملأ القاعة كلها.
إرتعش الضوء، ثم عاد خافتاً.
ظننت أول الأمر أنه خلل عابر في نظام الكهرباء — لكنني لاحظت شيئاً آخر:
هواء القاعة أصبح أثقل، دافئاً على نحو غير طبيعي،
وكأن أحدهم أشعل ناراً غير مرئية في الجدران.

ثم حدثت اللحظة التي غيرت كل شيء.

القرص الحجري بدأ يصدر إهتزازاً خفيفاً داخل الصندوق الزجاجي،
في البداية كان الأمر أشبه بإهتزاز صادر من جهاز كهربائي،
لكن خلال ثوانٍ، بدأ سطح الحجر يتشقق في صمت،
ثم إنبعث منه وميض خافت كأن شيئاً ما في داخله يحترق.
تقدمت خطوة إلى الأمام، لا إرادياً، أحاول أن أرى ما يجري.

وفجأة… إنطفأت الأضواء تماماً.

سكون تام.
ثم صوت واحد، حاد، خافت، يشبه الزفير الأخير لحجر يموت.

—————————————————————

عندما عادت الإضاءة بعد ثوانٍ قليلة، لم أصدق عيني.
القرص أختفي.
كل ما تبقى منه كان رماداً رملياً يتوهج ببقايا ضوء داخلي باهت.

إقتربت ببطء، لا أدري لماذا لم أصرخ أو أستدعِ أحداً من الفريق،
كأن الغريزة القديمة في داخلي كانت تعرف أن ما يحدث لا يجب أن يُرى.
مددت يدي — بلا وعي تقريباً — ولمست الرماد.



Ks8YSfa.md.jpg

كان دافئاً، دافئاً بطريقة لا تُصدق.
ليس دفء مادة محترقة، بل دفء شيء حي.
وفي اللحظة التي لامست فيها أصابعي تلك البقايا،
شعرت بأن تياراً هائلاً إندفع في جسدي،
ليس كهرباء، بل شيء أعمق… شيء يشبه إرتجاف الأرض تحت المطر.

سحبت يدي بسرعة، لكن الأوان كان قد فات.
شعور غريب إجتاحني، مزيج من الدهشة والخوف والإرتباك.

كنت أسمع دقات قلبي تتصاعد كأنها طبول إحتفال فرعوني قديم،
تختلط بأنفاسي المتقطعة ورائحة الرماد الحي التي غزت المكان.
لم يكن رماداً عادياً؛ كان له عبير غريب، مزيج من تراب مبتل وشيء يشبه المسك الخام،
عبير يجعل الحواس تدور، يوقظ في الجسد رغبة في الحياة لا تفسير لها.

في تلك اللحظة، شعرت أن القاعة كلها تدور ببطء.
تمثال "مين" بدا وكأنه يتحرك في الظل،
وجهه الصارم إتجه نحوي للحظة واحدة — أو ربما كان خيالي يلعب بي —
لكنه نظر إلي حقاً، أنا متأكد.
كان في عينيه ضوء… ضوء يشبه وعداً قديماً لم أفهمه بعد.

ثم فقدت توازني، وأستندت إلى قاعدة التمثال.
الهواء أصبح أثقل، أدفأ، كأنني محاط بطاقة غير مرئية تضغط على صدري وتغلي في عروقي.
وفجأة، أختفي كل شيء.

حين فتحت عيني، وجدت نفسي جالساً على الأرض، والقاعة ما تزال مظلمة إلا من بريق أزرق خافت ينبعث من السقف.
القرص أختفي تماماً.
لم يتبق سوى الرماد المتناثر،
لكن الأغرب أن النظام الأمني لم يُصدر أي إنذار.
لم يُسجل أي خلل في الكاميرات.
كأن ما حدث لم يره أحد غيري.

أخذت نفساً عميقاً وأنا أسمع دقات قلبي تزداد إنتظاماً.
لكن الغرابة لم تتوقف عند هذا الحد.
كنت أشعر بطاقة خفية تتحرك داخلي، كأن الدم في عروقي أصبح أكثر حرارة،
كأنني أستطيع أن أسمع صوت نبض العالم من حولي.

حاولت أن أستجمع تركيزي، لكن جسدي لم يطاوعني.
لم تكن قوة مرهقة… بل كانت طاقة.
دفء غامض يتسرب من صدري نحو أطرافي، يتجمع في نقطة ما لا أجرؤ على تحديدها.

في تلك اللحظة، تذكرت مشهداً من الماضي — صورة محفورة بعمق في ذاكرتي — كنت في الواحات قبل عامين، أعمل ضمن بعثة أثرية صغيرة على أطراف معبد مهجور مكرس للإله مين.
المكان كان نائياً، لا صوت فيه إلا الرياح التي تمر كأنها رسائل من زمن غابر.
في الليلة الثالثة من مكوثنا، جلسنا حول النار نتبادل الأحاديث.
كانت معي دكتورة تُدعى "سلمى"، أستاذتي ومشرفتي على الرسالة،
إمرأة قوية الملامح، يختلط في صوتها الحزم بالحنين،
وكانت من القلائل الذين يتحدثون عن الأساطير الفرعونية بروح من يؤمن بها، لا من يدرسها فقط.

قالت لي تلك الليلة وهي تحدق في الظلام:

ـــــ هل تعلم يا يونس أن الإله مين لم يكن إله خصوبة فقط؟
بل كان رمزًا لبعث القوى الكامنة في الأرض والإنسان.
كانت طقوسه تدور حول إستدعاء الحياة من الرماد،
كانوا يؤمنون أن هناك رماداً مقدساً،
إذا لمسه من إختير له، إنبعثت فيه طاقة الخلق ذاتها.


ضحكتُ يومها وقلت:

ـــــ رماد يبعث الحياة؟ يبدو كأنه خرافة.


إبتسمت وقالت بنبرة غامضة:

ـــــ كل خرافة يا يونس تبدأ كحقيقة لم يجد الناس طريقة لشرحها.


ثم أخرجت من حقيبتها قطعة حجرية صغيرة عليها نقش غريب يشبه شعلة تتصاعد من رماد.
قالت إنها صورة رمزية لطقس اسمه "بعث التراب".
لم أكن أعلم حينها أنني بعد عامين فقط، سأقف أمام قرص بعث التراب نفسه في المتحف…
وألمسه كما لمسه الكهنة من آلاف السنين.

—————————————————————

إستفقت من شرودي على صوت زميل يناديني من بعيد،
لكني كنت أشعر أن جسدي لم يعد كما كان.
كل خلية في كانت نابضة، يقظة، مشتعلة كأنها خرجت من سبات طويل.
حتى رؤيتي تغيرت: الألوان أكثر وضوحاً،
الظلال أعمق،
وصوت تنفسي كأنه موج بحر قديم يرتطم بشاطئ داخلي لا نهاية له.

خرجت من القاعة متماسكاً بقدر ما أستطيع،
لكن داخلي كان يغلي.
كنت أعلم أن ما حدث لا يمكن تفسيره بالعقل،
ولا أستطيع أن أبوح به لأحد الآن،
لأنني نفسي لا أملك له تفسيراً.

وفي تلك الليلة، حين عدت إلى منزلي، لم أستطع النوم.
كلما أغمضت عيني، كنت أرى التمثال…
عيناه تلمعان في الظلام كأنهما تراقبانني.
أسمع صوته — أو أتوهمه — يهمس بلغات قديمة نسيتها الأرض.

كنت أعلم أن ما جرى لم يكن صدفة.
لكنني لم أكن مستعداً بعد لفهمه.

إستيقظت متأخراً في صباح اليوم التالي.
لم أسمع صوت المنبه، ولم أتذكر حتى كيف وصلت إلى سريري.
كانت الغرفة غارقة في ضوء رمادي باهت،
والهواء يحمل رائحة الرماد ذاته الذي التصق بي في الليلة السابقة.

غسلت وجهي أكثر من مرة،
لكن إحساسي بثقل في صدري لم يفارقني.
عندما نظرت في المرآة، لاحظت شيئاً غريباً —
عيني لم تعودا كما كانتا،
اللون الداكن في البؤبؤ بدا أعمق،
وكأن داخله بحر كامل لا نهاية له.

حاولت أن أتجاهل الأمر، جمعت أوراقي وذهبت إلى المتحف.
الطريق كان مزدحماً كعادته،
لكنني كنت أسمع أصوات الناس بوضوح غير مألوف؛
كل همسة، كل ضحكة، كل تنهيدة.
وكأنني أصبحت أعيش داخل تردد آخر للعالم.

عند البوابة، كان المشهد غير عادي:
الحرس في حالة إرتباك،
وفريق الأمن يراجع الكاميرات بتوتر.

إقتربت من "محمود"، زميلي في الفريق الأمن،
فسألته:

ـــــ فيه إيه يا محمود؟


رد وهو يقلب في شاشة المراقبة:

ـــــ ماعرفش يا يونس… حصل خلل غريب في نظام الكهرباء الساعة 2:17 بالضبط.
كل القاعات إتأثرت لحظات، إلا القاعة السابعة…
فيها حاجة مش مفهومة.


تجمدت ملامحي.

ـــــ مش مفهومة إزاي؟


ـــــ الكاميرا سجلت ضوء قوي للحظة واحدة،
وبعدين الشاشة بقت سودة… وبعدها رجعت عادية كأن مافيش حاجة حصلت.


صمت، أحاول ألا يبدو وجهي مذعوراً.

ـــــ والتمثال؟


ـــــ سليم. لكن القرص الذهبي مش موجود.
مافيش أثر له خالص.


في تلك اللحظة، شعرت بإرتباك داخلي لا يشبه الخوف،
بل خليط من الذنب والدهشة.
كنتُ الوحيد الذي يعلم ما حدث،
لكن ما الذي يمكنني قوله؟ إن القرص تحول إلى رماد؟
إنني لمسته فدخل في شيء؟

جلست إلى مكتبي أحاول التركيز،
لكن صوتاً مألوفاً جعلني أرفع رأسي فجأة.

كانت "سلمى".
نعم، د. سلمى التي لم أراها منذ عامين.
وقفت عند باب المكتب بوقار غريب،
ترتدي ملابس أنيقة بلون ترابي يشبه حجارة المعابد القديمة.

إبتسمت وقالت بهدوء:

ـــــ لم أتوقع أن أراك هنا بهذه السرعة، يا يونس.


شعرت أن كلماتها تحمل شيئاً أكثر من التحية.

ـــــ وأنا لم أكن أتوقع أن أراك أنتِ أصلاً. سمعتِ عن اللي حصل؟


هزت رأسها ببطء:

ـــــ سمعت. ولهذا أتيت.


ـــــ أنتِ ليكِ علاقة بالتحقيق؟


ـــــ ليس تماماً. جئت لأنني أعرف ما الذي فقدتموه.


إرتفع قلبي في صدري.

ـــــ أنتِ… تعرفين القرص؟


نظرت إلي نظرة غريبة، فيها شيء من الحزن،
وقالت بصوت منخفض:

ـــــ كنت أظن أنه لم يُخلق بعد من يستطيع لمسه.


تجمدت يدي فوق الطاولة،
والغرفة كلها بدت وكأنها تنكمش من حولي.

ـــــ إزاي؟ أنتِ بتتكلمي عن إيه؟


إقتربت خطوة،
وفي الضوء الخافت لاحظت أن عينيها تغير لونهما للحظة —
لون رماد محروق يتلألأ فيه بريق ذهبي خفيف.

ـــــ القرص الذي إختفى ليس مجرد قطعة أثرية يا يونس،
بل هو ختم لطقس قديم جداً،
طقس البعث من الرماد…
ومن يلمسه، لا يعود كما كان.


شعرت ببرودة تسري في عروقي رغم الحرارة في الغرفة.
كانت نظراتها تنفذ إلى داخلي كأنها ترى ما تغير في.
لم أستطع الرد.
فقط نظرت إليها وأنا ألتقط أنفاسي بصعوبة.

ـــــ إنتِ بتتكلمي عن أسطورة؟


إبتسمت إبتسامة غامضة.

ـــــ كل الأساطير يا يونس تبدأ بإنسان واحد قرر ألا يخاف مما لا يفهمه.


ثم وضعت ملفاً صغيراً على مكتبي وقالت:

ـــــ إقرأ هذا الليلة. ستعرف من أين بدأت القصة الحقيقية.


وقبل أن أقول شيئاً، خرجت.
لكن حين لحقت بها بعد ثوانٍ قليلة، لم أجدها.
الممر كان خالياً،
كأنها لم تكن هنا أبداً.

—————————————————————

في تلك الليلة، جلست في غرفتي أفتح الملف.
كانت أوراقاً مصفرة، مكتوبة بخط قديم،
تسرد أسطورة عن كاهن خدم الإله "مين" قبل أكثر من أربعة آلاف عام.
كان يُدعى "نِس مِنو
ويُقال إنه أول من شهد طقس رماد البعث.

الأسطورة تقول إن "نِس مِنو" لمس الرماد بعد إحتراق "قلب النور"،
فمنحته الحياة من جديد،
لكن بثمن باهظ:
أن يعيش مقيداً بين العالمين،
يرى ما لا يُرى، ويسمع ما لا يُسمع،
حتى يأتي من يحمل دمه من جديد ويُعيد الطقس إلى الحياة.

قرأت الجملة الأخيرة مرتين.
ثم لاحظت شيئاً كُتب على الهامش بخط مختلف:

ـــــ ددمم الكاهن لم ينتهِ، بل تفرع…
وكل من يدرس عن مين، يقترب من البعث دون أن يدري.


تسمرت عيناي على السطر الأخير،
وقررت في تلك اللحظة أن أعود إلى القاعة السابعة —
ليس كعالم آثار،
بل كمن يبحث عن نفسه.


كانت القاعة مظلمة إلا من شعاع القمر المتسلل من السقف الزجاجي.
إقتربت ببطء من قاعدة التمثال،
لكن قبل أن ألمسها،

سمعت صوتاً خافتاً خلفي —
صوت أنثوي يهمس باسمي:

ـــــ يونس...


إستدرت،
لكن لم يكن هناك أحد.
فقط الظل، والهواء الذي أخذ يبرد فجأة.

ثم رأيت شيئاً لم أره من قبل:
في وسط القاعة، بدأ يتحرك الرماد المتناثر على الأرض.
لم يكن بفعل الهواء.
بل كأنه حي.
يتجمع ببطء، يرسم دوائر حول قدمي التمثال،
حتى كون شكل عين مفتوحة تلمع في الظلام.

وتلك اللحظة… كانت البداية الحقيقية.

الرماد بدأ يدور حول نفسه في دوائر متسارعة.
كنت أراقبه مأخوذاً، لا أعرف إن كنتُ أحلم أم أعيش يقظةً غريبة.
هواء القاعة تغير، صار ثقيلاً… كأن جدرانها تنبض ببطء،
وصوت خافت بدأ يتسلل إلى أذني، لم أستطع تحديد مصدره.

همس، أقرب إلى تراتيل…
كلمات غريبة بلغة لم أدرسها قط،
لكن شيئاً في داخلي كان يفهمها.
كانت تدور حول "البعث من الرماد
حول "من يُختار ليُبعث بالنار لا بالموت".

إقتربتُ أكثر.
الرماد لم يعد رماداً،
بل كتلة من الضوء الذهبي المائل إلى الأحمر،
تتراقص على الأرض في شكل قلب نابض.

مددتُ يدي دون وعي…
في اللحظة التي لامستُه فيها،
شعرتُ وكأن شرارة هائلة إخترقت جسدي كله.
رأيتُ الضوء يملأ عيني من الداخل،
وصوت خافت يهمس بإسمي كما لو كان يخرج من صدري أنا.

ـــــ يونس… أنتَ الوريث…


وقبل أن أصرخ، إنطفأ كل شيء.
القاعة غمرها الظلام،
ورائحة إحتراق خفيفة ملأت الهواء.
وقفت أتنفس بصعوبة،
أنظر إلى يدي — كانتا ترتجفان،
وعلى جلدي خطوط دقيقة لامعة كأنها رموز محفورة من ضوء.

سمعت فجأة صدى صوت قديم في رأسي،
صوت رجل عجوز يضحك،
ثم مشهد غريب اجتاحني كوميض:


*** صغير يجري في باحة معبد قديم بالأقصر،
تتبعه أمه وهي تصرخ باسمه:

ـــــ يونس! لا تلمس الجدار!
لكنه يلمسه،
فيسمع خفقاناً داخله —
تماماً كما يسمعه الآن.


عدتُ إلى الواقع وأنا ألهث.
القاعة خالية، لكن الرماد إختفى.
على الأرض بقايا خفيفة من أثر دائري،
وعلى جدار القاعة — خلف تمثال الإله مين —
ظهرت نقوش جديدة لم تكن هناك من قبل.

تقدمت ببطء.
الرموز كانت دافئة كأنها محفورة للتو.
قرأت ما إستطعتُ قراءته:

ـــــ حين يعود حامل الدم،
سيستيقظ الرماد،
وسيعرف الجسد معنى الخلق من جديد.

لم أفهم كل المعنى،
لكن قلبي خفق بقوة غير طبيعية،
وكأن الطاقة التي لمستها بدأت تتحرك داخلي في دوائر غير مرئية.

خرجت من القاعة متثاقلاً.
الهواء خارجها كان مختلفاً —
كأن شيئاً في العالم تغير، لا أعرف ما هو.

—————————————————————

في اليوم التالي، بدأت ألاحظ أموراً أغرب.
نظرات الناس نحوي لم تعد كما كانت.
كل إمرأة أتحدث إليها كانت تنظر إلى وجهي بطريقة لا أستطيع تفسيرها،
نظرة مختلطة بين الفضول والإضطراب،
وكأن في صوتي شيئًا يدفعهم للإصغاء أكثر مما يجب.

كنت أحاول إقناع نفسي أن ما يحدث توهم،
لكن كلما تحدثت، كلما شعرت بأن الكلام يخرج مني بثقل غريب،
يشبه الحلم حين يتحول إلى واقع.

في الظهيرة، وجدت رسالة قصيرة على مكتبي.
ورقة صغيرة كُتب عليها بخط أنيق:

ـــــ الطاقة لا تمنح إلا لمن يستطيع إحتمالها.
ـــــ س.


لم أكن بحاجة لأن أسأل من كتبها.
سلمى…


تلك الليلة، جلست أراجع ملفها الشخصي القديم في سجلات البعثة.
كانت متخصصة في "الأساطير المقارنة للخصوبة والبعث
لكنها إنسحبت فجأة قبل عامين بعد إصابة غامضة في إحدى البعثات في الواحات.
الملف ذكر شيئاً عجيباً:
أنها كانت تدرس نصاً مفقوداً عن طقس يُعرف بأسم "ميلاد النار الثانية
يرتبط بالإله "مين" وبكاهنه "نِس مِنو" تحديداً.

مع منتصف الليل، لم أتحمل الفضول.
ذهبت إلى المتحف من جديد،
القاعة السابعة كانت مغلقة رسمياً، لكنني كنت أملك المفاتيح.

حين دخلت، كان كل شيء ساكناً.
لكن الهواء… الهواء كان ينتظرني.
كأن الجدران تعرف قدومي.

إقتربت من الجدار الذي ظهرت عليه النقوش الجديدة،
وقبل أن ألمسه، سمعت صوتاً خلفي يقول:

ـــــ أخبرتك ألا تعود وحدك، يونس.


إستدرت بسرعة.
كانت سلمى تقف عند الباب،
شعرها منسدل،
وعينيها تلمعان بنفس البريق الرمادي الذي رأيته في الصباح.

ـــــ إنتِ كنتِ بتراقبيني؟


ـــــ بل أراقب ما يراقبك.


سكت، لا أعرف بماذا أرد.
إقتربت خطوة، وقالت بهدوء:

ـــــ الرماد الذي لمسته، ليس رماداً عادياً.
إنه أثر من طقس النور الخصِب.
ومن ينجو من لمسه… يُصبح حاملاً لقوة الخلق نفسها.


ـــــ قوة الخلق؟ تقصدي…


ـــــ الخصوبة.


صمتنا لحظة طويلة،
حتى شعرت أن أنفاسي تتزامن مع أنفاسها.
ثم همست وهي تقترب أكثر:

ـــــ ستبدأ النساء في رؤيتك بطريقة مختلفة.
ليس لأنك تبدلت من الخارج،
بل لأن ما فيك صار يوقظ ما فيهن.


أرتجف صوتي:

ـــــ يعني أنا… خطر؟


إبتسمت، إبتسامة حزينة لكنها عميقة:

ـــــ كل قوة لا تُفهم تُصبح خطراً في البداية.
لكن ربما كنت أنتَ الذي انتظرناه منذ آلاف الأعوام.


وقبل أن أرد، إنطفأت الأضواء فجأة،
وسُمعت همهمة تشبه الترانيم القديمة تتصاعد من حولنا.
النقوش على الجدار بدأت تلمع،
وسلمى مدت يدها نحوي بسرعة:

ـــــ يونس، لا تلمس الضوء هذه المرة!


لكن جسدي لم يُطِعها.
تقدمت خطوة،
ولمست النقش المتوهج.

كانت آخر ما رأيته قبل أن يغمرني الضوء،
عين الإله "مين" تفتح ببطء من الحجر،
ونظرة سلمى الممتزجة بالخوف والإدراك العميق،
قبل أن أسمع صوتاً داخلياً يقول بوضوح:

ـــــ لقد بدأ البعث فعلاً…


ثم ساد الصمت.

يتبع...

—————————————————————

تم الإستعانة بـــ ("GeminiGoogle " Google's AI assistant) لإنشاء الصور طبقاً لوصف تفصيلى مدروس بعناية...

الفكرة جائتني بمناسبة إفتتاح المتحف المصري الكبير وهي إهداء للمنتدي بهذه المناسبة


يوم ملهم للمصريين ليس غروراً لكن تاريخنا لم يدع لنا مجالاً للتواضع



Ks88mRp.md.jpg
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
نسوانجي كام أول موقع عربي يتيح لايف كام مع شراميط من أنحاء الوطن العربي
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 

المواضيع المشابهة

عودة
أعلى أسفل
0%