NESWANGY

سجل عضوية او سجل الدخول للتصفح من دون إعلانات

سجل الان!

مكتملة الراصد ـ عشرة أجزاء 20/12/2025 ( المشاهدين 4)

الأدهم

Devil
عضو
ناشر قصص
نسوانجي قديم
إنضم
26 نوفمبر 2021
المشاركات
235
التعليقات المُبرزة
3
مستوى التفاعل
183
نقاط
1,170
مرحبا بكم اعزائي مره أخري في عالم الادهم
نحن الآن بصدد الغوص في عالم بطل اخر غير سريج
نحن الان في اعماق الراصد
الجزء الأول: الشذوذ الإحصائي
الفصل الأول: النقطة العمياء
لم يكن وجه "ياسين عبد الحميد" من الوجوه التي تعلق في الذاكرة بسهولة؛ بل كان من ذلك النوع الذي صُمم ليتماهى مع الخلفية، ليشبه آلاف الموظفين الذين يعبرون شوارع وسط البلد كل صباح بوجوه رمادية خالية من التعبير. في الثانية والثلاثين من عمره، لكن انحناءة كتفيه الدائمة وتلك الأخاديد الرفيعة التي حفرها الأرق حول عينيه كانت تمنحه هيئة رجل يوشك على توديع عقده الرابع.
كان نحيل الجسد بصورة مقلقة، كأنما يستهلك عقله كل السعرات الحرارية التي تدخل جسمه في عمليات حسابية لا تتوقف. شعره أسود فاحم، أشعث دائماً وكأنه في عراك دائم مع وسادته، وبشرته شاحبة بلون الورق القديم، نادراً ما تلمسها شمس الظهيرة. لكن كل تلك الملامح العادية كانت تتلاشى تماماً إذا ما قررت النظر في عينيه.
عينان واسعتان، لونهما بني غامق يميل للسواد، لكنهما لا تستقران أبداً. بؤبؤ عينيه كان يتسع ويضيق بنسق غريب، وكأنه عدسة كاميرا تحاول ضبط البُعد البؤري باستمرار. لم تكن نظراته "ترى" الأشياء كما يراها البشر، بل كانت تفككها. إذا نظر إليك، لا يرى قميصك، بل يرى الخيط المرتخي في الزر الثالث، وبقعة القهوة الباهتة على الكم الأيسر، واهتزازة جفنك التي تفضح توترك. كان يرتدي نظارة طبية بإطار أسود سميك، لا ليصحح بصره، بل ليضع حاجزاً زجاجياً بين عينيه "المفترستين" وبين العالم، وكأنه يحمي الناس من حدة بصيرته لا العكس.
كان يجلس الآن في مكتبه بالطابق السابع في "الهيئة العامة للإحصاء والبيانات"، والغرفة غارقة في ظلام دامس إلا من وهج ثلاث شاشات كمبيوتر عملاقة تحيط به كحصن إليكتروني. الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، وصوت أزيز السيرفرات (Servers) في الغرفة المجاورة هو الصوت الوحيد الذي يكسر صمت المبنى الحكومي العتيق.
توقف ياسين عن النقر على لوحة المفاتيح، ومد يده ليمسك بكوب القهوة البارد، وارتشف رشفة مريرة وهو يحدق في سيل الأرقام الذي يتدفق أمامه كشلال من البيانات الخام.
انفتح باب المكتب فجأة، ودخل ضوء الممر الأصفر القوي، ومعه "صلاح"، حارس الأمن الليلي، يحمل مصباحاً يدوياً وكيس شطائر.
قال صلاح بصوته الخشن وهو يغلق الباب خلفه:
"يا ساتر يا رب.. يا أستاذ ياسين، قطعت خلفي! قاعد في الضلمة دي إزاي؟ ما تنور النور يا ابني، عينيك هتروح منك."
لم يرفع ياسين عينيه عن الشاشة، بل استمر في تتبع سطر معين من البيانات، وتمتم بصوت هادئ أجش من قلة الكلام:
"النور بيعمل دوشة يا عم صلاح.. دوشة في عيني بتخليني مش عارف أركز في الأرقام."
ضحك صلاح وهو يضع كيس الشطائر على طرف المكتب المكدس بالأوراق:
"دوشة إيه بس؟ دي لمبة نيون! المهم، أنا جبتلك ساندوتشين فول زي ما طلبت، بس والنبي يا شيخ ما تطولش النهاردة.. المدام بتزن عليا في التليفون وعايز أروح بدري أول ما الوردية تخلص."
أخيراً، أدار ياسين كرسيه ببطء، وخلع نظارته ليمسح عدساتها بطرف قميصه الكاروهات الباهت. نظر لصلاح نظرة فاحصة جعلت الرجل العجوز يرتبك ويرجع خطوة للوراء دون سبب مفهوم.
قال ياسين بهدوء:
"تسلم إيدك يا راجل يا طيب.. بس قولي، هو أنت غيرت نوع الدوا بتاع الضغط؟"
اتسعت عينا صلاح بذهول:
"أنت عرفت منين؟ ده أنا لسه مغيره امبارح، الدكتور كتبلي نوع مستورد غالي أوي."
أشار ياسين بإصبعه النحيل نحو جيب بنطال صلاح:
"أيدك بتترعش رعشة خفيفة أوي مش عادتك، وشفايفك ناشفة زيادة عن اللزوم.. دي أعراض جانبية للنوع الجديد اللي فيه مادة مدرة للبول.. خلي بالك واشرب مية كتير."
ضرب صلاح كفاً بكف وهو يهم بالخروج:
"يا ساتر.. و**** يا ابني أنت لا ليك في الجن ولا العفاريت، أنت بس عينك مصفاة.. يلا تصبح على خير، وكُل اللقمة قبل ما تبرد."
خرج الحارس، وعاد الظلام يبتلع الغرفة. ارتدى ياسين نظارته، وعاد لعالمه. العالم بالنسبة له لم يكن بشراً ومشاعر، بل كان "أنماطاً". الكون كله عبارة عن معادلة رياضية ضخمة، وكل حركة، كل نَفَس، كل ورقة شجر تسقط، هي جزء من معادلة. المشكلة أن الناس لا يرون المعادلة.. يرون الفوضى فقط. لكن هو.. هو يرى الخيوط.
على الشاشة الوسطى، كان هناك برنامج يعرض "تقارير الوفيات اليومية" الواردة من مكاتب الصحة على مستوى الجمهورية. عمله الروتيني هو تصنيف أسباب الوفاة لإعداد التقرير السنوي للوزارة. عمل ممل، رتيب، ويناسبه تماماً.
لكن الليلة.. الليلة حدث شيء جعل "الخيط" يلمع في عقله.
مد إصبعه وضغط زر (Enter). انقسمت الشاشة إلى خريطتين: واحدة لمنطقة "الزمالك" الراقية، والأخرى لمنطقة "بولاق الدكرور" الشعبية.
همس لنفسه:
"مش منطقي.."
توقف المؤشر عند اسمين:
  • الدكتور عز الدين مختار: (65 سنة)، أستاذ فيزياء فلكية، توفي في شقته بالزمالك. السبب: سكتة قلبية مفاجئة.
  • الأسطى خميس الديب: (42 سنة)، ميكانيكي سيارات، توفي في ورشته ببولاق. السبب: سكتة قلبية مفاجئة.
الفارق الطبقي والاجتماعي بين الاثنين شاسع كالفارق بين الأرض والسماء. لا يوجد رابط. هذا ما سيقوله أي شخص عاقل.
لكن ياسين لم يكن ينظر للأسماء، بل كان ينظر لشيء آخر.. التوقيت.
توقيت الوفاة المسجل في شهادة الدكتور عز الدين: 11:11:43 مساءً.
توقيت الوفاة المسجل في شهادة الأسطى خميس: 11:11:43 مساءً.
نفس الثانية.
"صدفة.." قالها ياسين بصوت مسموع ليقنع نفسه. احتمالية حدوث سكتة قلبية لشخصين في نفس الثانية موجودة إحصائياً، وإن كانت نادرة.
حرك يده بسرعة، وكتب "كود" بسيطاً للبحث في قاعدة البيانات عن أي وفيات أخرى في نفس التوقيت خلال الـ 24 ساعة الماضية في محافظات أخرى.
دارت أيقونة التحميل لثوانٍ بدت كالدهر، ثم ظهرت النتيجة.
ظهر اسم ثالث.
* الشيخ عبد التواب المراكبي: (70 سنة)، مؤذن **** في دمياط. توفي وهو يرفع أذان العشاء. السبب: سكتة قلبية مفاجئة.
نظر ياسين للتوقيت المسجل يدوياً من مفتش الصحة بدمياط. كان مكتوباً "حوالي الحادية عشرة والربع".
لكن ياسين لم يكتفِ بذلك. فتح نافذة أخرى، ودخل على أرشيف "كاميرات المراقبة" الخاص بوزارة النقل (بصلاحيات لا يملكها رسمياً، لكنه استعار كلمة سر مديره الغافل). بحث عن ميدان قريب من المسجد في دمياط.
وجد كاميرا لمحل بقالة تطل على المسجد. قدم الفيديو حتى وصل للحظة التي سقط فيها المؤذن من الشرفة الخشبية للمئذنة الصغيرة. نظر إلى التوقيت الرقمي أسفل الفيديو.
11:11:43 مساءً.
تجمدت الدماء في عروقه. ثلاثة أشخاص، في أماكن متباعدة، ماتوا في نفس اللحظة بالملي ثانية. والأغرب.. أن الثلاثة ماتوا وقلوبهم توقفت كأن مفتاح الكهرباء قد فُصل عنها فجأة.
أخرج هاتفه المحمول، واتصل بزميله "مجدي"، طبيب التشريح في مشرحة زينهم.
جاء صوت مجدي ناعساً ومخنوقاً:
"ياسين؟ أنت عارف الساعة كام يا مجنون؟"
قال ياسين بسرعة، وعيناه مثبتتان على الشاشة:
"مجدي، فوق معايا. جالك جثث النهاردة باسم عز الدين مختار أو خميس الديب؟"
تثائب مجدي:
"أه.. الدكتور بتاع الزمالك والميكانيكي.. وصلوا من ساعتين تلاتة. حالات وفاة طبيعية، هياخدوا تصريح دفن الصبح. بتسأل ليه؟ يقربولك؟"
"مجدي، اسمعني كويس. أنا عايزك تنزل المشرحة دلوقتي حالا.. وتبص على حاجة واحدة بس."
"أبص على إيه يا عم؟ ما تقرفناش بقى."
قال ياسين بصوت يملؤه اليقين المرعب:
"بص في عنيهم.. قولي لون القزحية إيه. ولو قدرت، صورلي شبكية العين وابعتها."
"ياسين، أنت شارب حاجة؟ الناس دي ميتة بقلبها، مال عينيها بالموضوع؟"
صرخ ياسين لأول مرة، صرخة جعلت صوته يرتد من جدران المكتب الخالية:
"اعمل اللي بقولك عليه يا مجدي! في نمط.. في نمط ابن كلب بيحصل والناس دي مماتتش صدفة. الناس دي اتطفت!"
أغلق ياسين الخط، لكن الهاتف ظل معلقاً في يده وكأنه قطعة جليد تلسع جلده. الصمت عاد ليخيم على الغرفة، لكنه لم يعد صمتاً مريحاً؛ كان صمتاً مشحوناً، ثقيلاً، كأن الهواء نفسه قد تكثف ليصبح سائلاً لزجاً يعيق التنفس.


على الشاشة، كان فيديو الشيخ عبد التواب لا يزال متوقفاً عند اللحظة الأخيرة. جسد الشيخ يميل للأمام، فمه مفتوح على آخره، ليس للنداء بـ "**** أكبر"، بل لشيء آخر.. لصرخة لم تخرج.


أعاد ياسين تشغيل المقطع، لكن هذه المرة قام بعزل الصوت المحيط، ورفع وتيرة "الفلاتر" الصوتية ليلغي ضوضاء الشارع ويركز فقط على الميكروفون المثبت في ياقة جلباب الشيخ.


سمع صوت أنفاس الشيخ اللاهثة، حفيف ملابسه، ثم.. صوت آخر.


صوت خافت جداً، تردد منخفض للغاية (Low Frequency) لا تسمعه الأذن البشرية بسهولة، لكن "المخطط البياني" للموجات الصوتية على الشاشة التقطه.


كان صوتاً يشبه.. التمزيق. كأن أحدهم يمزق قماشاً سميكاً، أو ربما يمزق الستار الفاصل بين مكانين.


ارتفع رنين هاتفه مرة أخرى، قاطعاً حبل أفكاره بفظاظة. الاسم على الشاشة: مجدي - المشرحة.


مرت عشر دقائق فقط. سرعة استجابة مجدي تعني شيئاً واحداً: الكارثة وقعت.


فتح الخط، وقبل أن ينطق بكلمة، جاءه صوت مجدي متهدجاً، لاهثاً، وكأنه ركض ماراثوناً للتو:


"ياسين.. أنت لسه في المكتب؟"


رد ياسين ببرود مصطنع ليوازن رعب صديقه:


"أيوه. شفت إيه يا مجدي؟"


سكت مجدي للحظة، وسمع ياسين صوت ولاعة وصوت "نفس" سيجارة عميق يتم سحبه بتوتر:


"أنا شفت بلاوي ياما يا صاحبي.. شفت ناس محروقة، ومتقطعة، وغرقانة.. بس قسماً ب**** ما شفت اللي شفته ده."


ضيق ياسين عينيه:


"أوصفلي. ما تقوليش انطباعات، اديني بيانات وصفية."


قال مجدي بصوت يرتجف:


"فتحت ثلاجة الدكتور عز الدين الأول. ظاهرياً الجثة سليمة، زي الفل، وش راجل عجوز نايم. رفعت جفنه.."


صمت مجدي وكأنه يستجمع شجاعته:


"مفيش قزحية يا ياسين.. ومفيش بياض. العين كلها سودة.. سواد حالك، كأن حد كب حبر جوه عينه. والألعن من كده.. العين مش مسطحة."


"يعني إيه مش مسطحة؟"


"يعني البؤبؤ.. أو المكان اللي المفروض يكون فيه البؤبؤ.. غائر لجوة. كأن العين انفجرت من جوه لبره، أو.. كأن حاجة شفتطت النور اللي فيها. ولما روحت لجثة الأسطى خميس.. نفس المنظر بالظبط."


شعر ياسين بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري. نظريته عن "النمط" لم تعد مجرد أرقام، بل تحولت إلى حقيقة بيولوجية مرعبة.


سأل ياسين بصوت خافت:


"مجدي.. هل في أي نزيف في المخ؟ أو علامات جلطة؟"


"لا.. وده اللي هيجنني. عملت أشعة مقطعية سريعة. المخ سليم تشريحياً.. بس (ميت). الخلايا العصبية دبلانة كأنها ميتة من سنين مش من ساعات. كأن الكهربا اتسحبت من الدماغ مرة واحدة."


ثم خفض مجدي صوته وكأنه يخشى أن تسمعه الجثث:


"ياسين.. في حاجة كمان. وأنا واقف بكتب التقرير المبدئي.. النور في المشرحة رعش. ولما بصيت في المراية اللي فوق الحوض.. شفت خيال ورايا. مش خيال حد معدي.. لا.. خيال طالع من الجثة نفسها."


قاطعه ياسين بحزم:


"مجدي، اسمعني كويس. اقفل المحضر على أنها سكتة قلبية. متكتبش حرف عن العين، اكتب (تغيرات لونية بعد الوفاة) وخلاص. واطلع من المشرحة فوراً. روح بيتك."


"أنت فاهم حاجة أنا مش فاهمها صح؟ ياسين، الناس دي ماتت إزاي؟"


"مش وقته. روح دلوقتي، وبكرة الصبح هاتلي صور الأشعة دي على فلاشة، إياك تبعتها إيميل."


أغلق الخط.


لم يعد هناك مجال للشك. هؤلاء الثلاثة رأوا شيئاً في تلك الثانية المشؤومة.. 11:11:43. شيئاً قوياً لدرجة أنه أحرق عيونهم وأفرغ أدمغتهم.


عاد ياسين للوحة المفاتيح، لكن هذه المرة لم يبحث عن وفيات. كتب اسم "عز الدين مختار" في محرك بحث خاص بالأرشيف الأكاديمي.


ظهرت عشرات الأبحاث للدكتور الفيزيائي. عناوين معقدة عن "نظرية الأوتار"، "المادة المظلمة"، و"الأبعاد المتوازية".


ثم بحث عن "الأسطى خميس". لم يكن له أبحاث بالطبع، لكن ياسين بحث في سجلات الشرطة القديمة، وفي وسائل التواصل الاجتماعي. وجد صفحة فيسبوك باسم "ورشة الديب". المنشورات عادية، أدعية دينية، صور سيارات، نكت.


لكن صورة واحدة استوقفت ياسين.


صورة لخميس وهو يقف مبتسماً أمام سيارة "جيب" قديمة قام بتجديدها. السيارة كان لونها أسود، وعلى بابها رسم غريب.. رسم لعين داخل مثلث، لكن المثلث مقلوب.


قلب ياسين بسرعة في صور الدكتور عز الدين. وجد صورة له في مؤتمر علمي في سويسرا. كان يرتدي بدلة أنيقة، وفي جيب البدلة منديل مطوي.. وعلى دبوس رابطة العنق نفس الرمز.. مثلث مقلوب بداخله عين.


"الرمز.." همس ياسين.


تحركت يده تلقائياً نحو ورقة بيضاء وقلم رصاص. بدأ يرسم المثلث والعين. خطوط يده كانت تتحرك بعصبية.


وفجأة، توقف القلم.


شعر بلسعة في مؤخرة رأسه. ذلك الشعور الذي يأتيك عندما ينظر إليك أحدهم في الظلام.


رفع رأسه ببطء عن المكتب. الغرفة واسعة، والظلام يلف الزوايا.


لكن نظره "المختلف" التقط شيئاً.


في الزاوية البعيدة، بجوار خزانة الملفات الحديدية، كان الظل أكثر كثافة من المعتاد. الظلال عادة تكون رمادية أو سوداء باهتة، لكن هذا الظل كان "أسود" بعمق يشبه وصف مجدي لعيون الموتى.


خلع ياسين نظارته، وفرك عينيه، ثم نظر مرة أخرى.


لم يكن يتخيل. الظل يتحرك. ليس حركة عشوائية، بل يتموج كدخان يخرج من شق في الأرض.


"مين هناك؟" سأل ياسين بصوت خرج مهزوزاً رغم محاولته الثبات.


لم يأتِ رد صوتي، لكن شاشات الكمبيوتر الثلاث أمامه ومضت فجأة باللون الأبيض، ثم انطفأت دفعة واحدة.


عم الظلام الدامس.


جلس ياسين متسمراً في كرسيه، يسمع دقات قلبه تضرب في أذنيه كطبول الحرب.


وفي الظلام، بدأت عيناه تتكيفان، أو بالأحرى.. بدأت "قدرته" تعمل رغماً عنه.


رأى خيوطاً رفيعة، مشعة بضوء بنفسجي باهت جداً، تمتد من الزاوية التي بها الظل، وتزحف على الأرض باتجاه مكتبه. كانت تشبه عروق نبات طفيلي ينمو بسرعة.


الخيوط لم تكن مادية.. كانت "بيانات". عقله يترجم الطاقة التي يراها إلى بيانات.


رأى أرقاماً ورموزاً تسبح في الهواء حول الظل الكثيف.


مد يده ببطء شديد نحو درج مكتبه، حيث يحتفظ بكشاف طوارئ صغير.


أمسك الكشاف، ووجهه نحو الزاوية وضغط الزر.


الضوء الأبيض الشديد شق الظلام.


لم يكن هناك أحد.


اختفى الظل الكثيف. عادت خزانة الملفات لطبيعتها.


تنهد ياسين بارتياح، ومسح العرق عن جبهته.


"خيالات.. قلة نوم وأدوية.." تمتم لنفسه وهو يهم بالوقوف ليعيد تشغيل الكهرباء.


لكن عندما نظر إلى سطح مكتبه الخشبي، تجمد في مكانه.


الورقة البيضاء التي كان يرسم عليها الرمز..


لم تكن فارغة، ولم يكن عليها رسمه فقط.


كانت هناك بصمة يد.. كف بشري، لكنه ضخم جداً، ومطبوع على الورقة وكأن أحدهم غمس يده في رماد ساخن وضغط عليها.


والأسوأ من ذلك.. أن البصمة كانت بسبعة أصابع.


تراجع ياسين للخلف حتى اصطدم كرسيه بالحائط.


هذا لم يعد "شذوذاً إحصائياً".


هذا "اختراق".


أحدهم.. أو شيء ما.. كان هنا معه في الغرفة، وقرأ ما يكتبه.


رن هاتفه مرة ثالثة.


قفز قلبه في صدره. نظر للشاشة.


رقم غير مسجل. لا بيانات. (Unknown Number).


تردد للحظة، ثم ضغط زر الرد وفتح مكبر الصوت، دون أن ينطق بكلمة.


جاءه صوت من الطرف الآخر.. صوت إلكتروني مشوه، كأنه مركب من مئات الأصوات البشرية المتقطعة:


"يا-سين.. عبد.. الحميد.."


بلع ياسين ريقه بصعوبة وقال بصوت مبحوح:


"مين معايا؟"


رد الصوت بنبرة خالية من المشاعر:


"أنت تبحث عن النمط.. لكن النمط بدأ يبحث عنك. توقف عن النظر.. وإلا ستفقد عينيك مثلهم."


انقطع الخط.


نظر ياسين للورقة ذات البصمة السباعية، ثم للغرفة المظلمة. الخوف كان ينهش أحشاءه، لكن عقله التحليلي كان يعمل بطاقة قصوى.


التهديد يعني أنهم خائفون.


وإذا كانوا خائفين، فهذا يعني أنه أمسك بطرف الخيط الصحيح.


لملم أوراقه بسرعة، انتزع القرص الصلب (Hard Disk) من جهاز الكمبيوتر الرئيسي، ودسه في حقيبته الجلدية المهترئة.


نظر لساعته.


11:55 مساءً.


لقد انتهى وقت العمل الروتيني. وبدأ وقت الهرب.


خرج من المكتب وأغلق الباب خلفه، لكنه لم يتجه للمصعد. حدسه أخبره أن المصعد فخ. اتجه لسلالم الطوارئ.


وبينما هو ينزل الدرجات الرخامية المظلمة، كان يرى في الظلال المتراقصة على الجدران أشكالاً تلاحقه.. عيوناً تراقب.. وهمسات بلغة لا يفهمها، لكنه يشعر بقدامتها.


الليلة، "ياسين" الإحصائي مات.


وولد "ياسين" الذي يرى ما لا يجب أن يُرى.
كانت درجات السلم الرخامية تمتد أمامه كحلقات لولبية لا تنتهي، تغوص في جوف الأرض. صوت خطواته اللاهثة كان يتردد صداه في بئر السلم الضيق، مختلطاً بصوت آخر.. صوت لم يكن متأكداً إن كان حقيقياً أم من نسيج خياله المريض. كان صوتاً يشبه حفيف أجنحة حشرة ضخمة تحتك بالجدران، تتبعه بمسافة طابقين للأعلى.
لم يجرؤ ياسين على النظر خلفه. عقله الباطن كان يصرخ به أن النظر للخلف يعني الهلاك، كأن مجرد "الرؤية" سيمنح هذا الكيان الإذن بالوجود المادي.
أثناء نزوله السريع، كانت الأرقام تقفز أمام عينيه رغماً عنه. عدد الدرجات في كل طابق: أربع وعشرون درجة. ارتفاع الدرجة: سبعة عشر سنتيمتراً. زاوية الانحناء. كل شيء يتحول لبيانات.
لكن البيانات هذه المرة كانت مشوشة. الخطوط الهندسية للسلم بدت وكأنها تتموج، كأن المبنى نفسه يتنفس، يضيق عليه ليخنقه.
وصل للطابق الأرضي، واندفع نحو الباب الحديدي الثقيل الذي يفصل السلم عن بهو المبنى الرئيسي. دفع الباب بكتفه النحيل، ليخرج إلى الإضاءة الصفراء الباهتة للبهو.
كان "صلاح" يجلس خلف مكتب الاستقبال الخشبي، ورأسه يميل للأمام في غفوة قصيرة، والراديو بجانبه يبث أغاني قديمة مشوشة.
انتفض الحارس فزعاً عند سماع ارتطام الباب، وكاد يوقع كوب الشاي.
"بسم **** الرحمن الرحيم! أستاذ ياسين؟ في إيه يا ابني؟ نازل جري كده ليه كأن في حريقة؟"
توقف ياسين لثانية ليلتقط أنفاسه. كان عليه أن يبدو طبيعياً. أن يمثل دور الموظف المنهك، لا الهارب من كيان غيبي. مسح العرق عن جبينه بكم قميصه، وحاول رسم ابتسامة باهتة، لكنها خرجت ككشرة ألم.
قال بصوت متقطع:
"مفيش يا عم صلاح.. نسيت الدوا بتاعي في البيت.. وحسيت بكرشة نفس، قولت أنزل أتمشى في الهوا شوية."
حدق فيه صلاح بارتياب، وعيناه تتفحصان حقيبة اللابتوب التي يضمها ياسين لصدره وكأنها *** رضيع.
"دوا إيه ده اللي يخلي وشك أصفر زي الليمونة كده؟ استنى أجيبلك ميه بسكر.."
تراجع ياسين للخلف خطوة، عيناه مسلطتان على الظلال القابعة خلف عمود الرخام الضخم في زاوية البهو. هل تحرك الظل؟
"لا لا.. ملوش لزوم. أنا هاخد تاكسي واروح. تصبح على خير."
وقبل أن يعترض صلاح، كان ياسين قد اندفع خارج البوابة الزجاجية للمبنى، تاركاً الحارس يتمتم بكلمات غير مفهومة عن "شباب اليومين دول".
استقبلته شوارع وسط البلد بنسمة هواء حارة ومحملة بعوادم السيارات. الساعة تجاوزت منتصف الليل، لكن القاهرة لا تنام تماماً. سيارات الأجرة تجوب الشوارع كخنافس معدنية، وأضواء المقاهي الجانبية لا تزال تلمع.
وقف ياسين على الرصيف، يحاول السيطرة على ارتجاف يديه.
هنا، في الشارع، كانت "الرؤية" أسوأ.
عادة ما كان الزحام يخفي التفاصيل، لكن الليلة، بدا وكأن "النمط" قد استيقظ في كل مكان.
رأى أرقام لوحات السيارات المارة تترابط ببعضها في معادلات عبثية.
السيارة الأولى: أ ب ج 114
السيارة الثانية: س ص ع 341
مجموع الأرقام يقبل القسمة على 7.
عدد أعمدة الإنارة في الشارع.. 14 عموداً، واحد منهم مطفأ.
رجل يعبر الشارع بقميص مخطط.. عدد الخطوط يتطابق مع عدد النوافذ المضاءة في العمارة المقابلة.
أغمض عينيه بقوة، ضاغطاً بيده على جفنيه حتى رأى نجوماً ملونة.
"بطل.. بطل تفكر.. دي مش رسايل، دي صدف.. صدف.."
همس لنفسه، لكنه كان يعلم أنها ليست صدفاً. العالم كان "كوداً" برمجياً ضخماً، وهناك "فيروس" قد ضرب النظام، وهو الوحيد الذي يرى الـ (Error Logs).
أشار لسيارة تاكسي قديمة متهالكة. توقف السائق، رجل عجوز بملامح أنهكها الزمن، وصوت أم كلثوم يصدح من الكاسيت: "أروح لمين.. وقول يا مين.."
فتح ياسين الباب الخلفي وانزلق للداخل، وكأنه يختبئ في كهف.
"على فين يا أستاذ؟"
تردد ياسين. منزله في "مصر الجديدة" مكشوف. عنوانه مسجل في ملفات العمل، وفي بطاقته. إذا كان هؤلاء "الكيانات" أو تلك "المنظمة" يعرفون رقم هاتفه، فهم يعرفون عنوانه.
تذكر مكاناً قديماً.. شقة جده الراحل في حي "الخليفة". شقة مغلقة منذ سنوات، تقع في زقاق ضيق لا تدخله السيارات، وسط بيوت قديمة متلاصقة تحجب السماء. مكان خارج "الشبكة". مكان لا توجد به كاميرات مراقبة حديثة.
قال ياسين بصوت منخفض:
"القلعة.. نزلني عند ميدان القلعة."
انطلق السائق، وعاد ياسين يراقب الطريق من النافذة الخلفية. لم تكن هناك سيارة تتبعه بوضوح، لكنه لم يطمئن.
أخرج هاتفه، نزع الشريحة (SIM Card) وكسرها نصفين، ثم فتح النافذة وألقى بها في الهواء.
نظر إليه السائق في المرآة باستغراب، لكنه لم يعلق. في ليل القاهرة، يرى السائقون أشياء أغرب من ذلك بكثير.
بعد نصف ساعة، كان ياسين يترجل في ميدان القلعة. انتظر حتى غاب التاكسي، ثم سار على قدميه في الأزقة الضيقة المؤدية لمنطقة "الأباجية" والمقابر القديمة، ثم انحرف نحو الأزقة السكنية المكتظة.
وصل أخيراً لبناية قديمة من طراز الثلاثينيات، بابها خشبي ضخم ومتهالك. صعد السلالم المظلمة التي تفوح منها رائحة الغبار والبصل المقلي من شقق الجيران.
وصل للدور الثالث. أخرج سلسلة مفاتيح صدئة من جيب صغير في حقيبته. حاول مراراً حتى انفتح الباب بأنين مزعج.
دخل وأغلق الباب خلفه بسرعة، وأوصد الترس (الترباس) الحديدي القديم.
الشقة كانت كما تركها آخر مرة منذ عامين. الأثاث مغطى بملاءات بيضاء تشبه الأشباح الساكنة. رائحة النفتالين خانقة. طبقة كثيفة من الغبار تغطي كل شيء.
لم يشعل الأنوار. اكتفى بضوء القمر المتسلل من شيش الشرفة المكسور.
تحرك وسط الأثاث المغطى كأنه لص، حتى وصل لغرفة المكتب القديمة.
أزاح الغطاء عن المكتب، وجلس.
أخرج اللابتوب الخاص به (وليس جهاز العمل)، وقام بتوصيل "القرص الصلب" الذي انتزعه من جهاز الهيئة. ثم أخرج الفلاشة التي كان يحتفظ بها دائماً كنسخة احتياطية.
حان وقت العمل.
فتح الملفات التي سرقها. تقارير الوفيات الثلاثة.
ثم فعل شيئاً آخر. قام بفتح برنامج للخرائط الجغرافية (GIS) كان قد صممه بنفسه للتسلية.
أدخل إحداثيات أماكن الوفاة بدقة متناهية.
شقة الزمالك.
ورشة بولاق.
**** دمياط.
ظهرت ثلاث نقاط حمراء على خريطة مصر.
وصل بينهم بخطوط وهمية.
تشكل مثلث. مثلث حاد الزاوية. رأسه يقع في دمياط، وقاعدته تمتد بين القاهرة والجيزة.
"مركز المثلث.." همس ياسين.
قام بحساب المركز الهندسي (Centroid) لهذا المثلث.
النقطة تقع في منطقة صحراوية، شرق الدلتا. لا يوجد عمران هناك. مجرد رمال.. وبعض الآثار القديمة المنسية.
فجأة، تذكر "الفلاشة" التي طلبها من مجدي. كان مجدي قد أرسل له الصور عبر تطبيق مشفر قبل أن يغلق ياسين هاتفه. ولحسن الحظ، كان ياسين قد حمل الصور على اللابتوب قبل كسر الشريحة.
فتح صورة "الأشعة المقطعية" لمخ الدكتور عز الدين.
المخ بدا طبيعياً للعين المجردة، لكن ياسين قام بتفعيل "فلتر الكثافة" (Density Filter).
شهق فزعاً.
المسارات العصبية في المخ.. تلك التي تنقل الكهرباء.. لم تكن عشوائية كما هو مفروض.
كانت الخلايا الميتة تشكل نمطاً هندسياً دقيقاً داخل نسيج المخ نفسه.
رسمة.. تشبه الوشم المحفور بالليزر.
قرب الصورة أكثر.
الرسمة كانت عبارة عن أحرف. ليست عربية، ولا لاتينية، ولا هيروغليفية.
كانت أحرفاً مسمارية حادة الزوايا، تشبه تلك التي رآها مرة في كتاب عن حضارات ما قبل الطوفان.
حاول قراءتها، لكنه لم يفهم. ومع ذلك، بمجرد أن ركز بصره على الرموز داخل صورة المخ، شعر بذلك "التمزق" في رأسه مرة أخرى.
النزيف الأنفي عاد، قطرة ددمم سقطت على لوحة المفاتيح.
وفجأة، تحرك المؤشر على الشاشة وحده.
فتح ملفاً نصياً جديداً (Notepad).
بدأت الحروف تُكتب بسرعة جنونية، وكأن شخصاً آخر يطبع بأصابع خفية:
"أنت تراهم. إذن هم يرونك."
"العين بالعين.. والبادئ أظلم."
"ابحث عن الإرث يا ياسين. ابحث عن جدك."
انتفض ياسين مبتعداً عن المكتب، والكرسي يسقط خلفه بصوت مدوٍ.
"جدي؟"
جده كان مجرد عطار بسيط في الحسين، مات منذ عشرين عاماً. ما علاقته بهذا؟
نظر ياسين نحو مكتبة الكتب القديمة في الغرفة، تلك التي ورثها عن جده ولم يفتحها قط. كتب صفراء، مجلدات ضخمة مأكولة الأطراف.
شعر بـ "خيط" رفيع من الضوء يخرج من صدره ويربطه بأحد الكتب في الرف العلوي.
لم يكن سحراً. كان حدسه يصرخ به. "الإجابة هناك".
تقدم بخطوات مرتجفة، ومد يده ليتناول الكتاب. كان مجلداً قديماً بعنوان غريب: "تحفة الأعيان بسيرة أهل الزمان".
فتح الكتاب عشوائياً.
سقطت منه ورقة مطوية.
التقطها ياسين. كانت رسالة بخط اليد.. خط جده. وتاريخها يعود لعام 1995.
بها كلمات غير مفهومه من يراها يظن انها مجرد شخبطه لا معني له
الرعب لم يختفِ، لقد زاد لم يفهم من الرساله سوي كلمه واحده وهي
نظر من ثقب شيش الشرفة إلى الشارع المظلم بالأسفل.
رأى سيارة سوداء، مظللة بالكامل، تقف ببطء عند مدخل الزقاق. محركها مطفأ، لكن أضواءها الأمامية تومض بإيقاع خافت.. مرة طويل، مرتان قصير.
إشارة.
"لقد وجدوني."
قالها ياسين بصوت خالٍ من الخوف، ومليء بالتصميم البارد.
التفت حوله، وبدأ يجمع أغراضه بسرعة. لم يعد هناك مكان آمن.
كان عليه أن يتحرك. عليه أن يصل الي المنيا وهناك ليفعل **** ما يريد

لم يكن الخوف هو ما يسيطر على ياسين في تلك اللحظة، بل كان شيئاً أقرب إلى "الوضوح البارد". حينما يرتفع الأدرينالين في دماء البشر العاديين، تتشوش رؤيتهم وتضطرب قراراتهم، لكن بالنسبة لياسين، كان الخطر بمثابة "تحديث للنظام". كل ثانية تمر كانت تتحول إلى معادلة زمنية يجب حلها للبقاء على قيد الحياة.

وقف بجانب النافذة، موارياً جسده خلف مصراع الشيش المكسور، يراقب المشهد في الزقاق الضيق بالأسفل. السيارة السوداء لم تكن تتحرك، لكن أبوابها انفتحت في صمت مريب. نزل منها ثلاثة رجال. لم يكونوا يرتدون الزي الرسمي للشرطة، ولا الملابس المدنية المعتادة للمخبرين. كانوا يرتدون بذلات رمادية داكنة، متشابهة لدرجة التطابق، وكأنهم نُسخ كربونية خرجت من مصنع واحد.

حركتهم لم تكن بشرية تماماً؛ كانت سلسة أكثر من اللازم، خالية من التردد أو التلكؤ. لم يرفع أحدهم رأسه لينظر للشرفة، بل اتجهوا مباشرة نحو باب العمارة الخشبي المتهالك.

همس ياسين لنفسه بصوت مرتجف:
"دول مش حكومة.. الحكومة بتخبط أو بتكسر الباب.. دول داخلين كأن معاهم المفتاح."

نظر إلى ساعة يده.
"المسافة من مدخل العمارة لباب الشقة: 46 درجة سلم. لو طلعوا مشي عادي هياخدوا 35 ثانية. لو جريوا.. 15 ثانية. ولو ركبوا الأسانسير المعطل.. مش هيركبوه."

التفت ياسين حوله بسرعة ماسحاً الغرفة بعينيه. الباب هو المخرج الوحيد الطبيعي، وهذا يعني أنه فخ محقق. الشقة في الدور الثالث، القفز من الشرفة إلى الشارع يعني كسوراً مضاعفة في الساقين بنسبة 90%، واحتمالية الموت بنسبة 10%.

"النسبة غير مقبولة.." تمتم ياسين وهو يمسح العرق الذي بدأ يتجمع فوق شفتيه.

بدأت "الرؤية" تعمل.
تحول أثاث الغرفة وجدرانها في عينه إلى خطوط هندسية زرقاء شفافة. رأى هيكل المبنى القديم. الجدران سميكة، مبنية من الحجر الجيري القديم، لكن السقف.. السقف كان من العروق الخشبية المغطاة بطبقة من الجبس والقش، وهو نمط بناء شائع في بيوت الثلاثينيات.

رفع رأسه لأعلى. في زاوية السقف، كانت هناك بقعة رطوبة قديمة تسببت في تآكل الجبس. ومن خلال الثقب الصغير، رأى شعاع ضوء خافت جداً.
"المنور.."

لم يكن هناك وقت للتفكير. حمل حقيبة اللابتوب وربطها بإحكام حول صدره، ثم دفع طاولة المكتب الثقيلة ليغلق بها باب الغرفة كإجراء تعطيل مؤقت.
سحب خزانة الكتب القديمة وأسقطها أرضاً لتكون "سلماً" يصعد عليه للوصول لفتحة المنور في السقف.

في تلك اللحظة، سمع صوتاً عند باب الشقة الخارجي. لم يكن صوت طرق أو خلع.. كان صوت "أزيز". كأن أحدهم يمرر شعلة لحام على القفل الحديدي القديم. المعدن يصرخ تحت وطأة حرارة مفاجئة.

"يا نهار أسود.. دول بيسيحوا الكالون!"

قفز ياسين فوق خزانة الكتب المقلوبة، ومد يده ليمسك بحافة الفتحة الموجودة في السقف المستعار. الجبس تفتت تحت أصابعه، وسقط الغبار في عينيه، لكنه لم يرمش. تحسس بيده عرقاً خشبياً متيناً وشد جسده لأعلى.

لم يكن ياسين رياضياً. عضلات ذراعيه صرخت ألماً، وأحس بتمزق بسيط في كتفه الأيمن، لكن رعب الموت كان دافعاً أقوى من أي تدريب رياضي.
رفع نصف جسده العلوي ودخل في الفراغ الضيق بين سقف الشقة وأرضية السطح. كانت مساحة خانقة، مليئة بخيوط العنكبوت والفئران الهاربة. زحف على بطنه وسط الغبار الكثيف، متجهاً نحو فتحة التهوية الرئيسية التي تطل على "منور" العمارة.

سمع صوت باب الشقة بالأسفل يُفتح ببطء. ثم صوت خطوات هادئة وثقيلة على البلاط القديم.
توقف عن التنفس.
هل يسمعون دقات قلبه؟ هو يسمعها كأنها طبول حرب في أذنيه.

وصل لفتحة المنور. نظر منها للأسفل. مواسير الصرف الصحي القديمة المصنوعة من الزهر (الحديد الثقيل) تمتد بطول المبنى.
"المواسير دي متهالكة.. معامل الصدأ فيها عالي. احتمالية الكسر لو حملت وزني كله عليها: 60%."
نظر للأعلى. المسافة لسطح العمارة حوالي مترين ونصف.

"مفيش حل تاني."

خرج ياسين بجسده من فتحة التهوية، وتلقف ماسورة الصرف الباردة والدبقة بيديه. احتضنها بساقيه وذراعيه. الماسورة اهتزت وأصدرت صريراً معدنيأً مخيفاً تردد صداه في المنور الضيق.
تسمر مكانه.
بالأسفل، من نافذة مطبخ شقته، أطل رأس أحد الرجال الثلاثة.
لم يرَ وجهه بوضوح في الظلام، لكنه رأى شيئاً جعل دمه يتجمد.
الرجل لم يكن ينظر بعينيه. كان يرتدي نظارة سوداء سميكة، وبيده جهاز صغير يمسح به الجدران.

"حرارة.." أدرك ياسين فوراً. "بيتبعوا البصمة الحرارية."

بدأ ياسين يتسلق لأعلى بكل قوته، متجاهلاً احتكاك الحديد الصدئ الذي مزق بنطاله وجرح فخذه. كل حركة كانت تسبب اهتزازاً في الماسورة.
"بسرعة.. بسرعة.. المتغير الزمني بيقل.."

وصل لحافة السطح. القى بيده ليمسك سور السطح الأسمنتي، وسحب جسده المنهك ليلقيه على أرضية السطح الخشنة المغطاة بالحصى والقمامة القديمة.
لم يتوقف ليرتاح. زحف بعيداً عن الحافة، ثم نهض منحنياً وبدأ يركض عبر السطح.

بيوت حي الخليفة والقلعة متلاصقة، تشكل شبكة معقدة من الأسطح المتصلة أحياناً والمنفصلة بأزقة ضيقة أحياناً أخرى.
كان ياسين يركض، وعيناه ترسمان المسار أمامه.
"فجوة متر ونص.. قفزة ممكنة. سور مائل.. زاوية انزلاق. كابلات دش.. عائق."

قفز من سطح بنايته إلى سطح البناية المجاورة. هبط بتعثر وكاد يلتوي كاحله، لكنه استعاد توازنه وأكمل الركض.
عندما وصل للسطح الثالث، توقف خلف خزان مياه خرساني ضخم ليلتقط أنفاسه. صدره كان يعلو ويهبط بعنف، ورئتاه تحترقان.

نظر خلفه نحو عمارة جده.
رأى الثلاثة رجال وقد صعدوا إلى السطح خلفه. حركتهم كانت متطابقة بشكل مرعب، يجرون بنفس الإيقاع، بنفس فتحة القدم.
أحدهم توقف، ورفع يده وأشار باتجاه ياسين المختبئ.

"شافوني إزاي؟ أنا ورا الخزان!"
ثم تذكر. نظارات الرؤية الحرارية. الخزان الأسمنتي بارد، وجسده يشتعل حرارة من الجري. هو يلمع في عيونهم مثل شعلة نارية في ليل دامس.

"يا ابن الغبية يا ياسين.. الفيزياء مش في صالحك المرة دي."

نظر أمامه. نهاية السطح تطل على شارع رئيسي. المسافة للشارع خمسة طوابق. السقوط يعني الموت.
لكن على بعد ثلاثة أمتار، كانت هناك مئذنة لمسجد أثري قديم، تلتصق قاعدتها بالمبنى المجاور، ولها سلم خارجي مخصص للصيانة يلتف حولها.
المسافة بين سطحه وبين قاعدة المئذنة حوالي مترين ونصف.
قفزة انتحارية.

"المسافة 2.5 متر. سرعة الجري المطلوبة 6 متر/ثانية. زاوية القفز 45 درجة."
حسبها في جزء من الثانية.
النتيجة: احتمالية النجاح 40%. احتمالية السقوط 60%.

نظر للخلف. الرجال الثلاثة يقتربون. أخرج أحدهم شيئاً من جيبه. بدا كمدسس كاتم للصوت، لكن فوهته كانت تشع ضوءاً أحمر خافتاً.

"الأربعين في المية أحسن من الصفر في المية."

تراجع ياسين للخلف عدة خطوات ليأخذ مسافة للجري.
أخذ نفساً عميقاً ملأ به رئتيه برائحة التراب وعوادم القاهرة.
"يا رب.. يا رب سترك."

انطلق ياسين بأقصى سرعة تستطيعها ساقاه النحيلتان.
حين وصل لحافة السطح، ضغط بكل قوته على قدمه اليمنى، ودفع جسده في الهواء.
للحظة واحدة.. طار ياسين فوق الزقاق المظلم.
رأى الأسفلت تحته بمسافة قاتلة.
شعر بالهواء يلفح وجهه.
بدا الزمن وكأنه تباطأ. رأى تفاصيل أحجار المئذنة القديمة، الشقوق فيها، العش الصغير للحمام..

ثم ارتطم.
اصطدم صدره بالحافة الحجرية لقاعدة المئذنة، لكن يديه نجحتا في التشبث بالقضيب الحديدي للسلم الخارجي.
شعر بخلع عنيف في كتفه، وصرخة مكتومة خرجت من بين أسنانه.
تأرجح جسده في الهواء، قدماه ترفسان الفراغ بحثاً عن مرتكز.

"امسك.. امسك يا ياسين.. متسيبش!"

بالأعلى، وقف الرجال الثلاثة على حافة السطح الذي قفز منه. نظروا إليه وهو معلق كالثمرة في الهواء.
رفع أحدهم المسدس وصوبه نحوه.
أغمض ياسين عينيه، منتظراً الرصاصة.
لكن.. لم يحدث شيء.
خفض الرجل سلاحه. وبدأ الثلاثة يتراجعون ببطء، وكأنهم تلقوا أمراً بالانسحاب.

"ليه؟" سأل ياسين نفسه وهو يصارع لسحب جسده لأعلى السلم.
لماذا لم يطلقوا النار؟ كان هدفاً سهلاً.
هل يريدونه حياً؟ أم أن هناك سبباً آخر؟

نظر حوله. هو الآن على مئذنة **** أثري. المسجد يقع في ميدان عام مزدحم بالناس حتى في هذا الوقت المتأخر.
"شهود.."
أدرك ياسين السبب. هم قتلة محترفون، لكنهم يعملون في الظل. قتل رجل معلق على مئذنة أمام المارة والسيارات سيجذب انتباهاً لا يريدونه. أو ربما.. حرمة المكان المقدس تمنعهم؟ لا، هذا احتمال رومانسي ساذج. السبب هو الشهود.

تحامل على ألمه، وصعد السلم الحديدي حتى وصل لشرفة المئذنة، ومنها نزل عبر السلم الحلزوني الداخلي للمسجد.
خرج من الباب الجانبي للمسجد وهو يعرج، يمسك بكتفه المصاب، ووجهه مغطى بالغبار وشباك العنكبوت.

نظر إليه خادم المسجد العجوز الذي كان يغلق الأبواب باستغراب:
"أنت مين يا ابني؟ ونازل من فوق إزاي؟"

لم يجبه ياسين. اندس وسط الزحام في الشارع، واختفى بين المارة.
كان قلبه ما زال يخفق بعنف، لكن عقله عاد ليعمل ببرود.

"المتغيرات اتغيرت. هما عارفين شكلي. عارفين قدراتي البدنية المحدودة. وعارفين إني لوحدي.
الخطوة الجاية: الخروج من القاهرة.
الهدف: سوهاج.
وسيلة النقل: القطر مستحيل، فيه تفتيش وبطاقة. الأتوبيس خطر. ميكروباصات الموقف.. هي الحل."

تحسس جيبه. محفظته ما زالت معه. وهاتفه (بدون شريحة) واللابتوب.
أوقف "توكتوك" كان يمر بجانبه.
"على موقف عبود.. بسرعة."

بينما التوكتوك يشق طريقه بتهور وسط السيارات، أخرج ياسين اللابتوب وفتحه، غير مبالٍ باهتزاز المركبة.
فتح ملف الصورة التي فيها "الرمز".
كبر الصورة، وبدأ يطبق عليها "فلتر" جديداً استوحاه من طريقة تحرك الرجال الثلاثة.
لقد تحركوا كآلات.. كشبكة واحدة.

"لو هما متصلين ببعض.. يبقى فيه سيرفر بيحركهم. أو عقل مركزي."
نظر للرمز (العين والمثلث).
"الرمز ده مش مجرد شعار.. ده (أنتينا). ده جهاز استقبال."

أغلق الجهاز ونظر للسماء المظلمة.
النجوم كانت باهتة بسبب تلوث المدينة، لكن ياسين رأى، لثانية واحدة، خطاً رفيعاً أحمر يقطع السماء من الشمال للجنوب.
مسار طاقة.
المسار كان يتجه للصعيد.


وصل التوكتوك للموقف الصاخب. أصوات السائقين، أبواق السيارات، رائحة العوادم. فوضى محببة. الفوضى هي المكان الوحيد الذي يمكنه الاختباء فيه من "النظام" الصارم لأعدائه.
بحث عن سيارة ميكروباص تنادي "سوهاج.. سوهاج..".

وجد واحدة، ركب في المقعد الخلفي، وانكمش على نفسه.
تحركت السيارة، وبدأت رحلة الهروب الكبرى.
لكن ياسين لم يكن يعلم أن ما يهرب منه في القاهرة، هو مجرد "ظل" لما ينتظره في الصعيد.
```eof

"لا تغتر بصمت غرفتك، فالهدوء لا يعني الفراغ. نحن محاطون بضجيج لا تسمعه آذاننا، ومراقبون بعيون لا تعكس الضوء، ولكنها ترانا بوضوح تام."
الجزء الثاني
انطلقت سيارة الميكروباص تشق طريق "الأوتوستراد" بسرعة جنونية، تاركة أضواء القاهرة تتلاشى خلفها شيئاً فشيئاً. كان ياسين محشوراً في المقعد الخلفي بين سيدة بدينة تحمل قفصاً صغيراً به دجاجات تصدر أصواتاً مخنوقة، وبين شاب يرتدي سماعات رأس ضخمة ويهز رأسه بعنف مع موسيقى المهرجانات التي تتسرب من سماعاته وتثقب طبلة أذن ياسين.

الجو داخل السيارة كان خانقاً، مزيجاً من رائحة العرق، ودخان السجائر الرخيصة التي يدخنها السائق، ورائحة الدجاج. لكن بالنسبة لياسين، كان هذا الزحام هو "الدرع" المثالي. الأنماط هنا فوضوية جداً، متداخلة ومعقدة لدرجة تجعل تتبعه أمراً شبه مستحيل، حتى على "الكيانات" التي تلاحقه.

أخرج الرسالة التي وجدها في كتاب جده مرة أخرى، وحرص على أن يخفيها بين دفتي اللابتوب حتى لا يراها أحد. قرأ السطور الأخيرة مجدداً، تلك التي كان يظن أنها تشير لعائلة الجبالي، لكنه الآن، ومع هدوء الأدرينالين قليلاً، بدأ يرى "النمط" المخفي في الحروف.

الرسالة لم تكن مجرد نص.. كانت خريطة.لاحظ أن جده كان يكتب حرف "القاف" بنقطة واحدة فقط (على الرسم القديم)، وحرف "الفاء" بدون نقاط في بعض الكلمات.جمع الحروف "الشاذة" في الرسالة.(م - ن - ي - ا).المنيا.

ثم نظر إلى الرقم المكتوب في ذيل الصفحة كتاريخ للرسالة: 14/255.لم يكن تاريخاً ميلادياً ولا هجرياً منطقياً.أغمض عينيه وبدأ يعالج الرقم."خط عرض.. وخط طول؟ لا.. الأرقام صغيرة. رقم تليفون؟ ناقص. عنوان؟"فجأة، تذكر "الوردية" التي كان جده يحبها. كان جده صوفياً بطريقته الخاصة."الرقم 14.. سورة إبراهيم. الآية 25.. (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا)."لا، هذا تفسير ديني عاطفي، وياسين يحتاج لمنطق رياضي.

نظر للرقم مرة أخرى بعين "البصيرة".الرقم بدأ يتفكك أمامه.255 هو الرقم الأقصى في نظام الـ (8-bit) للألوان والبيانات. إنه يمثل "اللون الأبيض الكامل" أو "النهاية".14.. هو ترتيب محافظة المنيا في الكود البريدي القديم.

كان هناك اسم واحد مكتوب بخط باهت جداً في الحاشية السفلية، كأنه كتب بقلم رصاص نفد رصاصه:"المحجر القديم.. اسأل عن (بهاء الأخرس)."

أعاد ياسين الورقة لجيبه. الوجهة تغيرت. لن يذهب لسوهاج. عليه النزول في المنيا.ولكن.. من هو "بهاء الأخرس"؟ ولماذا يختبئ في محجر؟

فجأة، تباطأت سرعة الميكروباص. أضواء حمراء وزرقاء تلمع في الأفق المظلم للطريق الصحراوي.صاح السائق بصوت أجش:"كمين يا جماعة.. كله يجهز بطاقته.. مش ناقصين وجع قلب وتعطيل."

تجمد الدم في عروق ياسين.كمين شرطة.إنه لا يملك بطاقة. ولو أخرج جواز السفر (الذي يحمله في حقيبته دائماً)، فسيتم الكشف عن اسمه. وإذا كانت "المنظمة" لها نفوذ كما يتوقع، فمجرد إدخال رقمه القومي على كمبيوتر الداخلية سيعطي إنذاراً فورياً بموقعه.

"المتغيرات: هروب مستحيل. المسافة للباب بعيدة. الضابط يقف ومعه جهاز كشف جنائي."بدأت أنفاسه تتسارع. هل تنتهي الرحلة هنا؟ في كمين عادي على الطريق الصحراوي؟

بجانبه، تحرك الشاب ذو السماعات. خلع سماعاته ببطء، ونظر لياسين نظرة جانبية فاحصة. كانت عيون الشاب غريبة.. ليست "سوداء" كعيون الموتى، بل كانت شديدة الذكاء، بلون عسلي فاتح يلمع في الظلام.

مال الشاب نحو ياسين وهمس بصوت خفيض جداً، وبلهجة صعيدية خفيفة:"شكلك عامل مصيبة يا أستاذ.. وشك جاب ألوان الطيف كلها لما شفت الحكومة."

ارتبك ياسين وحاول الإنكار:"لا.. أبداً.. أنا بس.."

قاطعه الشاب بابتسامة ساخرة، وأخرج علبة سجائر وعرض عليه واحدة:"اشرب.. روق دمك. معكش بطاقة، صح؟"

نظر له ياسين بصمت. هز الشاب رأسه كأنه توقع الإجابة."ولا يهمك. خليك ورايا ومتنطقش ولا كلمة. سيب الطلعة دي عليا."

اقترب الضابط من نافذة السائق. بدأ بجمع البطاقات.وصل الدور للمقاعد الخلفية.مد الشاب يده ببطاقتين.. بطاقته الشخصية، وبطاقة أخرى قديمة ومتهالكة.قال الشاب للضابط بنبرة واثقة ومرحة:"اتفضل يا باشا.. دي بطاقتي.. وده ابن خالي (وأشار لياسين) أخرس ومبيسمعش، وبطاقته اتسحبت منه في اللجنة اللي قبل دي عشان كانت مكسورة، وادولنا الوصل ده."

وأخرج ورقة مطوية عشوائية تشبه إيصالات المرور، ودس في طياتها ورقة نقدية فئة المائة جنيه بطريقة خفية لا يلمحها إلا المتمرس.

نظر الضابط للورقة، ثم لياسين الذي تصنع البلاهة والصمت كما أشار عليه الشاب، ثم للشاب مرة أخرى.فهم الضابط "الرسالة". المائة جنيه اختفت في جيبه بسرعة البرق.قال الضابط بملل:"طيب.. خليه يجددها أول ما يوصل. يلا اتحرك."

تحرك الميكروباص.تنفس ياسين الصعداء، وشعر بأن قلبه سيتوقف من فرط الطرق.نظر للشاب بامتنان ممزوج بالشك:"أنت.. أنت عملت كده ليه؟ ومين قالك إني.."

ضحك الشاب وهو يعيد وضع السماعات حول رقبته:"يا عم قولنا مصلحة.. وشك عليه غضب ****، وقولت نكسب فيك ثواب. وبعدين أنا مبحبش الحكومة تقلب في ورقي كتير."

مد يده لياسين:"أنا (عصام).. وشهرتي (عصام رادار). نازل المنيا ولا مكمل؟"

اتسعت عينا ياسين."المنيا.. أنا نازل المنيا."

ابتسم عصام ابتسامة غامضة، وقال جملة جعلت ياسين يدرك أن هذا اللقاء لم يكن صدفة إحصائية، بل هو جزء من "نمط" أكبر:"حلو.. أصل أنا كمان نازل هناك. الطريق طويل يا صاحبي، والليل لسه في أوله.. وشكلك وراك حكاية توزن بلد."

نظر ياسين من النافذة إلى الصحراء الممتدة بلا نهاية على جانبي الطريق. الظلام كان دامساً، لكن بعينيه "المبصرتين"، رأى شيئاً في الأفق البعيد.رأى أعمدة من الضوء الباهت ترتفع من الأرض للسماء في منطقة المنيا. وكأن الأرض هناك "مشقوقة".المكان الذي يذهب إليه ليس مجرد مخبأ. إنه نقطة التقاء خطوط الطاقة.

أدرك ياسين في تلك اللحظة أن حياته القديمة انتهت للأبد. الموظف الذي يحلل البيانات مات في القاهرة. والذي يجلس الآن في هذا الميكروباص هو "الناظر في العتمة".

أمسك بالقرص الصلب في حقيبته، وضغطه بقوة."أنا مش ههرب منهم.." همس لنفسه والعزم يشتعل في عينيه: "أنا اللي هروح لهم."

تلاشت أضواء الكمين خلفهم، وابتلعهم ظلام الصعيد
كان الطريق الصحراوي الغربي يمتد أمام السيارة كأفعى سوداء عملاقة تبتلع الضوء. الظلام هنا ليس مجرد غياب للشمس، بل هو كيان مادي ثقيل يضغط على زجاج النوافذ. بالنسبة لـ "ياسين"، لم يكن الطريق مجرد إسفلت ورمال، بل كان شريطاً لا نهائياً من البيانات المتدفقة بسرعة 120 كيلومتراً في الساعة.

جلس ياسين منكمشاً في المقعد الخلفي، جسده يرتجف مع كل مطب هوائي، بينما عقله يعمل بطاقة تفوق محركات السيارة المتهالكة. كان يحاول "إيقاف" قدرته، يحاول أن يرى العالم كما يراه البشر العاديون: سماء، نجوم، رمال. لكنه فشل.

كل عمود إنارة يمر بجانبه كان يترك "أثراً" ضوئياً في شبكية عينه، خطاً ممتداً يربط الماضي بالحاضر. رأى التصدعات الجيولوجية تحت طبقات الإسفلت كأنها عروق زرقاء نابضة في جسد الأرض. رأى احتمالات الحوادث تتجسد أمامه كأرقام حمراء تطفو فوق السيارات المقابلة:شاحنة نقل ثقيل.. السائق مرهق بنسبة 80%.. انحراف الإطار الأمامي 3 درجات.. احتمالية التصادم: 14%.

أغمض عينيه بقوة حتى آلمه رأسه، وضغط بكفيه على أذنيه ليحجب صوت الرياح الذي كان يبدو له كهمسات غير مفهومة بلغة قديمة.

"مالك يا صاحبي؟ شكلك لسه مخضوض من اللجنة."جاء صوت "عصام رادار" بجانبه، مقتحماً فقاعة عزله. كان عصام قد خلع إحدى فردتي السماعة، وراح يلوك "لبان" بإيقاع مستفز، وعيناه العسليتان تتفحصان ياسين بفضول لا يخلو من الخبث المحبب.

فتح ياسين عينيه ببطء، ونظر لعصام. هالته كانت "نظيفة". هذا هو المصطلح الوحيد الذي وجده ياسين مناسباً. معظم البشر تحيط بهم هالة رمادية من القلق أو الكذب، لكن عصام كان محاطاً بلون برتقالي دافئ، لون الحركة والجرأة والذكاء الفطري.

رد ياسين بصوت مبحوح، محاولاً استجماع لغته العامية التي هجرها منذ زمن لصالح لغة الأرقام الفصحى:"لا.. مش مخضوض. بس الطريق طويل، وأنا.. أنا مش متعود على السفر."

ضحك عصام بصوت خافت حتى لا يوقظ السيدة النائمة بجوارهما:"طويل إيه يا عم، دي المنيا.. فركة كعب. إحنا خلاص دخلنا حدود بني سويف. بس قولي بقى، أنت شكلك مش ابن كارنا.. ولا شكلك بتاع مخدرات ولا سلاح. أنت شكلك "أفندي" وموظف.. إيه اللي يخلي واحد زيك يزوغ من الحكومة في نص الليل ويركب ميكروباص للمنيا؟"

صمت ياسين لبرهة. الحقيقة ستكون جنوناً، والكذبة يجب أن تكون محكمة. عقله بدأ يحسب "أفضل كذبة ممكنة" بناءً على شخصية عصام. عصام يبدو شخصاً يحترم "الهرب" من المشاكل المالية أو الثأر.

قال ياسين وهو ينظر للظلام بالخارج:"عليا فلوس.. شيكات وكمبيالات لناس مفترية. لو طالوني في القاهرة هيحبسوني.. أو يخلصوا عليا. رايح المنيا أدور على واحد قريبي يسدد عني."

صفر عصام صفارة طويلة منخفضة:"آه.. الديون. همّ ما يتلم. بس شكلك كده الديون دي وراها حكاية أكبر. عموماً يا سيدي، (عصام رادار) مبيسألش كتير، طالما جيبك سالك ونيتك سالكة."

ثم مال عليه أكثر، وخفض صوته لدرجة الهمس:"بس خد نصيحة من أخوك.. اللي يهرب للصعيد، لازم يكون ضهره ناشف. الصعيد مش مكان تستخبى فيه.. ده مكان يا تتاكل فيه، يا تبقى أنت الديب."

ارتجف ياسين. الجملة لمست وتراً حساساً بداخله. هو ذاهب إلى "المحجر القديم". ومحجر يعني جبل، والجبل لا يرحم الضعفاء.

"أنت تعرف المحاجر اللي في المنيا يا عصام؟" سأل ياسين فجأة.

تغيرت ملامح عصام. اختفت الابتسامة الساخرة وحل محلها نوع من الحذر الجاد:"محاجر؟ المنيا كلها محاجر يا باشا. جير ورخام.. الجبل الشرقي كله مفتوح. بس أنت بتسأل عن محجر معين؟"

"محجر قديم.. مهجور. بيقولوا عليه مسكون أو مشبوه."

نظر عصام حوله ليتأكد أن لا أحد يستمع، ثم قال بجدية تامة:"بص.. الجبل الشرقي ده مملكة لوحده. فيه محاجر شغالة وليها أصحاب ونفوذ، وفيه محاجر الحكومة قافلاها.. وفيه حتت بقى.. العرب نفسهم بيخافوا يقربوا منها بالليل. أنت عايز تروح فين بالظبط؟"

أخرج ياسين الورقة المطوية من جيبه، تلك التي تحمل اسم "بهاء الأخرس". لم يره الاسم، بل سأله:"تعرف واحد اسمه بهاء الأخرس؟"

بمجرد نطق الاسم، شعر ياسين بتغير في "الضغط الجوي" داخل الميكروباص، أو ربما كان هذا خياله. لكن المؤكد أن وجه عصام قد شحب قليلاً، وتوقفت حركته المستمرة."الأخرس؟.. أنت رايح للأخرس؟"

"تعرفه؟"

تنهد عصام، وأشعل سيجارة رغم اعتراض الركاب الصامت:"مفيش حد "غاوى" في الصعيد ميعرفش الاسم ده. بس محدش بيشوفه. ده راجل.. بيقولوا عليه (واصل). بس مش واصل للحكومة.. واصل لحاجات تانية. عايش في قلب الجبل، في منطقة اسمها (وادي النعناع)، بس هي لا فيها نعناع ولا يحزنون.. دي حتة مقطوعة."

ثم نظر لياسين نظرة مختلفة، نظرة تقييم جديدة:"أنت مين يا أستاذ ياسين؟ اللي يروح للأخرس بيبقى يا ميت، يا ممسوس."

ابتسم ياسين ابتسامة باهتة، ولأول مرة شعر بشيء من القوة. لقد وجد الخيط."أنا مش ده ولا ده يا عصام.. أنا بس، بحاول أشوف."

عاد الصمت ليخيم عليهما، لكنه صمت الشركاء هذه المرة. الميكروباص ينهب الطريق، وأضواء الفجر الأولى بدأت تلوح في الأفق كخيوط رمادية باردة. ياسين ينظر للصحراء، ويرى تلك الأعمدة الضوئية تقترب.لقد دخلوا مجال "المنيا".المجال الطاقي هنا مضطرب، عنيف. الأرقام في رأس ياسين تتراقص بجنون. الأرض هنا تخفي شيئاً قديماً جداً، شيئاً يصرخ من تحت الرمال.
وصلوا إلى موقف المنيا مع شروق الشمس. المدينة كانت تستيقظ بكسل، ونسمات النيل الباردة تلطف جو الصباح، لكن ياسين لم يشعر بالراحة. بمجرد أن وطأت قدماه أرض الموقف، شعر بـ "طنين" مستمر في أذنيه. طنين يشبه صوت الكهرباء الساكنة.

"يلا بينا.." قال عصام وهو يحمل حقيبة صغيرة على كتفه: "أنا بيتي في (حي شلبي)، هتيجي تريح عندي ساعتين، وناكل لقمة، وبعدين نشوف موضوع الأخرس ده."

حاول ياسين الاعتذار:"لا يا عصام، كتر خيرك. أنا مش عايز أورطك معايا. أنا هاخد تاكسي وأروح.."

قاطعه عصام بحزم، وهو يسحبه من ذراعه بعيداً عن أعين السائقين المتطفلين:"تاكسي إيه اللي يوديك الجبل؟ أنت فاكر نفسك في المعادي؟ مفيش تاكسي بيدخل المناطق دي. وبعدين شكلك يقطع الخميرة من البيت.. أنت محتاج تغسل وشك وتاكل عشان تعرف تقف على رجلك. اسمع مني، أنا دخلت معاك في الحكاية دي بـ (المية جنيه) والبطاقة.. يبقى نكملها للآخر."

استسلم ياسين. كان منهكاً لدرجة أنه كاد يسقط مغشياً عليه. الجوع والعطش والأرق، والأهم من ذلك "الحمل الذهني" الزائد من كثرة البيانات التي يراها، كل هذا استنزف طاقته.

ركبوا "سرفيس" داخلي، وطوال الطريق كان ياسين يراقب المدينة. المنيا مدينة جميلة، هادئة ظاهرياً، لكن ياسين رأى "الظلال".رأى أشخاصاً عاديين يمشون في الشارع، لكن فوق رؤوسهم كانت تطفو رموز صغيرة باهتة.بائع الخبز.. رمز دائرة مكسورة.شرطي المرور.. رمز خطين متوازيين.امرأة عجوز تجلس أمام باب منزلها.. رمز عين مغلقة.

"إيه الرموز دي؟" سأل نفسه. هل هؤلاء "وسوم"؟ هل تم وضع علامات عليهم؟أخرج هاتفه (الذي يعمل الآن ككاميرا فقط) والتقط صوراً عشوائية من النافذة. عندما كبر الصور لاحقاً، لم تظهر الرموز. إنها تظهر لعينه المجردة فقط.

وصلوا لشقة عصام. كانت شقة بسيطة في سطح منزل عائلي، مفروشة بأسلوب شبابي فوضوي."أهلاً بيك في صومعة الرادار." قال عصام وهو يلقي بحقيبته: "الحمام على يمينك، والمطبخ فيه جبنة وعيش. خد راحتك، أنا هعمل كام مكالمة وأجيلك."

دخل ياسين الحمام. نظر للمرآة.فزع من هيئته. وجهه شاحب كالموتى، وعيناه..اقترب من المرآة.بؤبؤ عينه لم يعد أسود تماماً. كان هناك "وهج" بنفسجي خافت جداً في العمق."التحول بيزيد.." همس ياسين وهو يغسل وجهه بالماء البارد. "لازم أوصل للأخرس قبل ما أفقد إنسانيتي."

خرج ليجد عصام قد فرد "خريطة ورقية" كبيرة على الأرض، وليس خريطة جوجل.جلس ياسين بجانبه، وفي يده كوب شاي ساخن.أشار عصام بقلمه على منطقة في شرق النيل، بعيدة عن العمران."بص يا سيدي.. ده وادي النعناع. المنطقة دي زمان كانت محجر ملكي.. أيام الفراعنة، وبعدين الرومان. الحكومة قفلته في التسعينات بعد ما حصلت حوادث غريبة هناك."

"حوادث زي إيه؟"

"عمال بيختفوا. معدات تقيلة بتلاقيها متطبقة كأن حد داس عليها برجله. الناس قالت جن، والحكومة قالت انهيارات أرضية. المهم المنطقة اتقفلت واتعمل عليها سور وكراكون حراسة.. بس الحراسة مش عشان تمنع الناس تدخل.. الحراسة عشان تمنع اللي جوه يخرج."

شعر ياسين بقشعريرة. "والأخرس عايش جوه؟"

"الأخرس واخد (دير) قديم جوه المحجر ومحولّه سكن. محدش بيعرف يدخله غير بمزاجه. أنا كلمت واحد صاحبي (غفير) في المنطقة، قالي إن الليلة دي بالذات فيه حركة غريبة في الجبل. عربيات سوداء دخلت من المدق الخلفي."

انتفض ياسين. "عربيات سوداء؟ نفس العربيات اللي كانت بتطاردني في القاهرة!"وقف ياسين بسرعة: "لازم أتحرك دلوقتي. لو وصلوا له قبلي هيقتلوه."

أمسكه عصام من كتفه وأجلسه:"اهدأ يا مجنون. تروح فين في عز الضهر؟ الجبل مكشوف. لو رحت دلوقتي هتبقى صيد سهل. الدخول لازم يكون بالليل.. وعن طريق (المدق السري) اللي ميعرفوش غير المهربين."

نظر ياسين لعصام بامتنان وريبة في آن واحد:"أنت ليه بتساعدني يا عصام؟ الموضوع ده فيه خطورة على حياتك."

ابتسم عصام ابتسامة خافتة، وأخرج من جيبه عملة معدنية قديمة جداً، وقذفها في الهواء والتقطها بمهارة."بص يا ياسين.. أبويا **** يرحمه كان (قصاص أثر). كان بيمشي في الجبل ويشم ريحة الدهب والآثار. وقبل ما يموت، قالي جملة مفهمتهاش غير لما شفتك."

"قالك إيه؟"

"قالي هيجي يوم، وهتلاقي واحد (عينيه بتشوف اللي مبيتشافش). الراجل ده هو اللي هيفتح البوابة. وأنا يا صاحبي.. طول عمري مستني البوابة تفتح عشان أعرف أبويا راح فين. لأنه ممتش موتة ****.. هو دخل الجبل ومرجعش."

صدم ياسين. إذن عصام ليس مجرد "فاعل خير". عصام جزء من "النمط".أخرج ياسين اللابتوب بسرعة، وفتح ملف الوفيات.كتب في خانة البحث: "والد عصام.. المنيا.. مفقود".لم يجد شيئاً في السجلات الرسمية.لكن عندما نظر لعصام بـ "بصيرته"، رأى خيطاً سميكاً أسود يربط قلب عصام باتجاه الشرق.. باتجاه الجبل.خيط الحزن.. وخيط الانتقام.

"تمام يا عصام.." قال ياسين بصوت ثابت: "هندخل الجبل بالليل. بس لازم نكون جاهزين. أنا محتاج أدوات."

"أدوات إيه؟"

"مش سلاح.. أنا محتاج (عيون). عندك (درون)؟ طيارة تصوير؟"

ضحك عصام: "عيب عليك.. ده أنا (رادار). عندي واحدة كنت بستخدمها في.. إحم.. استكشاف الطرق للميكروباصات. بس مداها قصير."

"هاتها.. أنا هعدل عليها السوفت وير بتاعها. هخليها تشوف اللي إحنا مش شايفينه."

قضى ياسين الساعات التالية يعمل بجنون على طائرة الـ (Drone) الصغيرة. فكك عدستها، وربطها ببرنامج التحليل الخاص به على اللابتوب.أضاف "فلاتر" رقمية تعزل الضوء المرئي، وتركز على الطيف الكهرومغناطيسي.كان يصنع "عيناً طائرة" تكشف الطاقة بدلاً من المادة.

وعندما حل الليل، وتحولت سماء المنيا إلى اللون الكحلي الداكن، وقفا معاً فوق سطح المنزل.أطلق ياسين الطائرة. ارتفعت بصوت أزيز خافت، واتجهت شرقاً نحو النيل والجبل المظلم خلفه.على شاشة اللابتوب، لم تظهر صورة الجبل المعتادة.ظهرت "شبكة".الجبل كان مغطى بشبكة ضوئية حمراء معقدة، تشبه خيوط الليزر في أفلام السرقة.وفي وسط الشبكة، كانت هناك نقطة سوداء حالكة، تمتص الضوء حولها.المحجر القديم.

أشار ياسين للنقطة السوداء:"هناك.. دي وجهتنا. بس الشبكة دي.."

"مالها؟" سأل عصام بقلق.

"دي مش شبكة أمنية عادية. دي مصيدة. ولو لمسنا خيط واحد منها.. مش بس هيعرفوا مكاننا.. ده إحنا هنتقلي."

نظر عصام للخريطة، ثم لياسين، وابتسم ابتسامة المغامر:"حلو.. يبقى نمشي بين الخطوط. جهز نفسك يا (ناظر).. الليلة هندخل مقبرة الأحياء."

نزلوا إلى الشارع، حيث كانت سيارة "جيب" قديمة (بدون لوحات) تنتظرهم، دبرها عصام من معارفه.صعد ياسين بجوار السائق، واللابتوب مفتوح على حجره، يرسم لهما طريقاً آمناً وسط حقل الألغام الطاقي غير المرئي.المحرك دار بصوت هادر، وانطلقت السيارة نحو الجبل.

في تلك اللحظة، وعلى بعد كيلومترات في قلب المحجر، كان هناك رجل عجوز يجلس في كهف مضاء بالشموع، يكتب على جدار الكهف بقطعة فحم. توقفت يده فجأة.رفع رأسه، ونظر في الفراغ بعينين بيضاوين تماماً (أعمى).ابتسم الرجل العجوز "بهاء الأخرس" وتمتم بصوت لم يستخدمه منذ سنين:"أخيراً.. الوريث وصل."لكن ابتسامته تلاشت عندما شعر بشيء آخر يقترب من الجانب الآخر للجبل."والصيادون وصلوا أيضاً."
انطفأت مصابيح السيارة الـ "جيب" القديمة تماماً بناءً على أوامر ياسين، وغرق العالم في ظلام دامس لا يقطعه سوى ضوء النجوم الشاحب وصوت الإطارات العريضة وهي تطحن الحصى والرمال الخشنة. كان "عصام" يمسك عجلة القيادة بقبضة متوترة، وعيناه تحاولان اختراق السواد أمامه دون جدوى. كان يقود بذاكرة "قصاص الأثر" وبحاسة السائق الخبير، لكن حتى الخبرة لا تكفي حينما تكون "أعمى" تماماً في قلب الجبل.

"أنت متأكد يا ياسين؟" همس عصام بصوت مشدود: "إحنا ماشيين عتمة في عتمة. لو فيه صخرة واحدة مش في مكانها، العربية دي هتتقلب بينا وهتبقى كفتة."

بجانبه، كان وجه ياسين مضاءً بوهج شاشة اللابتوب الأزرق الباهت. لم يكن ينظر للطريق عبر الزجاج الأمامي، بل كانت عيناه مثبتتين على الشاشة التي تنقل بثاً مباشراً من طائرة "الدرون" التي تحلق فوقهم بمسافة عشرين متراً.

على الشاشة، لم يكن الطريق مجرد رمال. كان "شبكة".الأرض كانت مخططة بخطوط حمراء متقاطعة (مناطق خطر)، ومسارات خضراء ضيقة جداً ومتعرجة (مناطق آمنة).قال ياسين بصوت آلي، خالي من التردد:"كمل يا عصام.. امسك الدركسيون على الساعة 11.. انحراف بسيط شمال. قدامك 50 متر سالكين."

"طيب والسرعة؟"

"خليك على 40. مش أكتر. الأرض قدامنا فيها (تكهف).. يعني حفر تحت الرمل مش باينة. الدرون لاقطة فرق كثافة التربة."

سارت السيارة بحذر شديد. الصمت كان ثقيلاً، ورائحة الصحراء ليلاً كانت تحمل مزيجاً غريباً.. رائحة تشبه الكبريت المحروق، أو ربما رائحة "الأوزون" التي تسبق العواصف الرعدية، رغم أن السماء كانت صافية.

فجأة، صرخ ياسين:"فرامل! اقف مكانك!"

داس عصام على الفرامل بكل قوته، وانحرفت السيارة قليلاً قبل أن تتوقف وتثير سحابة من الغبار."في إيه؟ خضتني يا شيخ!"

أشار ياسين للشاشة بإصبع مرتجف:"بص هنا.. على بعد 5 متر قدامك."

نظر عصام للشاشة. رأى بقعة حمراء داكنة تتوهج وتنبض مثل قلب حي على الأرض."إيه ده؟ لغم؟"

عدل ياسين نظارته، ونظر من زجاج السيارة بعينيه المجردتين (المفعلتين). رأى البقعة الحمراء تتحول في بصره إلى دوامة من الغبار الأسود تدور حول نفسها بسرعة جنونية."ده مش لغم بارود.. ده (جيب طاقي). دوامة جاذبية. لو كنا عدينا عليها، كانت العربية اتعصرت زي علبة الكانز."

بلع عصام ريقه بصعوبة:"يا ساتر.. طب والعمل؟ هنرجع؟"

"مفيش رجوع." قالها ياسين وهو يمسح الدم الذي بدأ ينزف من أنفه مرة أخرى (ضريبة استخدام البصيرة لفترة طويلة): "لف الدركسيون يمين كامل.. اكسر جامد. هنطلع على المدق الصخري اللي فوق."

"يا عم المدق ده ضيق، والعربية دي عفشتها مش هتستحمل."

"يا نطلع يا نتمص في الدوامة دي. اختار."

ضغط عصام على البنزين، وانحرفت السيارة بعنف لتتسلق المنحدر الصخري الجانبي. المحرك زأر بصوت عالٍ، والإطارات انزلقت قليلاً قبل أن تمسك في الصخر وتصعد.بمجرد أن تجاوزوا المنطقة، سمعوا صوتاً خلفهم.صوت "ووووش".نظر عصام في المرآة الجانبية. رأى الرمال في البقعة التي كادوا يمرون عليها وهي تُشفط للأسفل في ثانية واحدة، مخلفة حفرة عميقة بقطر مترين."**** يخرب بيتك يا ياسين.. أنت عفريت يالا؟"

ابتسم ياسين بتعب:"أنا مش عفريت.. أنا بس شايف العفاريت."

استمروا في التقدم. التضاريس بدأت تتغير. الرمال الناعمة اختفت، وحلت محلها صخور جيرية بيضاء ضخمة، منحوتة بفعل الزمن وعوامل التعرية، لكن بعضها كان منحوتاً بفعل فاعل."إحنا دخلنا وادي النعناع." قال عصام وهو يمسح العرق عن جبينه: "المكان ده اسمه كده عشان زمان كان فيه زرع.. دلوقتي زي ما أنت شايف.. أرض ملعونة."

فجأة، أصدر اللابتوب صوت إنذار حاد.الشاشة تشوشت. الصورة القادمة من الدرون بدأت تتقطع."التشويش زاد.." تمتم ياسين وهو يحاول إعادة ضبط الإشارة: "إحنا بنقرب من المركز."

وفي لحظة، انقطع الاتصال بالدرون تماماً. الشاشة أصبحت سوداء."الدرون وقعت." قال ياسين بهلع.

"وقعت؟ يعني إيه وقعت؟ يعني إحنا عمينا؟"

"لا.. لسه." أغلق ياسين اللابتوب والقاه في المقعد الخلفي. خلع نظارته الطبية، وفرك عينيه المتوهجتين. "أنا هبقى الدرون بتاعك. طفي نور الطابلوه كمان يا عصام. مش عايز ولا شعاع ضوء."

ساد الظلام التام داخل السيارة. عصام لا يرى حتى يده أمامه."امشي يا عصام."

"امشي إزاي يا مجنون؟ أنا مش شايف كبوت العربية!"

"أنا شايف." وضع ياسين يده على كتف عصام، وأغمض عينيه هو الآخر. لم يكن بحاجة لفتحها. الصورة كانت مطبوعة في عقله الآن. الخيوط الطاقية المحيطة بهم كانت ترسم تضاريس الوادي بدقة (3D)."دوس بنزين خفيف.. سرعة 20. يمين سنة.. بس.. كمل طوالي."

سار عصام مغمض العينين حرفياً، مستسلماً لتوجيهات ياسين. كانت تجربة مرعبة، أن تسلم حياتك لشخص تعرفت عليه منذ ساعات، في طريق جبلي وعر، في ظلام دامس.

وفجأة، توقف ياسين عن الكلام.توقف عصام تلقائياً. "فيه إيه؟"

فتح ياسين عينيه، ونظر للمنطقة المظلمة على يمينهم، خلف تلة صخرية."فيه حاجة بتتحرك هناك."

"حاجة زي إيه؟ ديابة؟"

"لا.." همس ياسين، وصوته يرتجف: "الديابة ملهاش (بصمة باردة). الكائنات الحية بصمتها دافية (أحمر وأصفر). اللي هناك ده.. لونه أزرق تقيل. ميت.. بس بيتحرك."

قبل أن يستوعب عصام، قفز "شيء" من فوق الصخرة وهبط أمام مقدمة السيارة مباشرة.لم يكن كلباً، ولم يكن ذئباً.كان كائناً بحجم العجل الصغير، جلده أملس وخالٍ من الشعر تماماً ولونه رمادي شاحب كالجثث الغارقة. أطرافه طويلة بشكل غير متناسق، وله ذيل عظمي يتحرك كالسوط.لكن الرعب الحقيقي كان في وجهه.لم يكن له عيون.مجرد فم واسع مليء بأسنان مدببة تشبه الإبر، وأذنين طويلتين تتحركان بشكل مستقل كأطباق الرادار.

"يا نهار أسود ومنيل! إيه ده؟" صرخ عصام وهو يحاول الرجوع للخلف.

"السلعوة.." تمتم ياسين وهو يتذكر أساطير الصعيد: "بس دي مش سلعوة عادية. دي (متطورة). دي جاية من الناحية التانية."

الكائن فتح فمه وأطلق صرخة لم تكن نباحاً، بل كانت صريراً عالي التردد جعل زجاج السيارة يهتز وكاد ينشرخ.وبمجرد أن صرخ، ظهر اثنان آخران من خلف الصخور. ثم ثلاثة.أصبحوا محاصرين.

"شغل النور العالي يا عصام! دلوقتي!"

ضغط عصام الزر. انبعث الضوء الأبيض القوي من كشافات الجيب المعدلة.الكائنات تراجعت للخلف وهي تصرخ وتغطي وجوهها العمياء بأطرافها الطويلة."الضوء بيوجع جلدهم!" استنتج ياسين بسرعة: "جلدهم حساس للأشعة فوق البنفسجية!"

"ادوسهم؟" سأل عصام ويده على عصا الفتيس.

"لا.. دول بيلهونا." نظر ياسين للخلف بحدة: "بص وراك."

نظر عصام في المرآة.على قمة التبة التي نزلوا منها، ظهرت أضواء كاشفة قوية جداً. ثلاث سيارات دفع رباعي سوداء حديثة، مجهزة بكشافات (LED) ضخمة."الضيوف وصلوا."

السيارات السوداء لم تهتم بالوحوش. انطلقت نيران مدافع رشاشة مثبتة فوقها، وحصدت الكائنات الرمادية في ثوانٍ. الرصاص كان مضيئاً، ومصنوعاً من مادة تحرق جلد الوحوش فوراً.هؤلاء القتلة محترفون، ويعرفون بالضبط ما يواجهونه.

"دلوقتي يا عصام.." صرخ ياسين: "دلوقتي دوس بنزين واجري كأن في عفريت بيجري وراك! لأن اللي وراك دول أوسخ من العفاريت!"

انطلق عصام بالسيارة، تاركاً خلفه معركة قصيرة بين المرتزقة والوحوش المتبقية، وبدأت المطاردة الحقيقية في عمق الوادي.
تحول "وادي النعناع" إلى حلبة سباق مميتة. السيارة الجيب تقفز فوق الصخور، ومحركها يئن تحت وطأة الضغط، وخلفها تطاردها السيارات السوداء كوحوش ميكانيكية لا تتعب.

الرصاص بدأ يتطاير حولهم. رصاصة حطمت المرآة الجانبية، وأخرى ثقبت الصندوق الخلفي."وطي راسك يا ياسين!" صرخ عصام وهو يراوغ يميناً ويساراً لتشتيت الرماة: "الناس دي معاهم (جيرنوف) ولا إيه؟ صوت الطلقات تقيل!"

"دول بيضربوا عشان يعطلونا، مش يموتونا!" رد ياسين وهو يحاول قراءة "النمط" الحركي للمطاردين: "عايزينا أحياء.. أو على الأقل عايزين (القرص الصلب) اللي معايا."

"طب هنعمل إيه؟ الطريق قدامنا مسدود!"أشار عصام للأمام. الوادي ينتهي عند جدار صخري ضخم، وارتفاعه شاهق. إنه طريق مسدود (Dead End).السيارات خلفهم بدأت تنتشر لتشكيل قوس حصار.

نظر ياسين للجدار الصخري. بعينيه العاديتين، كان جداراً أصم. لا مفر.لكن عندما ركز بصره "البنفسجي"، رأى شيئاً غريباً.الجدار كان "يهتز". الصخور لم تكن ثابتة، بل كانت تتموج مثل سراب الصحراء في الظهيرة.وبين التموجات، رأى فراغاً."ده مش جدار.." همس ياسين بذهول: "ده وهم بصري. تمويه."

"بتقول إيه؟" صرخ عصام وهو يضغط الفرامل والدريفت ليوقف السيارة في مواجهة الجدار: "يا ياسين انطق! نسلم نفسنا ولا ننزل نحارب بالحجارة؟"

أمسك ياسين يد عصام بقوة، وضغط عليها:"عصام.. أنت بتثق فيا؟"

"يا عم هو ده وقته؟ ما إحنا لبسنا في الحيطة خلاص!"

"بالظبط.. إحنا هنلبس في الحيطة. دوس بنزين وكمل طوالي."

نظر له عصام بذهول:"أنت اتجننت؟ عايزني اخبط في الجبل؟ العربية هتتفشفش وإحنا هنبقى عجينة!"

"مفيش جبل يا عصام! ده هولوغرام.. إسقاط ضوئي قديم معمول من أيام الكهنة عشان يحموا المكان. صدقني! أنا شايف اللي وراه. وراه طريق سالك!"

السيارات السوداء توقفت خلفهم على بعد مائة متر. نزل منها رجال مسلحون، وبدأوا يتقدمون ببطء، واثقين من أن الفريسة محاصرة.

نظر عصام للمرايا، رأى المسلحين يقتربون. ثم نظر للجدار الصخري الصلب أمامه. ثم نظر لعين ياسين التي كانت تلمع بصدق مخيف."يا دين النبي.." تمتم عصام وهو يعض شفتيه: "لو طلعت بتخرف، قسماً ب**** لأقتلك قبل ما نموت."

أرجع عصام "الفتيس" للغيار الأول، ثم الثاني بسرعة، وضغط دواسة البنزين حتى لامست أرضية السيارة.انطلقت الجيب كالسهم نحو الجدار الصخري."أشهد أن لا إله إلا ****.." صرخ عصام وهو يغمض عينيه في اللحظة الأخيرة، متوقعاً الارتطام المميت.

ياسين لم يغمض عينيه. ظل يحدق في الصخور المقتربة."افتح يا سمسم.." همس بسخرية مريرة.

وبدلاً من صوت تحطم المعدن وتهشم العظام.. سمعوا صوتاً يشبه "تمزق فقاعة صابون".مرت السيارة عبر الصخور وكأنها ضباب.اختفى الجدار خلفهم، ووجدوا أنفسهم في ممر ضيق جداً منحوت داخل الجبل، مضاء بمشاعل زيتية قديمة معلقة على الجدران، تشتعل بنار زرقاء لا تنطفئ.

فتح عصام عينيه، وضغط الفرامل بذهول حتى توقفت السيارة.التفت خلفه. الممر خلفهم كان مسدوداً بصخور حقيقية."إحنا.. إحنا دخلنا إزاي؟"

"الممر ده ليه (بوابة ترددية)." شرح ياسين وهو يمسك رأسه الذي كاد ينفجر من الصداع: "لازم تدخل بسرعة معينة وزاوية معينة عشان تعدي. لو كنت فرملت، كنا خبطنا بجد."

"وأنت عرفت السرعة منين؟"

"قرأت النمط اللي على الصخر بره. كان فيه معادلة مكتوبة بالنقوش.. (المسافة ÷ الزمن = السرعة المقدسة)."

نزلوا من السيارة. الممر كان بارداً بشكل غير طبيعي، ورائحة البخور القديم تفوح في المكان.متاهة الظلال.الجدران كانت مليئة بنقوش ورسومات. ليست فرعونية، ولا قبطية، ولا إسلامية.كانت رسومات لأشخاص بوجوه مطموسة، يقفون أمام بوابات تخرج منها كائنات تشبه الدخان.وفي سقف الممر، كان هناك رسم ضخم لعين.. نفس العين التي رآها ياسين في كل مكان. ولكن هذه المرة، العين كانت تبكي دماً.

"مين اللي باني المكان ده؟" سأل عصام وهو يتحسس الجدران برهبة.

"مش عارف.." رد ياسين وهو يقترب من نقش معين: "بس اللي بناه، كان خايف من اللي جوه.. مش من اللي بره."

ساروا في الممر الصخري لمسافة بدت وكأنها أميال. الزمن هنا كان يبدو مطاطياً. ساعاتهم توقفت عن العمل.وأخيراً، انفتح الممر على ساحة واسعة دائرية، مكشوفة للسماء (التي كانت تبدو غريبة، النجوم فيها تتحرك بسرعة).في وسط الساحة، كان هناك مبنى حجري قديم، يشبه صومعة الرهبان، لكنه مبني من حجر أسود بركاني.

وأمام باب الصومعة، جلس رجل عجوز.كان يرتدي جلباباً صوفياً خشناً، وشعره الأبيض الطويل ينسدل على كتفيه.كان يجلس القرفصاء، وأمامه نار صغيرة يشوي عليها بصلة وبعض الخبز.

توقف ياسين وعصام.رفع الرجل رأسه ببطء.عيناه كانتا بيضاوين تماماً. بلا قزحية ولا بؤبؤ.لكن عندما تكلم، كان صوته قوياً، عميقاً، يملأ الساحة كلها دون أن يرفع نبرته:

"تأخرتم." قال الرجل وهو يقلب البصلة في النار: "الشاي برد."

نظر عصام لياسين: "هو ده الأخرس؟ ده بيتكلم أهو!"

ابتسم الرجل العجوز ابتسامة أظهرت أسنانه الصفراء القوية:"أنا أخرس عن الكلام الفارغ يا بني.. مش عن الحق. تعالوا.. (الزوار) اللي وراكم مش هيعرفوا يعدوا الحاجز دلوقتي، بس مش هيغيبوا كتير."

تقدم ياسين خطوة، وشعر بأن "الخيط" الذي في صدره ينجذب بقوة نحو هذا الرجل."أنت بهاء الأخرس؟"

"وأنت حفيد (الراصد)." رد الرجل وهو يشير لياسين بالجلوس: "عينيك فضحاك يا ولد. لونهما بقى زي لون السماء قبل العاصفة."

جلس ياسين وعصام أمام النار. الدفء كان مريحاً بعد برد الممر.سأل ياسين مباشرة:"جدي بعتني ليك. قالي إنك هتعرفني الحقيقة. إيه اللي بيحصل؟ ومين الناس اللي بيطاردوني؟ وإيه الرمز ده؟"

أخذ بهاء عصا خشبية، ورسم دائرة في التراب حول النار."اللي بيطاردوك يا ياسين مش ناس. دول (ظلال) لبست بدلات بشر. اسمهم (حراس الصمت). ومهمتهم إن مفيش حد يعرف السر."

"أي سر؟"

"سر إننا مش لوحدنا." نظر بهاء للسماء: " السر ان فيه كيانات كتير نفسها تتحكم في الارض منهم المجلس."

اتسعت عينا ياسين: "مجلس؟"

"أيوه. مجلس الحكام. العهد اتكسر. والأختام اللي القدام حطوها بدأت تدوب. وأنت يا ياسين.. أنت مش بس بتشوف الأنماط.. أنت (المفتاح) اللي بيقرا (خريطة الأختام)."

ثم التفت لعصام:"وأنت يا ابن (جابر).. أبوك ممتش."

انتفض عصام واقفاً، وسقط كوب الشاي من يده:"أبويا؟ أنت تعرف أبويا؟ هو فين؟"

أشار بهاء بإصبعه نحو الأرض.. لا، ليس نحو التراب، بل نحو "عمق" الأرض."أبوك نزل يجيب حتة آثار، بس وقع في (الشق). هو محبوس في (المنطقة الرمادية).. بين الحلم واليقظة. وعشان ترجعه.. لازم تساعد صاحبك ده يكمل المهمة."

"مهمة إيه؟" سأل ياسين.

أخرج بهاء من جيبه صندوقاً خشبياً صغيراً جداً، محفوراً عليه نفس الرموز المسمارية."المهمة إنك تجمع الباقيين. واهم شخصيه لازم تلاقيها هيا المهندسه


رمى الصندوق لياسين."افتح ده. هتلاقي فيه أول خيط لـ (المهندسة). هي الوحيدة اللي تقدر تبني السد قبل ما الطوفان يغرقنا كلنا."

فتح ياسين الصندوق. وجد بداخله قطعة من حجر فيروزي غريب، تنبض بضوء خافت، وورقة مطوية مكتوب عليها عنوان واحد:"الإسكندرية - مكتبة الأسرار الغارقة".

وقبل أن يسأل ياسين المزيد، اهتزت الأرض تحت أقدامهم.سمعوا صوت انفجار مكتوم قادم من الممر الذي دخلوا منه.وقف بهاء الأخرس، وتغيرت ملامحه من الهدوء إلى الغضب المرعب."لقد كسروا الحاجز." قال بصوت يشبه الرعد: "استخدموا (ددمم) بشري عشان يفتحوا البوابة. الأوغاد!"

أمسك بهاء بعصاه، وضرب بها الأرض."اجروا!" صرخ فيهم: "اخرجوا من الباب الخلفي للمحجر! انزلوا للنيل! المركب مستنيكم هناك!"

"وأنت؟" صرخ ياسين.

"أنا هعطلهم. بقالي 50 سنة مستني اللحظة دي. روحوا هاتوا (المهندسة).. وبسرعة!"

دفعهم بهاء بقوة غير مرئية نحو باب خلفي صغير في الصومعة.اضطر ياسين وعصام للركض، بينما وقف العجوز الأعمى وحيداً في الساحة، يواجه مدخل الممر الذي بدأت تتدفق منه السيارات السوداء والوحوش الرمادية.

آخر ما رآه ياسين قبل أن يغلق الباب، كان بهاء الأخرس يرفع يده، وتندلع نار زرقاء هائلة من جسده، مشكلة جداراً من اللهب يفصل بينه وبين الغزاة.

بدأ الهروب الثاني. لكن هذه المرة، الهروب ليس للنفاذ بالجلد، بل لبدء "التجميع".الوجهة القادمة: الإسكندرية.

الجزء الثالث
  • "الكون نُسج على نولٍ سباعي؛ سبع سماوات تحمينا، وسبع أراضٍ تحملنا. الرقم ٧ ليس مجرد عدد، إنه شفرة البناء لهذا الوجود."
الجزء الثالث: مدينة الغرقى
استقبلتهم الإسكندرية بوجها الحقيقي؛ ليس وجه الصيف المشرق والسياح، بل وجه الشتاء العابس، الغامض، والجميل بقسوة. السماء كانت لوحة رمادية متدرجة، تهطل بمطر لا يتوقف، "نوة" عنيفة تجعل البحر يضرب سور الكورنيش بغضب، ناشراً رذاذ الملح واليود في كل مكان.
نزل ياسين وعصام من القطار في محطة مصر، بملابسهم التي لا تزال تحمل غبار محاجر المنيا، ليجدوا أنفسهم وسط زحام المدينة الساحلية المبتلة.
ارتجف ياسين وهو يضم معطفه الخفيف حول جسده. البرد هنا مختلف؛ إنه برد يتسلل للعظام، رطب وثقيل.
"يا ساتر على الرطوبة.." تمتم عصام وهو يفرك كفيه: "إحنا طلعنا من النار للثلج. فين الست نورين دي بقى؟ ولا هننام في الشارع؟"
أخرج ياسين الحجر الفيروزي من جيبه. كان الحجر دافئاً بشكل غريب، وكأنه يتفاعل مع طاقة المكان. وميض خافت جداً كان ينبض داخله، يشير باتجاه منطقة "كوم الدكة".
"المسرح الروماني.." قال ياسين وعيناه تتابعان خيطاً ضوئياً لا يراه غيره يمتد عبر الشوارع المبتلة: "هي قريبة من هناك. بس الإشارة مش جاية من المسرح نفسه.. جاية من الحواري القديمة اللي وراه."
استقلوا سيارة أجرة صفراء وسوداء، وتوغلوا في الشوارع الضيقة لمنطقة كوم الدكة. البيوت هنا قديمة، متهالكة، لكنها تحمل عبق التاريخ.
نزلوا في زقاق ضيق لا تدخله السيارات.
توقف ياسين أمام ورشة قديمة ذات باب خشبي ضخم مطلي بالأزرق المتقشر. لافتة صغيرة نحاسية كانت تعلو الباب، مكتوب عليها بخط ديواني أنيق:
"نورين للترميم - إعادة إحياء الماضي".
"هي دي.." همس ياسين.
طرق عصام الباب بالمطرقة الحديدية.
لا رد.
طرق مرة أخرى بعنف.
انفتح شباك صغير في الباب، وظهرت عينان.. عينان بلون البحر الهائج في الشتاء، رماديتان تميلان للزرقة، وتلمعان بذكاء حاد وحذر شديد.
"عايزين إيه؟" جاء الصوت نسائياً لكنه خشن، جاف، خالي من الترحيب.
بادر عصام بابتسامته المعتادة:
"يا صباح الأنوار.. إحنا جايين من طرف واحد معرفة.. الحج بهاء الأخرس **** يرحمه."
بمجرد ذكر الاسم، تغيرت نظرة العينين. لم تفتح الباب، بل أغرقت في الصمت لثانية، ثم قالت ببرود:
"بهاء مات؟"
تدخل ياسين بسرعة:
"مات وهو بيحمينا يا آنسة نورين. وهو اللي بعتنا ليكي.. ومعايا (المفتاح)."
ورفع الحجر الفيروزي أمام الشباك.
انفتح الباب فوراً، وسحبتهم يد قوية للداخل، ثم أغلقته خلفهم بالترباس والمفتاح والسلسلة في ثوانٍ معدودة.
وجدوا أنفسهم في ورشة واسعة، سقفها مرتفع جداً، مليئة بالتماثيل المكسورة، والأعمدة الرخامية، ورائحة قوية للمواد الكيميائية والجص والتربنتين.
ووسط هذه الفوضى المنظمة، وقفت "نورين".
لم تكن تشبه "البطلات" اللاتي يراهن ياسين في الأفلام. كانت ترتدي "أفرول" عمل ملطخاً بالألوان والغبار، وشعرها الكستنائي القصير ملموم بربطة عشوائية، ووجهها يحمل آثار إرهاق وسهر، لكنه وجه لا يمكن نسيانه. ملامحها حادة، منحوتة بدقة، وأنفها مستقيم بشموخ، وشفتها السفلى تحمل ندبة صغيرة بيضاء.
كانت جميلة.. جمالاً "شرساً".
نظرت لياسين من فوق لتحت، وكأنها تمسحه بماسح ضوئي:
"أنت العين؟" سألت بلهجة تقريرية.
"أيوه.. أنا ياسين. وده عصام."
تجاهلت عصام تماماً، واقتربت من ياسين خطوة. كانت أطول مما توقع، تقريباً في نفس طوله. رائحتها كانت مزيجاً غريباً من "الياسمين" و"التنر" (مذيب الطلاء).
"مين اللي باعتكم ورايا؟ مجلس الحكام؟ ولا الظلال؟" سألت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها.
"مجلس الحكام بيطاردنا زي ما بيطاردك." رد ياسين بثقة: "بهاء حكالنا كل حاجة عنهم. وعن الخطة بتاعتهم للسيطرة."
تنهدت، ولمعت في عينيها دمعة واحدة حبستها بكبرياء، ثم استدارت لتعطيهم ظهرها:
"بهاء كان راجل.. بس كان طيب زيادة عن اللزوم. المجلس مش بس عايز يسيطر.. المجلس عايز يبيع الأرض للي يدفع أكتر من الكيانات التانية."
ثم التفتت فجأة، وفي يدها "مشرط" حاد جداً كانت تخفيه في جيبها، ووجهته نحو عنق ياسين بسرعة مذهلة جعلت عصام يضع يده على مسدسه (المسروق).
"بس أنا إيش ضمني إنكم مش طعم؟"
رفع ياسين يديه باستسلام، لكنه لم يتراجع. نظر في عينيها مباشرة بـ "بصيرته".
رأى هالتها.
لم تكن هالة عادية. كانت هالتها عبارة عن "مكعبات" هندسية دقيقة بلون فضي، تترتب وتنهار وتعيد ترتيب نفسها. عقلها يعمل كمعمارية طوال الوقت، تبني الحواجز.
ولكن في عمق الهالة الفضية، رأى "نواة" حمراء متوهجة.. حزن دفين، ووحدة قاتلة.
قال ياسين بهدوء غريب:
"محدش باعتنا يا نورين. أنا شايف حزنك.. وشايف إنك خايفة. بس السلاح ده مش لينا. بصي بره.. بصي على الباب."
نظرت نورين للباب.
سمعوا صوت سيارات تقف بالخارج. وصوت خطوات عسكرية ثقيلة تحاصر الزقاق.
"لقونا.." قال عصام وهو يسحب أجزاء المسدس: "يا ساتر على الرادار اللي راكب في قفاهم ده!"
تحولت ملامح نورين من التهديد إلى التركيز العملي. خفضت المشرط، وركضت نحو طاولة عمل ضخمة، ضغطت زراً خفياً تحتها.
"مش هيقدروا يكسروا الباب بسهولة، ده خشب أرو مدعم بحديد." قالت بسرعة: "بس معاهم متفجرات أكيد. لازم نخلع."
"منين؟" سأل ياسين: "الورشة ملهاش باب خلفي!"
ابتسمت نورين، ابتسامة جانبية ساخرة:
"أنا مهندسة يا ذكي. أنا اللي بصمم الأبواب.. وأنا اللي بصمم المخابئ."
دفعت تمثالاً نصفياً لرأس روماني ضخم.
تحرك جزء من الحائط الخلفي للورشة، كاشفاً عن ممر مظلم ورطب، تفوح منه رائحة البحر القديمة.
"ده سرداب بيوصل لسراديب كوم الدكة تحت الأرض. انزلوا بسرعة!"
دوى انفجار هائل عند الباب الرئيسي، وتطاير الخشب والشظايا.
اندفع الثلاثة داخل الممر السري، وعاد الحائط ليغلق خلفهم، تاركاً النور والضوضاء خلفهم، ومستقبلين ظلام العالم السفلي للإسكندرية.
الفصل العاشر: المساحة صفر (التلامس)
كان السرداب ضيقاً، رطباً، وأرضيته زلقة بسبب تسرب مياه البحر الجوفية. ركضوا في الظلام، ونورين تقودهم بذاكرة تحفظ كل حجر في هذا المكان.
لكن أصوات المطاردين بدأت تقترب. يبدو أن "جنود المجلس" يملكون خرائط لهذه الأنفاق أيضاً.
"بيحاصرونا!" صاح عصام وهو يلهث في المؤخرة: "فيه صوت خطوات جاية من الممر اللي قدامنا كمان!"
توقفت نورين فجأة.
"تباً.. قفلوا المخارج الرئيسية."
نظرت حولها في الممر الحجري الضيق. كانت الجدران مليئة بفجوات الدفن القديمة (Catacombs)، معظمها فارغ، وبعضها محطم.
"مفيش غير حل واحد.." همست نورين، وأشارت إلى شق ضيق جداً في الجدار الجانبي، يبدو كأنه صدع ناتج عن زلزال قديم، ويختفي خلف عمود مكسور.
"الشق ده بيودي لغرفة دفن ملكية مخفية.. بس المدخل ضيق جداً. لازم نحشر نفسنا فيه لحد ما يعدوا."
دفع عصام ياسين ونورين: "ادخلوا أنتو الأول! أنا هراقب."
"ادخل يا غبي مفيش وقت للبطولة!" جذبته نورين.
دخلوا الشق الصخري. كان المكان أضيق مما تخيلوا. بالكاد يتسع لشخصين، فما بالك بثلاثة.
اضطر عصام للبقاء عند المدخل قليلاً ليغلق الفتحة بحجر مموه، بينما تراجع ياسين ونورين للعمق، وانحشرا في تجويف صخري لا تزيد مساحته عن نصف متر مربع.
اضطر ياسين للوقوف وظهره للحائط البارد، بينما وقفت نورين أمامه مباشرة، وجهاً لوجه.
المساحة كانت معدومة (Zero Space).
جسدها كان ملتصقاً بجسده تماماً.
صدرها يعلو ويهبط بعنف من أثر الجري، يلامس صدره مع كل شهيق وزفير.
كانت ملابسهم مبللة من المطر والعرق، فالتصق القماش بالجلد، مما جعل ياسين يشعر بحرارة جسدها تنتقل إليه كتيار كهربائي سارٍ في الماء.
في الظلام الدامس، لم يكن يرى وجهها بوضوح بعينيه العاديتين، لكن "بصيرته" كانت تعمل بجنون بسبب التوتر.
رأى هالتها الفضية تضطرب. رأى الدماء تتدفق في عروق رقبتها القريبة جداً من شفتيه.
شعر بأنفاسها الساخنة تضرب عنقه، ورائحة الياسمين والمطر التي تفوح من شعرها المبلل تملأ رئتيه، وتخدر تفكيره المنطقي.
همست نورين بصوت مرتعش خافت جداً، وهي تحاول أن تبعد وجهها قليلاً عنه لكن لا مجال:
"لو حد اتحرك أو طلع صوت.. كلنا هنموت."
حاول ياسين أن يهمس "تمام"، لكن صوته خرج محشـوراً. كان فخذه يلامس فخذها، ويده محاصرة بجوار خصرها.
شعر ياسين برجفة تسري في جسدها القوي. هل هي خائفة؟ أم تشعر بما يشعر به؟
نظر في عينيها اللتين تلمعان في الظلام.
لم تعد نورين "المهندسة الشرسة" التي رفعت عليه المشرط.
في هذه اللحظة، كانت امرأة خائفة، وحية، وساخنة بشكل لا يطاق.
رأى في عينيها انعكاس صورته.. ورأى شيئاً آخر. رأى "الخيط الأحمر" (الرغبة) يبدأ في التشكل بين قلبه وقلبها، خيط رفيع جداً، لكنه موجود.
دون وعي، رفع ياسين يده المحاصرة، ولمست أصابعه الباردة جلد ذراعها المكشوف من الكم المشمر.
انتفضت قليلاً، لكنها لم تبعد يدها.
التقت أعينهم في صمت مطبق، إلا من صوت قطرات الماء التي تسقط من السقف، وصوت دقات قلوبهما المتسارعة التي تكاد تُسمع في المكان الضيق.
كانت لحظة خارج الزمن. الخطر في الخارج، والموت على بعد خطوات، لكن هنا.. في هذا القبر الضيق.. كانت الحياة تشتعل بين جسدين غريبين جمعتهما الأقدار.
مالت نورين برأسها قليلاً، فلامست خصلات شعرها المبللة خد ياسين.
أغمض ياسين عينيه، مستسلماً لهذا الشعور الطاغي. شعور بالاحتواء.. وبالانجذاب المغناطيسي الذي لا يمكن مقاومته بالأرقام والمنطق.
فجأة، جاء صوت خطوات ثقيلة تتوقف أمام الشق الصخري مباشرة بالخارج.
توقف ياسين عن التنفس.
وضعت نورين يدها تلقائياً على صدر ياسين، وكأنها تحاول تهدئة دقات قلبه الفاضحة، أو ربما لتحتمي به. ضغطت بأصابعها على قميصه المبلل.
شعر ياسين بقوة يدها، وبضعفها في آن واحد.
في تلك اللحظة، أدرك ياسين أنه مستعد لمواجهة جيش كامل من "المجلس" لكي لا يصيب هذه المرأة خدش واحد.
مرت دقيقة كالدهر.
ثم تحركت الخطوات مبتعدة.
"المنطقة دي نظيفة.. فتشوا القطاع الشمالي." جاء صوت أحد الجنود وهو يبتعد.
زفر عصام (الذي كان يراقب من المدخل) الهواء بصوت مسموع:
"مشيو.. ولاد التيت مشيوا!"
لكن ياسين ونورين لم يتحركا فوراً.
ظلا ملتصقين لثوانٍ إضافية. ثوانٍ "مسروقة" من الزمن.
رفعت نورين عينيها إليه مرة أخرى، وكانت نظرتها هذه المرة مختلفة.. نظرة تساؤل، وارتباك، وشيء من الليونة.
ثم، وكأنها استعادت وعيها، دفعت صدره برفق وتراجعت للخلف خطوة واحدة (بقدر ما تسمح المساحة).
"يلا.." قالت بصوت حاولت أن تجعله صلباً، لكنه كان لا يزال يحمل بحة غريبة: "الطريق أمان دلوقتي."
خرجوا من الشق الصخري واحداً تلو الآخر.
نظر عصام لياسين، ثم لنورين التي كان وجهها متورداً رغم البرد والظلام.
ابتسم عصام ابتسامة جانبية خبيثة، وهمس لياسين وهو يمر بجانبه:
"شكلك لقيت (المعادلة) بتاعتك يا صاحبي.. بس خلي بالك، دي معادلة من الدرجة الرابعة.. صعبة الحل."
تجاهله ياسين، لكنه شعر بوجهه يشتعل.
نظر إلى نورين التي كانت تسير في المقدمة بخطوات سريعة، تشق الظلام.
لم تعد مجرد "المهمة". أصبحت جزءاً من "النمط" الشخصي لياسين.
"على فين دلوقتي؟" سأل ياسين وهو يحاول استعادة نبرته العملية.
توقفت نورين دون أن تلتفت، وأشارت لمخرج بعيد في نهاية النفق، يظهر منه ضوء القمر:
"على (القلعة).. قلعة قايتباي. لازم نروح البحر."
"البحر ليه؟"
"لأن اللي أنتم بتدوروا عليه.. والسر اللي المجلس بيموت نفسه عليه.. موجود تحت المية. في المدينة الغارقة."
التفتت إليهم، وعيناها تلمعان بتحدٍ جديد:
"جاهزين تتبلوا؟ لأن الرحلة الجاية.. مفيهاش نَفَس."
وصلوا إلى "الأنفوشي"، الحي السكندري العتيق الملاصق لقلعة قايتباي. المطر كان قد تحول إلى سيول تغسل شوارع المدينة وتفرغها من المارة، مما جعل تحركهم سهلاً رغم خطورته.
قادتهم نورين إلى "هنجر" (مخزن) قوارب قديم متهالك يطل مباشرة على الميناء الشرقي. من الخارج يبدو كومة من الخشب المتعفن، لكن من الداخل كان مجهزاً كورشة سرية ومخبأ للطوارئ.
أغلقت نورين الباب الحديدي الثقيل، وأضاءت مصباحاً واحداً خافتاً يتدلى من السقف.
"ارتاحوا هنا.." قالت وهي تخلع معطفها المبلل وتلقيه على برميل صدئ: "عصام، فيه أكل معلب وماية في الصندوق اللي هناك. ياسين.. تعال معايا."
كان عصام قد انهار حرفياً على أريكة قديمة في الزاوية، وغط في نوم عميق بمجرد أن أغمض عينيه، تاركاً ياسين ونورين وحدهما في الركن الآخر من المخزن.
جلست نورين على طاولة خشبية، وأشارت لياسين ليجلس أمامها على كرسي.
أحضرت صندوق إسعافات أولية.
"إيدك بتنزف.." قالت بصوت هادئ، وهي تشير لجرح طويل في ساعد ياسين أصيب به أثناء الهروب في القبو الضيق.
مد ياسين يده لها. أمسكت كفه بين يديها الباردتين. لمسة يدها كانت عملية في البداية، تنظف الجرح بقطنة وكحول، لكن ياسين شعر بارتجافة خفيفة في أصابعها.
تألم ياسين قليلاً عندما لمس الكحول الجرح، فرفعت عينيها إليه بسرعة:
"وجعتك؟"
"لا.." رد ياسين وهو يغرق في عينيها الرماديتين: "أنا بس.. مش متعود حد يهتم بجروحي. أنا متعود أكون (رقم) في معادلة، والأرقام مبتتألمش."
ابتسمت نورين ابتسامة حزينة، وبدأت تلف الشاش حول يده برفق:
"كلنا أرقام يا ياسين.. بس فيه أرقام (أولية).. مينفعش تتقسم على حد. بتبقى وحيدة."
"وأنتِ؟" سأل ياسين بجرأة لم يعهدها في نفسه: "أنتِ بتبني حيطان حوالين نفسك ليه؟ أنا شفت هالتك في السرداب. مكعبات فضة.. دروع."
توقفت يدها عن الحركة. ظلت ممسكة بيده، لكنها لم تنظر إليه.
"لأن أي حاجة بنيتها قبل كده اتهدت." همست بصوت مبحوح: "أهلي ماتوا في زلزال 92.. البيت وقع عليهم وأنا الوحيدة اللي طلعت من تحت الأنقاض. من يومها وأنا بدرس هندسة وترميم.. عشان أتعلم إزاي أخلي الحاجات متقعش. إزاي أثبت الدنيا."
شعر ياسين بقلبه ينقبض. الآن فهم "النمط" الخاص بها. هي لا تبني لتعزل نفسها، هي تبني لتحمي ما تبقى منها.
رفع يده السليمة، وبحركة عفوية، أزاح خصلة شعر مبللة كانت تغطي جبهتها.
نظرت إليه بذهول.
لم يسحب يده. ترك أصابعه تلامس وجنتها برفق شديد.
"مش كل الحيطان بتحمي يا نورين.." قال بصوت دافئ: "ساعات الحيطان بتخنق. وأنا.. أنا عيني بتشوف الشقوق اللي في الحيطة.. وبتشوف النور اللي وراها."
مالت نورين بوجهها نحو يده، وكأنها تستجدي الدفء من لمسته. أغمضت عينيها، وسمحت للحظة ضعف نادرة أن تسيطر عليها.
المسافة بينهم تلاشت مرة أخرى، لكن هذه المرة باختيارهم، لا بسبب ضيق المكان.
اقترب ياسين أكثر. كان يستطيع شم رائحة المطر في أنفاسها.
فتحت عينيها، وكان فيهما نظرة استسلام ودعوة صامتة.
"ياسين.." همست اسمه وكأنه تعويذة.
كاد يلمس شفتيها، لولا صوت "صفارة" إنذار خافتة انطلقت من جهاز الكمبيوتر الموجود في الورشة.
انتفضت نورين مبتعدة، ووجهها يشتعل حمرة وارتباكاً. سحب ياسين يده بسرعة، وشعر بفراغ بارد يحل محل دفئها.
"الرادار البحري.." قالت نورين وهي تحاول استعادة صوتها العملي، وتتجه نحو الشاشة: "فيه حركة في الميناء الشرقي. قوارب المجلس نزلت المية."
وقف ياسين بجوارها، يحاول تنظيم دقات قلبه:
"بيدوروا على المدينة؟"
"بيدوروا على (المدخل)." صححت نورين وهي تضغط أزراراً بسرعة: "المدينة الغارقة كبيرة.. قصور كليوباترا، ومعبد إيزيس.. متاهة تحت المية. لكن اللي إحنا عايزينه موجود في (غرفة الأسرار) تحت المعبد. والمدخل ده مخفي بطلاسم هندسية."
التفتت إليه، وقد عادت "المهندسة" لتسيطر على الموقف، لكن عينيها لا تزالان تحملان لمعة تلك اللحظة الحميمة:
ياسين.. أنا صممت بذلتين غطس مخصوصين للمهمة دي. فيهم نظام دفع (تيربو) وفيهم (تمويه) ضد السونار. أنا وأنت هننزل.لكن فيه قطعه مهمه ناقصه وهيا محول الدفع الهيدروكي "
واردفت تشرح لهم
"المدينة الغارقة محمية بحاجز ضغط عالي جداً.. مش طبيعي. لو نزلنا بمعدات عادية هنتفجر زي البالونات. المحول ده كان موجود في غواصات البحث العلمي القديمة اللي اتكهنت."
"وموجود فين دلوقتي؟" سأل ياسين.
"في مقبرة السفن في المكس. منطقة عسكرية مهجورة، بس عليها حراسة من شركات خاصة تابعة للمجلس."
كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحاً، والمطر "النوة" يضرب أسقف منطقة "المكس" الصفيحية بإيقاع مزعج ومستمر. وقفت السيارة الفان القديمة (التي دبرتها نورين) في منطقة معزولة، تطل على ما يُعرف بـ "مقبرة السفن".
من خلف الزجاج المضبب، كان المشهد كابوسياً. هياكل سفن عملاقة صدئة، نصف غارقة في الماء ونصف بارزة كعظام وحوش ميتة. رافعات الميناء القديمة تقف كأشباح معدنية تصر في مهب الريح.
التفتت نورين إلى المقعد الخلفي، حيث كان ياسين وعصام يرتجفان من البرد رغم المعاطف الثقيلة. فردت خريطة معقدة للمكان على "تابلوه" السيارة، وأضاءت كشافاً صغيراً.
"ركزوا معايا.." قالت نورين بصوتها الجاد، لكن ياسين لاحظ ارتعاشة خفيفة في شفتها السفلى، ربما من البرد أو التوتر: "القطعة اللي محتاجينها (المحول الهيدروليكي) موجودة في غواصة بحثية روسية قديمة اسمها (كراسنودار)، متروكة في القطاع (ج) بقالها عشرين سنة."
"روسي؟" صفر عصام بذهول: "يا ساتر.. ده تلاقي المسامير بتاعتها مصدية ومقفشة."
"عشان كده جبت دي.." أخرجت نورين بخاخاً كيميائياً ومفكاً ضخماً وعدة يدوية ثقيلة: "المشكلة مش في الصدأ يا عصام.. المشكلة في الحراسة. المنطقة دي مأجراها شركة أمن خاصة تابعة للمجلس. معاهم كلاب مدربة، وكاميرات حرارية."
نظر ياسين للخريطة، ثم أغمض عينيه للحظة ليفعل "بصيرته". امتد وعيه خارج السيارة، مخترقاً المطر والحديد.
"فيه برجين مراقبة.." همس ياسين وهو يضغط على صدغه بألم: "واحد شمال البوابة، وواحد يمين. البرج اليمين فيه قناص.. والبرج الشمال فيه كاميرا متحركة بتلف 180 درجة كل 15 ثانية."
"حلو.." قال عصام وهو يسحب لثاماً أسود ليغطي وجهه، وتلمع في عينيه "لمعة الحرامي" المحترف: "القناص سيبوهولي.. مش هقتله، بس هخليه ياخد تعسيلة. والكاميرا.. ياسين، هتحسبلي التوقيت؟"
"بالثانية." أكد ياسين.
نزلوا من السيارة، وتسللوا عبر الوحل والزيوت المختلطة بماء المطر. رائحة المكان كانت مزيجاً مقززاً من الصدأ، المازوت، ورائحة البحر العفنة.
وصلوا للسور الشائك.
قص عصام السلك بمهارة وسرعة لا تصدق.
"ادخلوا.." همس لهم.
تحركوا كالأشباح وسط هياكل السفن. كل خطوة كانت محسوبة.
فجأة، توقف ياسين وأمسك كتف نورين بقوة.
"استني!"
"فيه إيه؟"
"الكلب.. فيه دورية راجلة جاية من ورا الحاوية دي."
انحشروا خلف مولد كهرباء قديم. نورين كانت ملتصقة بياسين. شعر بقلبها يدق بعنف في ظهرها.
مر الحارس ومعه كلب "روت وايلر" ضخم. الكلب توقف، ورفع أنفه في الهواء وشمشم.
حبس ياسين أنفاسه. نظر لنورين، رأى العرق يتصبب على جبينها رغم البرد. مد يده ببطء وغطى فمها (رغم أنها لم تتكلم) كإجراء احترازي وحماي.
نظرت ليده، ثم لعينيه. تواصل صامت: أنا معاكي.
سحب الحارس الكلب: "يلا يا رعد.. مفيش حاجة هنا."
ابتعدت الخطوات.
"بسرعة!"
ركضوا نحو الغواصة الروسية. كانت كتلة سوداء كئيبة نصف مغمورة في الماء.
قفزت نورين للداخل، ولحق بها عصام.
"ياسين.. خليك فوق راقب الجو."
مرت عشر دقائق بدت كدهر.
ياسين يراقب من فتحة البرج، والمطر يغسل وجهه ونظارته.
سمع صوت "طقطقة" معدنية عنيفة من الأسفل.
"عصام.. نورين.. أنجزوا!" همس في اللاسلكي.
جاء صوت نورين متهدجاً: "المسمار الأخير.. جامد جداً.. عصام ساعدني!"
ثم صوت ارتطام معدني، وصوت عصام يسب ويلعن: "يا بنت الايه.. فكت! يلا شيلي معايا!"
خرجوا من الغواصة يحملون جهازاً اسطوانياً ثقيلاً يقطر زيتاً.
"معانا الطريدة.." الهث عصام: "يلا نخلع."
ولكن، وكأن القدر يرفض أن تكون الأمور سهلة، انزلقت قدم نورين على سطح الغواصة المبتل. سقطت القطعة المعدنية الثقيلة وأحدثت صوتاً مدوياً (CLANG) تردد صداه في الميناء الصامت.
انفتحت كشافات الأبراج فوراً.
"مين هناك؟" صرخ صوت عبر مكبرات الصوت.
"اجروا!" صرخ ياسين.
تحول المكان لساحة حرب. الرصاص يضرب الماء والحديد حولهم.
ياسين أمسك يد نورين (التي كانت تعرج قليلاً) وسحبها، بينما عصام يحمل القطعة الثقيلة ويركض بقوة ثور هائج.
وصلوا للفجوة في السور، ورموا أنفسهم والقطعة داخل السيارة الفان.
داست نورين البنزين، وانطلقت السيارة تصرخ عجلاتها على الأسفلت المبتل، تاركة خلفها وابلاً من الرصاص والشتائم.
الفصل الحادي عشر: ترميم الروح (ما وراء الجدار)
بعد ساعة من القيادة المتعرجة للتأكد من عدم التتبع، وصلوا للمخبأ الآمن (ورشة القوارب في الأنفوشي).
كان الهدوء الذي تلا العاصفة ثقيلاً.
ألقى عصام القطعة المعدنية الثقيلة على الأرض، وسقط بجوارها يلهث كأنه قطع الماراثون.
"أنا.. أنا عجبت.. خلاص.." قال عصام وهو يغمض عينيه: "صحوني لما القيامة تقوم."
تركتهم نورين وذهبت لزاوية الورشة، حيث يوجد حوض مياه قديم. فتحت الصنبور وبدأت تغسل وجهها ويديها الملطختين بالشحم والدم، بعنف، وكأنها تحاول غسل ذكريات الليلة.
اقترب ياسين منها ببطء. لاحظ أنها تعرج.
"رجلك.." قال بصوت هادئ.
تجمدت يدها تحت الماء. لم تلتفت: "مجرد التواء بسيط. هربطها وهتبقى تمام."
"نورين.." نطق اسمها بنبرة جعلتها تلتفت رغماً عنها.
كانت عيناها حمراوين، وشعرها المبلل ملتصقاً بوجهها. بدت هشة لأول مرة. الدرع الفضي الذي رآه حولها سابقاً كان مشروخاً الآن.
"أنا كنت هموتكم النهاردة.." قالت بصوت مخنوق: "لو مكنتش اتزحلقت.."
"بس مموتناش." قاطعها ياسين، ومد يده ليغلق صنبور المياه الذي كان يهدر بلا داعٍ: "إحنا جبنا القطعة. وإحنا هنا. عايشين."
سحب كرسياً قديماً: "اقعدي."
جلست باستسلام.
جلس ياسين على الأرض أمامها (في وضعية خضوع واحترام)، ورفع ساقها المصابة برفق ليضعها على ركبته.
خلع حذاءها الثقيل المبتل. كاحلها كان متورماً قليلاً.
"مش مكسورة.." قال وهو يفحص العظم بأصابعه النحيلة الباردة: "مجرد جزع. محتاجة كمادات وتثبيت."
نظرت نورين إليه وهو يعتني بقدمها بتركيز شديد. هذا الرجل.. "العين" الذي يرى العالم كمعادلات باردة، لمسته كانت دافئة وإنسانية بشكل لا يصدق.
"ياسين.."
"هممم؟" (لم يرفع نظره عن الرباط الضاغط).
"أنت بتعمل كده ليه؟"
رفع عينيه أخيراً. تلاقت النظرات في صمت الورشة. المطر في الخارج كان يعزف لحناً حزيناً على السقف الصاج.
"لأني شفت هالتك يا نورين." قالها بصدق: "شفت إنك شايلة العالم كله على كتافك. ومحدش بيسأل (العمود) هو تعبان ولا لأ.. الناس بس بتسند عليه."
دمعة واحدة فرت من عينها. مسحتها بسرعة بظهر يدها المتسخة بالشحم، مما ترك أثراً أسود على خدها الأبيض.
ابتسم ياسين، وأخرج من جيبه منديلاً ورقياً، ومسح الأثر الأسود من على وجهها برقة بالغة.
"متخافيش.." همس: "أنا مش هسيبك تقعي. زي ما مسكتك في الميناء.. همسكك تحت المية."
مالت نورين نحوه، كأن جاذبية خفية تسحبها. وضعت يدها على كتفه، وأصابعها تلمس رقبته.
"أنا خايفة يا ياسين.. مش من الموت. خايفة إننا منقدرش نصلح اللي أنا كسرته."
"هنصلحه." وقف ياسين، فأصبح وجهه قريباً جداً من وجهها.
كانت المسافة بينهم سنتيمترات. أنفاسها الدافئة تلمس وجهه.
رأى في عينيها رغبة واضحة.. رغبة في الهروب من الخوف إلى حضن شخص يفهمها.
تحركت يدها لتلمس شعره الأشعث المبلل.
"شعرك مبلول.." همست بجملة لا معنى لها، لكن نبرتها كانت تعني كل شيء.
أغمض ياسين عينيه، ومال بجبينه ليسنده على جبينها.
ظلا هكذا لدقيقة كاملة. جسدان منهكان، يتشاركان الدفء والقوة في صمت. لم يكن هناك تقبيل، لكن اللحظة كانت أكثر حميمية من أي قبلة. كانت "اتحاد أرواح".
قطع اللحظة صوت شخير عالٍ من ناحية عصام النائم.
ابتعدا عن بعضهما وهما يضحكان بخفوت وارتباك.
"لازم نجهز.." قالت نورين وهي تحاول استعادة توازنها، ووجهها متورد: "الفجر قرب.. ولازم نركب القطعة في الكبسولة."
"أنا هساعدك." قال ياسين، وهو يشعر بطاقة جديدة تسري في عروقه. طاقة أقوى من طاقة الأحجار.. طاقة الأمل.

رساله من اخوكم
اسعدوني بكلامكم الجميل وحان وقتي لاسعادكم بجزء جديد من روايه الراصد
حدود بصرك ليست حدود العالم. هناك أبعاد تتداخل معنا، وعيون ترقبنا من زوايا لا تستوعبها الهندسة البشرية."
الجزءالرابع: بروتوكول الظل
انغلقت الكبسولة المعدنية (المعدلة بالقطعة الهيدروليكية المسروقة) عليهما بإحكام، وعزل صمام الضغط ضوضاء الأمواج المتلاطمة في الخارج، ليحل محلها صمت مطبق لا يقطعه سوى طنين خافت للمحرك الكهربائي، وصوت أنفاسهما المترددة بانتظام عبر أجهزة الاتصال الداخلية.
جلس "ياسين" في مقعد المساعد، يضم يديه الباردتين إلى صدره، وعيناه مثبتتان على شاشة الرادار الخضراء التي ترسم تضاريس القاع، بينما كانت "نورين" تقود الكبسولة بتركيز شديد، يداها تتحركان على لوحة التحكم بخفة وحذر، وكأنها تروض وحشاً معدنياً.
بدأت الكبسولة تغوص ببطء في مياه الميناء الشرقي المظلمة. الظلام هنا ليس مجرد غياب للضوء، بل هو كتلة سائلة ثقيلة، سوداء كالحبر، تضغط على الزجاج المقوى من كل اتجاه، وكأن البحر يرفض دخول الغرباء إلى مملكته المنسية.
"الضغط بيزيد.." همست نورين، وعيناها لا تفارقان مؤشر العمق الرقمي: "إحنا عدينا عمق 20 متر. المحول الروسي اللي ركبناه شغال تمام.. عامل فقاعة ضغط عكسية حوالين الكبسولة. لو النظام ده فشل لثانية واحدة.. هنتطبق زي علبة الكانز."
بلع ياسين ريقه بصعوبة، ونظر للخارج عبر الزجاج السميك. أضواء الكبسولة الكاشفة كانت تشق الظلام لمسافة أمتار قليلة، تكشف عن جزيئات العوالق البحرية التي تلمع كالغبار الفضي المتناثر في الفراغ.
وفجأة، بدأت المعالم تظهر من قلب العتمة.
لم تكن مجرد صخور عشوائية. كانت أطلالاً مهيبة تقشعر لها الأبدان.
أعمدة جرانيتية ضخمة ملقاة على الرمال كجثث عمالقة سقطوا في معركة أسطورية منسية. تماثيل لأبوالهول مقطوعة الرؤوس، ترقد بصمت، وكتل حجرية ضخمة تحمل نقوشاً هيروغليفية وإغريقية تغطيها الطحالب الخضراء والمرجان، وكأن الطبيعة تحاول محو آثار البشر.
"هيراكليون.." تمتم ياسين بذهول وهو يلتصق بالزجاج: "المدينة اللي غرقت في يوم وليلة. التاريخ بيقول زلزال وتسييل للتربة."
"مش زلزال.." قالت نورين بمرارة، وهي توجه الكبسولة بحذر بين عمودين مكسورين: "المجلس القديم هو اللي غرقها عمداً. استخدموا (رنين أرضي) عشان يخفوا المدخل للأبد. المنطقة دي ملعونة يا ياسين.. ومحمية."
فجأة، اهتزت الكبسولة بعنف، وكأن يداً عملاقة ضربتها من الجانب الأيمن.
انطلق إنذار أحمر متقطع في الكابينة، ومعه انقطع صوت المحرك للحظة ثم عاد يئن.
"تيار مائي؟" سأل ياسين متمسكاً بالمقبض الجانبي حتى ابيضت مفاصله.
نظرت نورين للشاشة الجانبية (السونار)، وشحب وجهها حتى صار بلون الورق:
"لا.. مش تيار. السونار لاقط أجسام بتتحرك حوالينا بسرعة مستحيلة. أجسام معدنية."
أغمض ياسين عينيه فوراً وفعل "بصيرته". مدد وعيه ليخترق جدار الكبسولة والماء المظلم.
ما رآه جعله يشهق رعباً.
لم يرَ طاقة حياة دافئة (أسماك). بل رأى خطوطاً حمراء دموية، حادة ومتقطعة، تسبح حولهم في دوائر تضيق تدريجياً.
"حراس.." همس بصوت يرتجف: "المجلس زرع كائنات هنا. دي مش أسماك قرش عادية.. دي (سايبورغ). مخلطة بجينات سمك ولحم، ومزروعة فيها دوائر إلكترونية ومحركات دفع."
قبل أن تستوعب نورين كلماته، ارتطم شيء قوي بالزجاج الأمامي.
ظهر وجه سمكة قرش بيضاء ضخمة، لكن عينها لم تكن سوداء كالمعتاد.. كانت عدسة حمراء تضيء وتتحرك كالكاميرا، وأسنانها.. أسنانها كانت مصنوعة من شفرات التيتانيوم اللامعة.
ضرب القرش الزجاج برأسه المصفح، وسمعوا صوت (تَشقق) خافت.
صرخت نورين: "الزاز مش هيستحمل ضربة كمان! هيكسروا الكبسولة!"
"بيتبعوا الصوت والكهرباء!" صرخ ياسين وهو يرى الخيوط الحمراء تتجه نحو مصدر طنين المحرك: "اطفي المحرك! اطفي كل حاجة حالاً!"
"لو طفينا هنغرق!"
"لو فضلنا شغالين هيسمعوا الذبذبات وهياكلونا! اطفي!"
ضغطت نورين زر الطوارئ. انقطع التيار فوراً.
ساد الظلام الدامس والصمت المطبق داخل الكبسولة وخارجها.
بدأت الكبسولة تهبط ببطء شديد مع الجاذبية، تترنح في التيارات المائية الباردة مثل قطعة خردة ميتة.
كان الظلام خانقاً. ياسين يسمع دقات قلب نورين المتسارعة بجواره.
مد يده في الظلام وأمسك يدها الباردة المرتجفة. ضغط عليها بقوة، وكأنه يقول لها "أنا هنا".
مرت الدقائق كساعات. صوت ارتطام الأجسام المعدنية بجسم الكبسولة من الخارج كان يتكرر كل لحظة، صوت احتكاك معدن بمعدن، وكأن الحراس يشمشمون الفريسة ليتأكدوا من موتها.
ياسين كان يرى بـ "بصيرته" القروش الآلية وهي تدور حولهم، تقترب ثم تبتعد.
وأخيراً.. تلاشت الخطوط الحمراء تدريجياً. اقتنعت الآلات أن هذا الجسم الغريب مجرد حطام لا حياة فيه.
"مشيوا.." زفر ياسين الهواء المحبوس في صدره بصوت لا يكاد يُسمع: "راحوا يدوروا في قطاع تاني."
أعادت نورين تشغيل الأنظمة ببطء شديد (الوضع الصامت). أضاءت الشاشات بضوء خافت جداً.
نظرت للخارج.
كانت الكبسولة قد استقرت في القاع الرملي.
وأمامهم مباشرة، ظهرت بوابة ضخمة منحوتة في صخرة سوداء بركانية، مغطاة بنقوش غريبة لا تنتمي لأي حضارة معروفة.
"إحنا وصلنا.." همست نورين برهبة: "بوابة معبد إيزيس المحرم."
الفصل الرابع عشر: نداء الأعماق (الفخ النفسي)
ارتدوا بدلات الغطس المتطورة، وفحصوا أنابيب الأكسجين. خرجوا من الكبسولة إلى الماء المالح عبر غرفة معادلة الضغط.
البرودة كانت قارسة، والضغط هائلاً لولا البدلات.
سبحوا ببطء نحو البوابة السوداء. النقوش عليها كانت تتوهج بضوء أزرق خافت جداً بمجرد اقترابهم.
ولكن، عندما أصبحوا على بعد عشرة أمتار فقط من المدخل، حدث شيء غريب.
شعر ياسين بطنين حاد ومؤلم في أذنيه، وكأن إبرة طويلة تخترق طبلة الأذن وتصل للمخ مباشرة.
"آه.." تأوه ياسين، وضغط على خوذته: "نورين.. سامعة الصوت ده؟ زي الصفارة؟"
لم تجب نورين.
التفت إليها بقلق. كانت تسبح بطريقة غريبة، مترنحة، وقد توقفت عن النظر للبوابة.
كانت تنظر إلى فجوة مظلمة عميقة بين الصخور على اليمين.
"نورين؟" ناداها عبر اللاسلكي.
جاء صوتها غريباً، طفولياً، ومبكياً: "ماما؟.. أنتي هناك؟ أنتي عايشة؟.. بابا؟"
بدأت نورين تسبح مبتعدة عنه، نحو الفجوة المظلمة، فاتحة ذراعيها كأنها تعانق شخصاً ما.
"نورين! دي هلاوس! مفيش حد هناك! ارجعي!"
سبح ياسين خلفها بأقصى سرعة، لكنها كانت تدفع الماء بجنون وقوة غير طبيعية.
"أهلي هناك.. سامعهم بينادوني.. البيت بيقع.. لازم ألحقهم أطلعهم من تحت الأنقاض!" صرخت نورين بهستيريا، وبدأت يدها تمتد لمحبس الأكسجين وقناع وجهها. كانت تظن أنها في منزلها المنهار، وأن القناع يخنقها.
"يا مجنونة!"
انقض ياسين عليها في اللحظة الأخيرة، وأمسك يدها قبل أن تنزع القناع وتنتحر ضغطاً واختناقاً.
قاومته بشراسة، ضربته بقدمها في صدره: "سيبني! بيبنوا الحيطة عليهم! لازم أساعدهم!"
أدرك ياسين الفخ. "موجات صوتية منخفضة التردد (Infrasound). حراس المعبد مش بس قروش.. المعبد نفسه سلاح نفسي بيضرب مركز الذاكرة والخوف."
كان عليه أن يقاتل عقله هو أيضاً. بدأ يرى طيف "جده" يلوح له من بعيد، ورأى "الظلال" تزحف عليه من كل جانب لتأكله.
أغمض عينيه بقوة، وعض على شفتيه حتى أدمت ليحافظ على تركيزه بالألم.
"ده مش حقيقي.. ده كود.. ده نمط.. ده وهم."
فتح عينيه اللتين توهجتا باللون البنفسجي الساطع تحت الماء.
أمسك خوذة نورين بكلتا يديه، وقرب خوذته منها حتى تلامس الزجاج (نقطة توصيل مادية).
ركز كل طاقته الذهنية، ونظر في عينيها التائهتين والغارقتين في الدموع.
"نورين!" صرخ بصوت لم يخرج من فمه، بل من عقله لعقلها مباشرة: "بصي لي أنا! أنا ياسين! اللي فات مات! أهلك ماتوا وأنتي عايشة! إحنا هنا دلوقتي! بصي للنمط الهندسي للبوابة! ده الشيء الوحيد الحقيقي هنا!"
اخترق صوته الذهني ضباب الهلاوس. رمشت نورين عدة مرات. الصورة الوهمية لمنزلها المنهار تلاشت، وعادت لترى التماثيل المكسوة بالطحالب والظلام الأزرق.
شهقت برعب عندما أدركت أنها كانت على وشك خلع القناع والموت.
ارتخت عضلاتها المتشنجة، وتمسكت ببدلة ياسين، وانكمشت في صدره تبكي بصمت وهي ترتجف.
ربت ياسين على خوذتها بيده المغطاة بالقفاز: "أنا معاكي.. مش هسيبك. اتنفسي.. خدي نفس عميق."
الفصل الخامس عشر: القفص الزجاجي (أصل الحكاية)
استعادت نورين توازنها بصعوبة، وسبحوا معاً نحو البوابة السوداء.
كانت البوابة مغلقة، ولا يوجد مقبض أو لوحة مفاتيح.
فقط نقش غريب محفور في المنتصف: يد مفتوحة بسبعة أصابع.
"المفتاح.." أشار ياسين للنقش: "زي البصمة اللي شفتها في مكتبي."
وقف أمام البوابة. رفع يده اليمنى.
أغمض عينيه، واستدعى "هالته". تخيل طاقته تتشكل وتتمدد.
خرجت من يده "يد طيفية" من الضوء البنفسجي، تشكلت لها إصبعان إضافيان من الطاقة.
وضع اليد الطيفية داخل النقش الحجري. تطابقت تماماً.
اهتز القاع، وانبعث صوت طحن صخور قديمة. انشقت البوابة ببطء شديد، كاشفة عن ممر مائي يؤدي لغرفة داخلية معزولة بفقاعة هواء مضغوطة.
دخلا الغرفة.
وبمجرد دخولهما، انغلقت البوابة الحجرية خلفهما. عملت مضخات قديمة وبدأت تسحب الماء وتضخ هواء جافاً.
خلعا الخوذات. الهواء كان قديماً، رائحته تشبه رائحة الأوراق المحترقة والتوابل، لكنه قابل للتنفس.
"إحنا جوه.." قالت نورين وهي تلهث وتنظر حولها بذهول.
الغرفة كانت أسطوانية، جدرانها مغطاة بمعادن ذهبية وفضية لا تصدأ، منقوشة بمعادلات فلكية معقدة.
وفي المنتصف، كانت هناك منصة حجرية يطفو فوقها "مجسم كريستالي" ضخم للكرة الأرضية.
الأرض في المجسم كانت محاطة بشبكة من الخطوط الذهبية المضيئة التي تشكل سداسيات متلاصقة (خلايا نحل).
اقتربت نورين من المجسم، ولمست الضوء بأطراف أصابعها المرتعشة.
"ده.. ده تصميمي." همست بصوت مكسور: "مشروع (الدرع).. نفس التوزيع الهندسي للأبراج.. بس.. بس ده قديم.. قديم جداً."
اقترب ياسين ونظر للمجسم بـ "بصيرته". رأى تدفق الطاقة داخل الشبكة.
الطاقة لم تكن تأتي من الخارج للداخل (للحماية)، بل كانت تُسحب من الأرض وتُرسل للخارج.
"نورين.." قال ياسين بصوت يقطر رعباً وإدراكاً: "ده مش درع حماية. ده جهاز (حصاد). الشبكة دي مش عشان تمنع الغرق.. الشبكة دي بتسحب الطاقة الحيوية للبشر وللأرض، وبتبعتها لمكان تاني."
"مكان تاني فين؟"
"بُعد تاني. المجلس القديم اللي بنى المكان ده مكنش بيحمي الأرض.. كان بيبيعها. وهما سابوا (المخطط الأصلي) هنا. ونورين.. أنتي (أعدتي تصميم) السجن ده من غير ما تعرفي."
تراجعت نورين للخلف وكأن المجسم لسعها، وعيناها مليئتان بالدموع:
"يا ولاد الكلب.. خدعوني.. خلوني أبني مقصلة البشرية بإيدي! خلوني أجدد سجن عمره آلاف السنين!"
فجأة، تحول لون المجسم من الذهبي للأحمر القاني.
وانطلق صوت آلي قديم، بلغة غير مفهومة لكن نبرتها واضحة.. نبرة التدمير.
اهتزت الغرفة. بدأت الشقوق تظهر في الجدران، والمياه بدأت تندفع للداخل من كل صوب.
"تفعيل بروتوكول التطهير."
"ياسين! لازم نخرج!" صرخت نورين.
"مش قبل ما أعرف مكان (البوابة الرئيسية)!"
اندفع ياسين نحو المجسم. أخرج الحجر الفيروزي ووضعه في فجوة في القاعدة.
"البيانات.. لازم أنسخ المخطط الأصلي!"
وضع يده العارية على الكريستال المتوهج.
صرخ من الألم. لم تكن بيانات رقمية (أصفر وأصفار). كانت "مفاهيم" و"صور" تتدفق لعقله مثل النار السائلة.
رأى موقعاً جغرافياً محدداً.
رأى جبلاً، ونهر نيل، وسجناً قديماً، وتحته.. بوابة ضخمة مغلقة بختم سباعي.
طرة.
"خلاص! معايا!" سحب ياسين يده التي أصيبت بحروق تشبه الصقيع.
ترنح وكاد يسقط، فأمسكته نورين.
"الباب مقفول! والمية بتملى المكان!"
نظر ياسين للمجسم الذي بدأ ينبض بسرعة استعداداً للانفجار الطاقي.
"النبضة.. (EMP). اعكسي القطبية يا نورين! أنتي المهندسة! فككي (السجن) اللي بنيتيه!"
فهمت نورين فوراً. ركضت للوحة تحكم جانبية، وبدأت تنزع "أحجار الطاقة" وتعيد ترتيبها بعكس الاتجاه لتخلق تضارباً.
"استعد للصدمة!"
انطلقت موجة طاقة زرقاء هائلة من المجسم، وعبرت الماء.
الأنوار انطفأت. الأنظمة الميكانيكية تعطلت.
والأهم.. القفل المغناطيسي للبوابة توقف وانفتح الباب.
اندفع الماء للغرفة بقوة الطوفان، ساحباً إياهم للخارج، يلفظهم البحر من أحشائه قبل أن ينهار المعبد على أسراره.
كان الطريق الصحراوي الممتد بين الإسكندرية والقاهرة يغرق في ظلام دامس، أشبه بتابوت مفتوح يبتلع كل شعاع ضوء. المطر، الذي كان مجرد رذاذ في المدينة، تحول هنا في العراء إلى سيول جارفة تضرب سقف السيارة "الفان" المتهالكة كطلقات الرصاص، والرياح تعوي في الخارج حاملة معها رمال الصحراء لتخلطها بالماء في عجين طيني زلق.


جلس "عصام" خلف المقود، يصارع ليبقى السيارة في مسارها، ويداه ترتجفان ليس من البرد فحسب، بل من أثر الأدرينالين الذي بدأ ينسحب من جسده مخلفاً رعشة إنهاك قاتلة. بجانبه، كان "ياسين" يجلس صامتاً، وعيناه مغلقتان، ورأسه مسند إلى الزجاج البارد. لم يكن نائماً؛ كان عقله أشبه بخلية نحل تحترق. الصور والمفاهيم التي امتصها من الكريستال في المعبد الغارق كانت تتزاحم في رأسه، تحاول أن تجد مكاناً للاستقرار وسط ذاكرته البشرية المحدودة.


في الخلف، كانت "نورين" تكور نفسها في زاوية المقعد، تنظر للفراغ. الصدمة النفسية لما رأته تحت الماء (الهلاوس، والحقيقة المرعبة عن تصميمها) كانت أثقل من أن تترجم إلى كلمات.


فجأة، ودون أي مقدمات ميكانيكية، مات محرك السيارة.


لم يسعل المحرك، ولم يتقطع صوته. لقد انقطع "نبضه" تماماً، وكأن روحاً خفية انتزعت منه الحياة.


انطفأت المصابيح الأمامية، وغرقت لوحة القيادة في الظلام. توقفت مساحات الزجاج في منتصف حركتها، تاركة ستارة من الماء تحجب الرؤية.


"إيه ده؟" صرخ عصام، وهو يضغط الفرامل بقوة لتفادي الانحراف: "البطارية فصلت؟ دي كانت لسه جديدة!"


فتح ياسين عينيه ببطء. لم يكن بحاجة للنظر إلى مؤشرات السيارة ليعرف السبب.


"مش عطل يا عصام.." قال ياسين بصوت هادئ بشكل مخيف، صوت شخص رأى النهاية: "دي (إعاقة). حد سحب المجال الكهرومغناطيسي في المنطقة كلها."


توقفت السيارة تماماً وسط الطريق الموحش. الصمت الذي تلا توقف المحرك كان أثقل من الضجيج.


أخرج عصام هاتفه ليضيء الكشاف. لا شيء. الهاتف ميت.


"حتى الموبايلات؟" همس عصام برعب: "إحنا وقعنا في مصيدة."


"انزلوا.." قال ياسين وهو يفتح الباب: "اللي وقفنا مش ناوي يخلينا نمشي."


نزلوا تحت المطر الغزير. البرد كان يلسع وجوههم كالسياط.


وقفوا متلاصقين، يحدقون في الظلام أمامهم. وعلى بعد خمسين متراً، شقت كشافات قوية جداً (زينون أزرق) عتمة الليل، وأعمت أبصارهم للحظة.

سيارة واحدة.

ليست مدرعة عسكرية، وليست سيارة دفع رباعي مليئة بالمرتزقة.


كانت سيارة "سيدان" سوداء، فارهة، ذات تصميم انسيابي لا يوحي إلا بالثراء والسلطة الصامتة. تقف في منتصف الطريق بثبات، وكأن العاصفة لا تجرؤ على لمسها.

انفتح الباب الخلفي للسيارة، ونزل منها شخص واحد.

لم يكن يحمل سلاحاً ظاهراً. كان يرتدي معطفاً طويلاً من الجوخ الأسود فوق بدلة رسمية لا تشوبها شائبة. لم يكن يرتدي قبعة أو يحمل مظلة، ومع ذلك، بدا وكأن قطرات المطر تتحاشى السقوط عليه، أو ربما كان هذا مجرد وهم بصري يفرضه حضوره الطاغي.

مشى الرجل نحوهم بخطوات بطيئة، منتظمة، وصوت حذائه الجلدي على الأسفلت المبتل كان الإيقاع الوحيد المسموع، يعلو حتى على صوت الرعد البعيد.

"المجلس؟" سألت نورين وهي تتراجع خطوة للخلف، تبحث عن أي شيء تدافع به عن نفسها.

ركز ياسين بصره على القادم. فعل "بصيرته" ليقرأ نواياه، ليرى "اللون" الذي يحيط به. اعتاد ياسين أن يرى هالات البشر؛ الأحمر للغضب، الرمادي للخوف، الأسود للشر.

لكن ما رآه الآن جعله يتجمد في مكانه.

هذا الرجل.. لم يكن له لون.

لم تكن له هالة.

كان "فراغاً". ثقباً أسود يمشي على قدمين. المكان الذي يقف فيه يبدو وكأنه "ممسوح" من نسيج الواقع. الطاقة حوله تنحني وتختفي، وكأنه يمتص الضوء ولا يعكسه.

وقف الرجل أمامهم مباشرة، على مسافة مترين.

كان في الأربعينيات من عمره، ملامحه عادية لدرجة مرعبة، وجه يمكنك أن تراه ألف مرة وتنساه في اللحظة التالية. عينان باهتتان بلا أي عمق، وفم مغلق بخط مستقيم دقيق.

"ياسين عبد الحميد." نطق الرجل الاسم بصوت هادئ، معدني، خالٍ من أي نبرة بشرية مميزة: "المهندسة نورين.. وعصام الجابري."

"أنت مين؟" سأل ياسين، وهو يشعر بضغط هائل في صدغه، وكأن وجود هذا الرجل يسبب تشويشاً على قدراته العقلية.

"الأسماء قيود." أجاب الرجل ببرود: "ولكني أُعرف في دوائري باسم (الظل). وأنا هنا لأمنعكم من التحول إلى رماد."

"رماد؟" رد عصام بحدة، محاولاً إخفاء خوفه خلف صوته العالي: "أنت بتهددنا يا عمنا؟ إحنا لسه طالعين من تحت المية ومبناكلش من الكلام ده."

لم يلتفت الظل لعصام، بل رفع معصمه ونظر إلى ساعة يد كلاسيكية قديمة:

"المجلس رصد موجة الـ (EMP) اللي خرجت من الميناء. أقمارهم الصناعية حددت موقعكم الحراري على الطريق ده من دقيقتين. حالياً، هناك طائرة مسيرة (Drone) من طراز (Hunter) على ارتفاع 10 آلاف قدم فوق رؤوسكم، وسلاحها الليزري جاهز للإطلاق."

أغلق الساعة بصوت (تِك) مسموع بوضوح في الصمت:

"المتبقي من الزمن قبل الإطلاق: 40 ثانية."

نظر ياسين للسماء الملبدة بالغيوم. لم يرَ الطائرة، لكنه "شعر" بها. شعر بتركيز طاقة حرارية هائل يتجمع في نقطة فوقهم مباشرة. شعور يشبه وخز الإبر في فروة الرأس.

"هو مبيكدبش.." همس ياسين لنورين: "فيه حاجة فوقنا. حاجة كبيرة."

"أنت عايز إيه؟" صرخت نورين.

أشار الظل لسيارته السوداء بيده المفتوحة، حركة دعوة باردة:

"عربيتي مجهزة بنظام (تشتيت حراري) وعزل كامل. إذا ركبتم الآن، ستختفون من راداراتهم. إذا بقيتم.. لن يجدوا حتى أسنانكم للتعرف على الجثث."

"والمقابل؟" سأل ياسين، وهو يدرك أن هذا النوع من الإنقاذ لا يأتي مجاناً.

"المقابل هو أن تقابل (الرجل) الذي ينتظرك منذ ولادتك." التقت عينا الظل بعيني ياسين، ولأول مرة، رأى ياسين شيئاً في ذلك الفراغ.. رأى "ولاءً" مطلقاً ومخيفاً: "ألفا يريد التحدث إليك."

"ألفا؟" ردد ياسين الاسم الذي رآه ومضات في الكريستال القديم. الاسم الذي كان يرتبط في المخططات القديمة بـ "الحارس الأخير".

نظر ياسين لعصام ونورين. نورين كانت ترتعش، وعصام ينظر للسماء برعب.

"هنركب." قال ياسين بحسم.

ركضوا نحو السيارة السوداء. فتح الظل الأبواب الخلفية، ودفعهم للداخل بسرعة لا تتناسب مع هدوئه السابق.

بمجرد أن أُغلقت الأبواب الثقيلة المصفحة، انقطع صوت العالم الخارجي تماماً. سكون القبور.

جلس الظل خلف المقود، وضغط زراً واحداً.

انطلقت السيارة.

وبعد عشر ثوانٍ فقط، نظر ياسين من النافذة الخلفية المظللة.

رأى عموداً من الضوء الأبيض الساطع ينزل من السماء، يخترق الغيوم، ويضرب النقطة التي كانت تقف فيها سيارتهم الفان.

لم يكن انفجاراً نارياً عادياً. كان "محواً".

تلاشت السيارة الفان في ثانية واحدة، وتحولت الأرض تحتها إلى زجاج منصهر من شدة الحرارة.

بلع عصام ريقه، ومسح العرق البارد عن جبينه:

"يا نهار أزرق.. إحنا كنا هنبقى شاورما!"

نظر ياسين لمؤخرة رأس الظل:

"شكراً.. بس ده مش معناه إني بثق فيك."

نظر الظل في مرآة الرؤية الخلفية، ولأول مرة، ارتسمت شبح ابتسامة على وجهه الجامد:

"الثقة رفاهية لا نملكها يا سيد ياسين. ما نملكه هو (الهدف المشترك). والآن، استعدوا.. سننزل إلى العالم السفلي."

لم تتجه السيارة لأي قاعدة عسكرية أو مبنى حكومي في الضواحي. بل توغلت في قلب القاهرة القديمة، وسط الزحام والضجيج، وتوقفت في شارع "عماد الدين" الشهير، أمام مبنى أثري متهالك يعود طرازه للقرن التاسع عشر. لافتة قديمة لشركة "استيراد وتصدير" كانت تعلو المدخل المترب.

"هنا؟" سألت نورين بذهول: "في وسط البلد؟"

"أفضل مكان لإخفاء ورقة هو وسط الغابة." رد الظل وهو يغلق المحرك.

نزلوا، وقادهم الظل عبر المدخل الرئيسي، متجاوزاً حارساً عجوزاً يقرأ الجريدة ولم يرفع رأسه حتى، ثم دخلوا إلى مصعد بضائع قديم جداً، بابه حديدي شبكي يصر عند الفتح.

"ده آخره الدور الخامس." قال عصام وهو ينظر للأزرار.

أخرج الظل بطاقة سوداء رقيقة جداً، وأدخلها في شق غير مرئي بجانب لوحة الأزرار، ثم وضع كف يده بالكامل على اللوحة المعدنية الصدئة.

وميض أزرق سريع مسح بصمة يده.
اهتز المصعد، وبدلاً من الصعود، بدأ يهبط.
تجاوز الطابق الأرضي.. والجراج.. واستمر في الهبوط بسرعة وتوغل لا يتناسبان مع عمره الظاهري.
شعر ياسين بضغط الهواء يتغير في أذنيه. إنهم يهبطون لعمق سحيق.

"إحنا تحت مستوى مترو الأنفاق.." همس ياسين وهو يتخيل طبقات الأرض فوقهم.

أخيراً، توقف المصعد. وانفتح الباب بـ "فحيح" هيدروليكي ناعم.
المشهد أمامهم كان صادماً.

لم يكن قبواً مظلماً. كانت "مدينة" مصغرة. قاعة عملاقة تمتد لمد البصر، سقفها مرتفع ومدعم بأعمدة فولاذية ضخمة. الجدران مغطاة بشاشات عرض عملاقة تعرض بيانات حية من كل ركن في مصر. مئات الأشخاص يرتدون زياً موحداً (رمادياً داكنة) يجلسون في خلايا عمل زجاجية، يعملون في صمت تام وتركيز مطلق. لا أوراق، لا أقلام، كل شيء رقمي وهولوغرامي.

"أهلاً بكم في (القلعة)." قال الظل وهو يسير بهم عبر ممر زجاجي معلق فوق صالة العمليات: "من هنا.. ألفا يراقب نبض الدولة. كل معلومة، كل تهديد، كل حركة طاقة غير طبيعية.. بتصب هنا."


"ومين دول؟" سأل ياسين وهو يشير للموظفين: "مخابرات؟"


"دول (الأشباح)." رد الظل: "ناس ماتوا في السجلات الرسمية. عباقرة، هكرز، محللين استراتيجيين.. اختاروا يخدموا القضية في الظل مقابل حماية عائلاتهم. هنا مفيش رتب، مفيش أسماء.. فيه بس (المهمة)."


وصلوا لنهاية الممر، حيث يوجد باب ضخم من التيتانيوم، بلا مقابض.


توقف الظل، والتفت لنورين وعصام:


"الرحلة بتاعتكم هتقف هنا مؤقتاً. فيه قاعة استراحة مجهزة، فيها أكل وطبيب هيعالج جروحكم."


أشار لحارسين ظهرا من العدم ليرافقاهما.


تمسكت نورين بذراع ياسين بقوة:


"مش هسيبك. لو دخلت لوحدك مش هعرف بيعملوا فيك إيه."


نظر ياسين في عينيها، ورأى الخوف عليه لا منه. ابتسم بوهن:


"متخافيش يا نورين. أنا لازم أشوف اللي ورا الباب ده. ده قدري."


ضغط على يدها، وتركها تذهب مع الحراس وعصام الذي ربت على كتفه مشجعاً.


بقي ياسين وحده مع الظل أمام الباب التيتانيوم.


"ألفا جوه؟" سأل ياسين.


نظر الظل للباب بنظرة تقديس غريبة:


"ألفا مش شخص تقابله وتصافحه يا ياسين. ألفا هو (العقل). هو جوه.. ومش جوه. اللي هتشوفه جوه هو (واجهة المستخدم) اللي اختار يكلمك من خلالها."


انفتح الباب بصمت.


دخل ياسين إلى غرفة مظلمة تماماً، باردة كالثلاجة.


انغلق الباب خلفه، واختفى الظل.


الفصل الثامن عشر: الاختبار (العين الثالثة)​


وقف ياسين في منتصف الغرفة المظلمة. لا شيء سوى السواد والصمت.


وفجأة، سطع ضوء واحد في المنتصف، مسلطاً على كرسي معدني وحيد.


"اقعد يا ياسين."


جاء الصوت من كل مكان في وقت واحد. صوت عميق، فيه ذبذبات إلكترونية خفيفة، لكنه يحمل نبرة بشرية مجهدة وحكيمة.


جلس ياسين على الكرسي. كان قلبه يدق بعنف.


"أنت ألفا؟" سأل للفراغ.


"أنا اللي بيحاول يمنع السقف إنه يقع على روسنا كلنا." رد الصوت: "الظل قالي إنك نجحت في فتح بوابة المعبد. ده إنجاز مبهر. بس ده كان اختبار (طاقة). أنا محتاج أعرف قدرات عقلك في (التحليل) تحت ضغط الموت."


"أنا مش هنا عشان أعمل اختبارات! أنا معايا معلومات عن مكان المجلس!"


"معلوماتك عندي." قاطعه ألفا بحدة: "بمجرد ما دخلت المبنى، أجهزتي نسخت كل ذرة بيانات في عقلك من خلال المجال الحيوي. أنا عارف إنهم في طرة. وعارف إنهم عايزين يفتحوا (سجن الملوك). وعارف إن نورين عادت تصميم السجن من غير قصد."


تجمد ياسين. "نسخت عقلي؟ إزاي؟"


"التكنولوجيا اللي بنحارب بيها المجلس.. هي تكنولوجيتهم، بس إحنا طورناها." استمر الصوت: "المهم دلوقتي.. هل أنت تقدر تكون القائد الميداني للعملية دي؟ ولا مجرد حامل معلومات؟"


فجأة، تحولت أرضية الغرفة إلى زجاج شفاف.


وتحت الزجاج.. ظهرت هوة سحيقة مليئة بأسنة رماح معدنية حادة.


وفوق رأس ياسين، بدأ سقف الغرفة (الذي كان مكبس هيدروليكي ضخم) يهبط ببطء.


"قدامك دقيقة واحدة." قال ألفا: "السقف هينزل يهرسك. الطريقة الوحيدة لوقفه هي إنك تلاقي (الكود) المخفي في الغرفة."


"كود إيه؟ الغرفة فاضية!" صرخ ياسين وهو يقفز من الكرسي.


"استخدم بصيرتك. مش عشان تشوف الطاقة.. عشان تشوف (الزمن). شوف تاريخ الغرفة دي. شوف مين كان هنا قبلك، وساب إيه."


أغمض ياسين عينيه. السقف يقترب. صوت المكبس يملأ المكان.


"الزمن.. الزمن طبقات.."


فتح عينيه، وركز بؤبؤه البنفسجي.


لم ينظر للجدران كما هي الآن. نظر لـ "أثر" الجدران.


رأى طيفاً باهتاً لرجل كان هنا منذ ساعات.. (الظل).


رأى الظل يمشي نحو ركن معين في الغرفة، ويضغط على لوحة مخفية تحت الطلاء الأسود.


رأى "حرارة" أصابع الظل وهي تضغط تسلسلاً معيناً:


(فوق - يمين - ضغطتين - يسار).


السقف أصبح على بعد متر واحد من رأس ياسين.


اندفع ياسين نحو الركن الذي رآه في "الماضي".


تحسس الجدار الأملس. لا شيء.


"لازم أثق في الرؤية!"


ضرب بيده على المكان الفارغ كما فعل طيف الظل.


(فوق - يمين - ضغطتين - يسار).


توقف السقف. كان يلامس شعر ياسين.


انفتح باب سري في الجدار، وخرج منه ضوء أبيض ساطع.


انتهى الاختبار.


دخل الظل من الباب السري، وهو يصفق ببطء:

"مذهل. شوفت بصمتي الحرارية بعد 4 ساعات من وجودي. قدرتك بتطور بسرعة مرعبة."

تنفس ياسين الصعداء، وسقط على ركبتيه يلهث:
"أنتم مجانين.. كنتوا هتموتوني!"
"الموت هو المعلم الوحيد الصادق." قال صوت ألفا: "دلوقتي إحنا اتأكدنا. أنت جاهز للمهمة المستحيلة."
في غرفة العمليات، حيث اجتمع ياسين ونورين وعصام مرة أخرى، كان الجو مشحوناً.
شاشة عملاقة تعرض مخططاً ثلاثي الأبعاد لسجن طرة، وتحديداً منطقة سجن العقرب شديد الحراسة.
"المجلس بيحفر تحت السجن." شرح الظل وهو يشير بنقطة ليزر حمراء: "بيدوروا على بوابة (سجن الملوك) الفرعونية. الحفر وصل لعمق خطير. لو فتحوا البوابة، الطاقة اللي هتخرج كفيلة بمسح القاهرة من الخريطة."
"طب ندخل نفجر الحفر!" اقترح عصام بحماس.
"مستحيل." رد الظل: "السجن مليان أجهزة استشعار زلزالية. أي انفجار هيفعل بروتوكول تأمين هيقفل كل المداخل والمخارج وهنندفن جوه. الطريقة الوحيدة للدخول من غير ما يحسوا.. هي من خلال (ثغرة بشرية)."
ظهرت صورة لشاب على الشاشة. ملامحه في الصورة توحي بالوحشية، وعيناه ميتتان، وعلى رقبته وشم (الباركود).
"مروان الألفي." قال الظل: "العميل السابق للمجلس. والوحيد اللي نزل لموقع البوابة ورجع حي قبل ما يمسحوا ذاكرته ويرموه في زنزانة انفرادية في أعمق نقطة في السجن."
"مروان محبوس في (قطاع ج)." أكمل الظل: "ده قطاع غير مسجل رسمياً. المجلس بيستخدمه لتخزين (تجاربهم) الفاشلة. مروان هو دليلك الوحيد يا ياسين. لازم تنزل تخرجه."
"ولما نخرجه.." سأل ياسين بشك: "إيه اللي يضمن إنه ميقتلناش؟ الملف بتاعه بيقول إنه سفاح."
أخرج الظل حقنة معدنية معقدة، بها سائل أزرق مضيء، ووضعها في يد ياسين:
"ده (المصل المعرفي). ده ابتكارنا الخاص. ده مش بس هيرجعله ذاكرته.. ده هيعمل (Overload) للشريحة اللي المجلس زارعها في مخه للسيطرة عليه. بس عشان تديله الحقنة دي.. لازم تقرب منه. لازم تلمس رقبته."
"يعني أدخل قفص مع نمر مسعور، وأحاول أديله حقنة؟" سخرت نورين بخوف.
"بالظبط." قال الظل ببرود: "وعشان تدخلوا السجن، ألفا رتب ليكم غطاء (Cover). بكرة الصبح، فيه وفد من (منظمة العفو الدولية) جاي يزور السجن تفتيش مفاجئ. أنتم الوفد ده."
رمى بطاقات هوية مزورة وبدلات رسمية.
"ياسين (مراقب دولي). نورين (خبيرة هندسية). عصام (مصور توثيقي)."
نظر الظل في عيونهم واحداً تلو الآخر:
"معاكم 60 دقيقة جوه. لو اتكشفتوا.. إحنا منعرفكمش. وألفا هيفجر مدخل السجن عشان يردم السر عليكم وعليهم."
حمل ياسين الحقنة، ونظر لصورة مروان المتوحش.
شعر برابط غريب. هذا الوحش.. كان ضحية مثله.
"هنخرجه." قال ياسين بصوت "الراصد" الواثق: "مش عشان يساعدنا.. عشان نحرره."

الإنسان يظن أنه سيد المكان لأنه لا يرى غيره، تماماً كما يظن الأعمى أنه وحيد في غرفة مليئة بالناس الصامتين
الجزء الخامس: عش الدبابير

لم يكن سجن "طرة" مجرد مبنى حكومي محاط بأسوار؛ كان مدينة قائمة بذاتها، مدينة مسورة بالخرسانة المسلحة والأسلاك الشائكة التي تلمع تحت شمس الصباح الباهتة كأنياب وحش معدني. أبراج المراقبة الشاهقة تنتشر على محيط السور، وفي داخل كل برج يقف قناص لا يرى في البشر بالأسفل سوى أهداف محتملة.
وقفت السيارة الدبلوماسية السوداء الفارهة (التي وفرها "ألفا") أمام البوابة الرئيسية الضخمة للسجن. المحرك يدور بصوت هادئ، والزجاج المظلل يخفي خلفه ثلاثة قلوب تخفق بعنف، وثلاثة عقول تراجع الخطة للمرة الألف.
في المقعد الخلفي، عدل "ياسين" ربطة عنقه الحريرية، ونظر لنفسه في مرآة السائق. الوجه الذي يطل عليه ليس وجه "ياسين" الموظف الهارب، ولا "الراصد" المذعور. كان وجه "الدكتور أيمن سليم"، مراقب حقوق الإنسان الدولي. النظارة الطبية الأنيقة، الشعر المصفف، والهدوء المفتعل.. كل شيء كان جزءاً من القناع.
بجانبه، كانت "نورين" ترتدي بذلة رمادية رسمية صارمة، وشعرها الكستنائي ملموم بإحكام خلف رأسها. كانت تحمل جهازاً لوحياً (Tablet) متطوراً، وتبدو كمهندسة لا تقبل النقاش. لكن يدها التي تضغط على الجهاز كانت بيضاء من شدة التوتر.
أما "عصام" في المقعد الأمامي، فكان يرتدي سترة المصورين الصحفيين، ويحمل كاميرا ضخمة بعدسة طويلة، ويحاول أن يبتلع ريقه الجاف بصعوبة.
"جاهزين؟" سأل ياسين بصوت منخفض.
"لو قولت لأ هنرجع؟" همس عصام.
"مفيش رجوع." ردت نورين بحزم، وهي تلمس جيب سترتها حيث تخفي جهاز التشويش: "مروان تحت.. والباب مفتوح دلوقتي بس."
تقدم ضابط برتبة عقيد نحو السيارة، ووجهه متجهم. طرق على الزجاج.
أنزل ياسين الزجاج ببطء، ورسم ابتسامة دبلوماسية باردة على وجهه.
"صباح الخير يا فندم. لجنة التفتيش الدولية."
مد يده بالملف الجلدي الفاخر الذي يحتوي على الأوراق المزورة (بإتقان مذهل من منظمة ألفا).
أخذ العقيد الملف، وقلب الأوراق ببطء مستفز، ثم نظر لياسين، ثم لنورين، ثم لعصام.
"الدكتور أيمن.. والمهندسة نادية.. والمصور.." دقق في البطاقة: ".. الأستاذ عصام."
"بالضبط." قال ياسين بصوت واثق: "معالي المأمور عنده علم بزيارتنا، والمفروض إن الجدول الزمني بتاعنا ضيق جداً. أي تأخير هيتكتب في التقرير اللي هيروح جنيف."
كلمة "جنيف" و"تقرير" كان لها مفعول السحر. العقيد لا يريد مشاكل دولية.
"تمام يا دكتور. اتفضلوا. بس تعليمات سيادة المأمور واضحة: ممنوع التصوير في قطاع (أ) وقطاع (ب) من غير إذن مسبق. والتفتيش هيكون ظاهري فقط."
"مفهوم."
انفتحت البوابة الحديدية الضخمة بصرير عالٍ يشبه صرخة معدنية، لتبتلع السيارة في جوف السجن.
عبروا البوابة الأولى، ثم الثانية، ثم منطقة التفتيش الذاتي.
نزلوا من السيارة. الهواء في الداخل كان مختلفاً. رائحة خفيفة من العفن، المنظفات الرخيصة، والعرق المكتوم، ورائحة أخرى.. رائحة "الخوف".
ياسين، بفضل بصيرته، كان يرى ما لا يراه غيره.
رأى "سحابة" رمادية تغطي سماء السجن. سحابة من الطاقة السلبية الناتجة عن آلاف النفوس المعذبة والمحبوسة.
ورأى شيئاً آخر.. "نبضاً" إلكترونياً غريباً يأتي من تحت الأرض. نبضاً منتظماً وقوياً، لا يصدر عن سجن، بل عن "ماكينة" ضخمة.
"المجلس شغال تحت.." همس لنورين.
استقبلهم المأمور في مكتبه المكيف الفاخر، الذي يتناقض تماماً مع بؤس الزنازين. رجل بدين، بصلعة لامعة وابتسامة زيتية.
"يا أهلاً وسهلاً.. شرفتوا مصر. السجن كله مفتوح ليكم. إحنا هنا بنطبق أعلى معايير حقوق الإنسان."
صافحه ياسين ببرود:
"نتمنى ذلك يا سيادة اللواء. إحنا هنبدأ جولتنا بقطاع (ج). سمعنا شكاوى عن البنية التحتية هناك."
تجمدت ابتسامة المأمور للحظة:
"قطاع (ج)؟ ده قطاع قديم وتحت الصيانة حالياً. مفيش مساجين هناك. أنصحكم بقطاع (أ)، لسه مجددينه."
تدخلت نورين بلهجة هندسية صارمة:
"يا فندم، الصيانة هي تخصصي. لو فيه خطر إنشائي، لازم نثبته في التقرير. إلا لو كان فيه حاجة حضرتك عايز تخبيها؟"
ارتبك المأمور. الرفض سيثير الشكوك.
"لا طبعاً.. مفيش حاجة نخبيها. بس المكان غير مجهز لاستقبالكم."
ضغط زر الانتركم: "يا شاويش عبد العال! خد اللجنة لقطاع (ج). وخليك معاهم خطوة بخطوة."
نظر ياسين لعصام، وغمز له غمز غير ملحوظة.
بدأت الخطة.
ساروا خلف "الشاويش عبد العال"، رجل ضخم الجثة بشنب كثيف وعصا غليظة، عبر ممرات طويلة ذات جدران مقشرة.
كلما توغلوا في السجن، قل الضوء، وزادت الرطوبة.
وصلوا لمصعد بضائع قديم في نهاية ممر مغلق.
"ده الأسانسير الوحيد اللي بينزل تحت يا بهوات." قال الشاويش بصوت خشن: "بس خلوا بالكم، الريحة تحت مش ولابد. المجاري ضاربة."
دخلوا المصعد. ضغط الشاويش الزر.
هبط المصعد ببطء، يهتز ويصدر أصواتاً مقلقة.
ياسين أغمض عينيه وفعل "بصيرته".
رأى "الأسلاك" التي تحيط بالمصعد. ورأى الكاميرا الصغيرة المخفية في الزاوية العليا.
"عصام.. الكاميرا." همس ياسين.
تظاهر عصام بأنه يتعثر، وسقطت حقيبة الكاميرا الخاصة به لتصطدم بعبد العال، بينما يده الأخرى رفعت جهازاً صغيراً (Jammer) بحجم العملة المعدنية، وألصقه أسفل لوحة الأزرار.
"آسف يا شاويش! اتكعبلت!"
في تلك اللحظة، انقطع بث الكاميرا عن غرفة المراقبة، وتوقف المصعد فجأة بين الطابقين.
"إيه ده؟ النور قطع؟" صرخ الشاويش.
تحركت نورين بسرعة البرق. أخرجت حقنة مخدرة صغيرة كانت تخفيها في كمها، وغرزتها في عنق الشاويش الضخم.
لم يصرخ. اتسعت عيناه بذهول، ثم ارتخت عضلاته وسقط كتلة هامدة على الأرض.
"عندنا 10 دقايق قبل ما يفوق." قالت نورين وهي تلهث: "أو قبل ما غرفة المراقبة تبعت حد يشوف العطل."
ضغط ياسين شفرة خاصة على لوحة المصعد (التي زودهم بها الظل).
تحرك المصعد مرة أخرى، لكنه تجاوز طابق "المجاري" المزعوم، ونزل لعمق أبعد.
طابق سري غير موجود في الخرائط الرسمية.
(Level -4).
انفتح الباب.
لم يجدوا مجاري، ولا ممرات قديمة.
وجدوا ممراً حديثاً جداً، مبطناً بالفولاذ، وإضاءة ليد (LED) بيضاء ساطعة تعمي الأبصار.
المكان يشبه مختبراً سرياً أو قاعدة عسكرية تحت الأرض.
وعلى الجدران، كان شعار "المجلس" مرسوماً بوضوح.
"يا نهار أسود.." همس عصام: "ده مش سجن.. دي مستعمرة."
"ششش.." ياسين رفع يده: "فيه حراس."
استخدم بصيرته ليرى ما خلف زاوية الممر.
رأى خطوطاً حرارية لثلاثة أشخاص واقفين، ومعهم أسلحة آلية.
"تلاتة.. واقفين قدام بوابة كبيرة. دي أكيد زنزانة مروان."
"هنعديهم إزاي؟" سألت نورين: "معناش سلاح غير مسدس عصام."
نظر ياسين حوله. رأى أنابيب غاز تمر في السقف.
رأى "النمط" الهندسي للأنابيب.
أنبوب أحمر (إطفاء حريق). أنبوب أصفر (غاز تبريد للسيرفرات).
"عصام.. هات الولاعة بتاعتك."
أخذ الولاعة. نظر لنورين:
"شايفة السينسور (المستشعر) بتاع الحريق اللي فوق الحراس؟"
"أيوه."
"أنا هسخّن السينسور اللي هنا.. وده هيشغل نظام الإطفاء في القطاع كله. غاز (الهالون) بيسحب الأكسجين عشان يطفي النار. الحراس هيغمى عليهم في ثواني."
"وإحنا؟"
"إحنا هنكتم نفسنا ونجري."
أشعل ياسين الولاعة وقربها من مستشعر الحريق فوقهم.
ثانية.. ثانيتان..
انطلقت صافرة إنذار مدوية.
(فشششششششش).
انفجرت فوهات في السقف تضخ غازاً أبيض كثيفاً في الممر كله.
سمعوا صوت سعال الحراس وسقوط أسلحتهم.
"دلوقتي! اكتموا نفسكم!"
ركض الثلاثة وسط الغاز الكثيف. عبروا فوق أجساد الحراس المغمى عليهم.
وصلوا للبوابة الضخمة في نهاية الممر.
بوابة فولاذية سميكة، لا تفتح بمفتاح، بل بقفل بيومتري (بصمة عين) وشفرة رقمية معقدة.
"نورين.. دورك." قال ياسين وهو يزفر الهواء المتبقي في رئته، وجهه بدأ يحمر من نقص الأكسجين.
أخرجت نورين جهازاً إلكترونياً وصلته بلوحة القفل. بدأت أصابعها تطير على المفاتيح لفك الشفرة.
"الشفرة متغيرة.. محتاجة دقيقة!"
"معناش دقيقة! الغاز هيخنقنا!" صرخ عصام.
وضع ياسين يده على اللوحة الإلكترونية. أغمض عينيه.
لم يحاول فك الشفرة رياضياً. حاول "رؤية" الطاقة.
رأى التيار الكهربائي يمر في الدوائر. رأى المسار الصحيح الذي يفتح القفل.
"الأخضر.. اقطعي السلك الأخضر الافتراضي في الكود."
ضغطت نورين الزر.
(تيك.. طق).
انفتح القفل الثقيل.
انفتح الباب ببطء، وكأنه فم وحش يفتح لأول مرة منذ قرون.
اندفعوا للداخل، وأغلقوا الباب خلفهم ليعزلوا الغاز.
سقطوا على الأرض يلهثون، يسحبون الهواء النقي الموجود داخل الزنزانة.
وبعد أن هدأت أنفاسهم.. رفعوا رؤوسهم ليروا أين هم.
لم تكن زنزانة عادية.
كانت قفصاً زجاجياً سميكاً جداً، معلقاً في وسط غرفة دائرية عميقة.
وداخل القفص.. كان يجلس "مروان".
كان مقيداً بسلاسل من التيتانيوم تثبت يديه ورجليه وعنقه في كرسي معدني مثبت بالأرض.
جسده عارٍ إلا من بنطال ممزق، ومليء بندوب وجروح قديمة وحديثة.
عضلاته مفتولة ومشدودة كأوتار الكمان.
رأسه محلوق، ووشم "الباركود" على رقبته يلمع تحت الضوء الأزرق الخافت.
كان يغمض عينيه.
بدا وكأنه تمثال.. أو جثة.
اقترب ياسين من الزجاج بحذر.
"مروان؟" همس.
فجأة.. فتح مروان عينيه.
لم تكن عيوناً بشرية.
كانت سوداء تماماً.. بلا بياض.. بلا قزحية. سواد حالك يبتلع الضوء.
ونظر مباشرة في عين ياسين.
ابتسم مروان ابتسامة وحشية كشفت عن أسنان بدت وكأنها بردت لتصبح حادة.
"أهلاً.." قال مروان بصوت أجش، وكأنه يخرج من قاع بئر: "الضيوف وصلوا.. وجابوا العشا معاهم."
تراجع عصام للخلف برعب: "ده.. ده بني آدم ده؟"
"ده الظل.." قال ياسين، وهو يخرج الحقنة الزرقاء من جيبه: "وده تذكرتنا الوحيدة للخروج من هنا."
نظر مروان للحقنة، واتسعت ابتسامته المرعبة:
"أنت فاكر إنك هتعالجني يا دكتور؟ أنا مش مريض.. أنا (الدواء). افتح القفص.. خليني أوريكم الدواء بيشتغل إزاي."
كان التحدي واضحاً.
لإعطائه الحقنة، يجب فتح القفص الزجاجي.
وبمجرد فتح القفص.. سيصبحون في مواجهة مباشرة مع أخطر قاتل خلقه المجلس، في مساحة مغلقة، وبلا أسلحة حقيقية.
نظر ياسين لنورين: "افتحي الزجاج."
"ياسين.. هيقتلنا!"
"افتحيه! مفيش وقت!"
ضغطت نورين الزر.
ارتفع الجدار الزجاجي ببطء.
تحرر الوحش من عازله. بقي مقيداً بالسلاسل، لكن السلاسل بدت واهية أمام هالته السوداء التي رآها ياسين تملأ الغرفة وتخنقهم.
مشى ياسين نحو الكرسي، والحقنة في يده.
خطوة.. خطوة.
مروان يراقبه بهدوء مفترس.
عندما وصل ياسين لمسافة الذراع..
تحرك مروان بسرعة لا تصدق.
تجاهل السلاسل، ولوى جسده بطريقة مستحيلة، وضرب بقدميه المقيدتين صدر ياسين ضربة مزدوجة قذفته للخلف ليرتطم بالجدار ويسقط، وتطير الحقنة من يده وتتدحرج بعيداً.
"غلطة.." زمجر مروان، وبدأ يشد السلاسل بقوة خرافية، فبدأت المسامير المثبتة في الأرض تقتلع من الخرسانة.
"هو بيفك نفسه!" صرخ عصام.
ياسين، وهو يمسك صدره المتألم، نظر للحقنة البعيدة، ثم لمروان الذي يوشك على تحطيم قيوده.
المعركة بدأت. ولم تكن معركة كلام. كانت معركة بقاء.
دوى صوت صرير معدني مرعب في الغرفة الدائرية، صوت معدن التيتانيوم وهو يئن تحت وطأة ضغط هائل لا يُصدق. "مروان" لم يكن يفك السلاسل، بل كان يمزقها من جذورها. عروق رقبته وذراعيه برزت كحبال زرقاء سميكة، وصرخة مكتومة خرجت من بين أسنانه المطبقة، صرخة وحش يرفض الأسر.
(طااااخ).
انخلع المسمار الفولاذي الضخم المثبت في الأرضية الخرسانية، وتطايرت الشظايا الأسمنتية كالقذائف. تحررت يد مروان اليمنى، والسلسلة الثقيلة تتدلى منها كسوط معدني مميت.
"ارجعوا لورا!" صرخ ياسين وهو يزحف على الأرض محاولاً الوصول للحقنة التي تدحرجت بعيداً تحت طاولة الكشف المعدنية.
لم ينتظر مروان. تحرك بسرعة تتحدى قوانين الفيزياء البشرية. قفز في الهواء، وهوى بالسلسلة الحديدية على "عصام" الذي كان يرفع مسدسه بيد مرتعشة.
ضربت السلسلة المسدس فطيرته من يد عصام وحطمته على الجدار، ثم التفت السلسلة حول ساق عصام وجذبته بقوة، ليسقط المصور المسكين على وجهه ويصرخ من الألم.
"عصام!" صرخت نورين، واندفعت لنجدته، لكن مروان كان أسرع. بحركة دائرية من ساقه الحرة، وجه ركلة هوائية صدتها نورين بحقيبتها الهندسية الثقيلة، لكن قوة الضربة قذفتها لترتطم بالجدار الزجاجي وتسقط فاقدة لتوازنها.
في ثوانٍ معدودة، كان "الحراس" (ياسين وفريقه) قد سقطوا أمام السجين.
وقف مروان في منتصف الغرفة، يلهث بصوت خشن، وعيناه السوداوان تمسحان المكان بحثاً عن الضحية التالية. استقرت عيناه على ياسين الذي كان قد أمسك بالحقنة أخيراً ووقف مستنداً على الطاولة.
"أنت لسه بتحاول؟" زمجر مروان بصوت يشبه فحيح الأفاعي: "اديني سبب واحد مقتلكش بيه دلوقتي وأشرب من دمك."
عدل ياسين نظارته المكسورة، ومسح الدم الذي سال من فمه.
لم يكن يشعر بالخوف المعتاد. في تلك اللحظة، فعل "بصيرته" إلى أقصى مدى.
العالم حوله تباطأ.
رأى مروان ليس كجسد، بل كـ "خريطة طاقة".
رأى العضلات المشدودة تستعد للانقباض. رأى النبضات الكهربائية في أعصاب مروان تتجمع في فخذه الأيمن.. هو يستعد للقفز.
ورأى شيئاً آخر.. بقعة سوداء داكنة في مؤخرة رأس مروان، عند جذع المخ.
"الشريحة.." همس ياسين: "مركز التحكم."
"السبب.." قال ياسين وهو يرفع الحقنة بيده أمامه كالسلاح: "هو إنك مش عايز تقتلني. البرمجة هي اللي عايزاك تقتلني. أنت (الظل).. وأنا الوحيد اللي يقدر يرجعلك ضلك."
ضحك مروان، ضحكة هستيرية خالية من المرح، وانقض.
قفز مروان قفزة هائلة، فاتحاً ذراعيه ليطبق على عنق ياسين.
لو كان ياسين إنساناً عادياً، لكانت رقبته قد كُسرت في تلك اللحظة.
لكن ياسين "رأى" القفزة قبل حدوثها بكسر من الثانية.
رأى "الخط الأحمر" لمسار مروان في الهواء.
انخفض ياسين لأسفل بسرعة، وانزلق تحت جسد مروان الطائر.
ارتطم مروان بالطاولة المعدنية خلف ياسين، محدثاً صوتاً مدوياً أدى لانبعاج المعدن.
استدار مروان بسرعة، وعلامات الغضب والدهشة على وجهه.
"سريع.." تمتم مروان: "بس مش كفاية."
هجم مروان مرة أخرى. سلسلة من اللكمات والركلات السريعة جداً.
يمين، يسار، ركلة سفلية، لكمة خطافية.
ياسين كان يرقص مع الموت.
يتفادى اللكمة الأولى بميل رأسه سنتيمتراً واحداً.
يصد الركلة الثانية بذراعه (الذي صرخ ألماً لكنه لم ينكسر).
يتراجع للخلف خطوة واحدة ليتفادى السلسلة الحديدية التي مرت أمام أنفه مباشرة.
"نورين!" صرخ ياسين وهو يلهث: "الضوء! اضربي عينه بالضوء!"
فهمت نورين الإشارة. كانت تزحف نحو جهاز "ستروب" (Strobe Light) قوي يستخدم في حالات الطوارئ لفحص المعادن.
وجهت الجهاز نحو وجه مروان وشغلته على أقصى طاقة.
انفجرت ومضات ضوئية بيضاء سريعة ومتقطعة، حولت الغرفة إلى ديسكو من الجحيم.
صرخ مروان ووضع يده على عينيه. "الشريحة" في رأسه تعتمد على الإدراك البصري الحاد، والضوء المتقطع يسبب لها خللاً (Overload).
ترنح مروان للحظة، وفقد توازنه.
"دلوقتي!"
لم يهرب ياسين. بل اندفع نحو الوحش.
قفز ياسين على ظهر مروان، ولف ساقيه حول خصره، وذراعه اليسرى حول عنقه في حركة خنق يائسة.
ثار مروان كالثور الهائج. أخذ يضرب بظهره في الجدران ليحطم ياسين، ويمسك بذراع ياسين ليخلعها.
شعر ياسين بأضلاعه تصرخ، وقبضة مروان الفولاذية تعتصر ساعده.
"اضرب يا ياسين! اضرب!" صرخ عصام.
رفع ياسين يده اليمنى التي تحمل الحقنة المعدنية.
رأى الهدف بوضوح بـ "بصيرته". نقطة صغيرة جداً أسفل الجمجمة، حيث تتصل الشريحة بالنخاع الشوكي.
"ارجع.. يا مروان." همس ياسين في أذن الوحش.
وغرس الإبرة السميكة بكل قوته في عنق مروان.
وضغط المكبس.
الفصل الثالث والعشرون: الانهيار العصبي (استعادة الذاكرة)
تجمد جسد مروان فجأة، وكأن صاعقة ضربته.
توقفت مقاومته. سقط على ركبتيه، ثم على وجهه، ساحباً ياسين معه.
سائل أزرق متوهج بدأ يسري في عروق رقبته، ويصعد نحو رأسه.
تدحرج ياسين مبتعداً عنه، يمسك صدره ويتنفس بصعوبة بالغة.
بدأ مروان يصرخ.
لم يكن صراخ غضب هذه المرة. كان صراخ ألم خالص، ألم شخص يتم "تمزيق عقله" وإعادة خياطته من جديد.
أمسك مروان رأسه بكلتا يديه، وأخذ يضرب جبهته في الأرضية الصلبة حتى سال الدم.
"اطلعوا من راسي! اطلعوا!"
الذكريات كانت تعود إليه كطوفان جارف. السد انكسر.
رأى نفسه وهو *** يتم تجنيده.
رأى تدريباته القاسية.
رأى عمليات الاغتيال التي نفذها بأمر المجلس ببرود ددمم.
ثم.. رأى "الحفرة".
تذكر اليوم الذي نزل فيه أسفل السجن لتأمين الموقع.
تذكر البوابة السوداء. وتذكر "الشيء" الذي رآه خلفها.
وتذكر الخيانة. كيف أمسك به "العميد" (رئيس الحرس) وحقنه بالمخدر، وكيف استيقظ ليجد نفسه بلا اسم، بلا ماضٍ، مجرد "رقم 44".
"أنا.. مروان.." خفت صراخه وتحول لنشيج مكتوم ومؤلم: "أنا مش 44.. أنا مروان الألفي."
زحفت نورين وعصام نحو ياسين.
"مات؟" سأل عصام وهو يمسك ساقه المصابة.
"لا.." رد ياسين وهو يراقب هالة مروان.
اللون الأسود المشوش كان يتلاشى ببطء، ويحل محله لون رمادي غامق ممزوج بخطوط حمراء دموية. هالة قاتل.. لكنه قاتل "واعٍ".
نهض مروان ببطء. كان وجهه مغطى بالدماء والعرق، وعيناه..
عيناه عادتا بشريتين. بؤبؤ أسود وقزحية بنية داكنة جداً، مليئة بالحزن والقسوة.
نظر لياسين.
لم يهجم.
مسح الدم عن فمه بظهر يده المقيدة بالسلسلة المقطوعة.
"أنت مين؟" سأل مروان بصوت مبحوح: "وليه أنقذتني؟"
"أنا ياسين.. وده فريقي." نهض ياسين بمساعدة نورين: "وأنقذناك لأننا محتاجينك. ومحتاجين نعرف اللي أنت تعرفه عن البوابة."
ضحك مروان بمرارة، ونظر للقيد في يده:
"أنقذتوني؟ أنتم حكمتوا على نفسكم بالموت. الإنذار الصامت اشتغل من دقيقتين لما الغاز ضرب. كتيبة (الأشباح) زمانها نازلة دلوقتي."
وكأن كلماته كانت إشارة، دوى صوت انفجار في الطابق العلوي، وبدأت أضواء الطوارئ الحمراء تدور في المكان، وصوت صفارات الإنذار يملأ السجن.
"تنبيه أمني. خرق في القطاع ج. بروتوكول الإغلاق التام."
"الأسانسير وقف." قالت نورين وهي تنظر للوحتها: "قفلوا المخارج. إحنا محبوسين."
مشى مروان نحو زاوية الزنزانة، حيث يوجد سرير معدني صدئ.
أمسك السرير بيد واحدة، واقتلعه من مكانه، وقذفه جانباً وكأنه قطعة ورق.
تحت السرير، كان هناك غطاء صرف صحي دائري ثقيل.
"المجلس فاكر إنه قفل كل المخارج." قال مروان وهو ينحني لرفع الغطاء بأصابعه العارية: "بس هما نسوا إنهم هما اللي خلوني أحفر الأساسات زمان."
رفع الغطاء الثقيل بجهد عضلي رهيب، كاشفاً عن فوهة مظلمة تنبعث منها رائحة الرطوبة والموت.
"ده (المهرب) اللي حفرته لنفسي قبل ما يمسكوني." نظر إليهم: "بيوصل لشبكة أنفاق السجن القديم، ومنها لمدخل (الحفرة) اللي بيدوروا عليها."
"أنت عايزنا ننزل تحت؟" سأل عصام بتقزز: "أعمق من كده؟"
نظر مروان للسقف، حيث بدأ صوت خطوات ثقيلة وجلبة أسلحة يقترب.
"فوق.. الموت المحقق. تحت.. الجحيم. اختاروا."
بدون تردد، قفز مروان في الحفرة واختفى.
نظر ياسين لنورين وعصام.
"للجحيم." قال ياسين، وقفز خلفه.

سقطوا في نفق ضيق، أرضيته مغطاة بمياه آسنة تصل للكاحل. الظلام كان دامساً لولا كشافاتهم اليدوية.
كان مروان يتقدمهم بسرعة، يتحرك في الظلام وكأنه يرى بعينين ليليتين، يحفظ الطريق عن ظهر قلب.
"بسرعة!" استعجلهم مروان: "المسافة طويلة، والهوا هنا قليل."
كانت الأنفاق متاهة حقيقية. جدرانها مبنية من الطوب الأحمر القديم جداً، ربما من أيام الإنجليز أو المماليك، وعليها علامات ونقوش غريبة.
ياسين كان يشعر بـ "الطاقة" تتغير كلما تعمقوا.
لم تعد طاقة سجن. أصبحت طاقة "قديمة". طاقة تشبه تلك التي شعر بها في المعبد الغارق، لكنها هنا "فاسدة".
"مروان.." ناداه ياسين وهو يهرول خلفه: "إيه اللي شفته؟ إيه اللي خلاك تخون المجلس؟"
توقف مروان فجأة. التفت إليهم، ووجهه مضاء بنور الكشاف الشاحب، فبدا كجمجمة بشرية.
"مش اللي شفته.." همس مروان: "اللي سمعته."
"سمعت إيه؟"
"سمعتهم بيكلموا (الشيء) اللي ورا البوابة. وسمعت الشيء بيرد عليهم."
اقترب مروان من ياسين، وعيناه مليئتان برعب لا يليق بقاتل:
"البوابة دي مش سجن لملوك فراعنة زي ما الأساطير بتقول. البوابة دي (حاضنة). فيه كيان بيتغذى على الألم.. والمجلس بيأكله بقاله 50 سنة بمساجين العقرب عشان يكبر. ودلوقتي.. هو جاهز يخرج."
شعر ياسين بقشعريرة باردة. هذا يفسر "السحابة الرمادية" التي رآها فوق السجن. السجن كله مجرد "مذبح" لتقديم القرابين.
"وصلنا." قال مروان.
توقفوا أمام جدار مسدود في نهاية النفق.
لكن الجدار لم يكن مصمتاً. كان عليه صدع كبير، ومن خلال الصدع، كان يتسرب ضوء برتقالي خافت، وصوت آلات حفر عملاقة تعمل بانتظام.
"ده موقع الحفر الجديد." أشار مروان للصدع: "المجلس وصل للبوابة من الناحية التانية. وإحنا دلوقتي.. في ضهرهم."
نظروا من الشق.
المشهد كان مهولاً.
كهف طبيعي ضخم جداً تحت الأرض، مضاء بكشافات قوية. وفي وسطه، حفار عملاق (TBM) يحفر في صخرة سوداء هائلة.
وحول الحفار، كان هناك مئات الجنود، وعلماء يرتدون بدلات عزل بيضاء.
وفي مقدمة الجميع.. وقفت امرأة.
امرأة طويلة، ترتدي بدلة بيضاء أنيقة، وشعرها مصبوغ باللون الفضي.
كانت تعطي الأوامر ببرود، وتشير بعصا إلكترونية نحو الصخرة السوداء.
شهقت نورين عندما رأتها.
"مستحيل.." همست نورين، وتراجعت للخلف وكأنها رأت شبحاً.
"تعرفيها؟" سأل ياسين.
"دي الدكتورة (شاهندة).." قالت نورين بصوت يرتجف: "دي المشرفة على رسالة الدكتوراه بتاعتي.. الست اللي جندتني للمشروع.. واللي المفروض إنها ماتت في حادثة طيارة من 3 سنين!"
نظر ياسين للمرأة. فعل بصيرته.
هالتها لم تكن بشرية.
كانت هالتها "سوداء ومشققة"، يخرج منها دخان بنفسجي يربطها بالصخرة السوداء.
"دي مش بشر.." قال ياسين: "أو مبقتش بشر."
التفت مروان إليهم، وفي يده قضيب حديدي صدئ التقطه من الأرض:
"الدكتورة دي هي اللي أمرت بمسح ذاكرتي. هي (المديرة التنفيذية) للمشروع هنا. النهاردة.. هردلها الجميل."
"استنى!" أمسكه ياسين من ذراعه: "أنت لو نزلت كده هيفرموك. دول جيش!"
"أنا ظل.." ابتسم مروان ابتسامة دموية: "والظل مبيتشافش غير لما يكون فات الأوان. أنا هنزل أعمل فوضى.. وأنتم ادخلوا غرفة التحكم وعطلوا الحفار. دي فرصتكم الوحيدة."
وقبل أن يعترضوا، انزلق مروان عبر الشق الصخري، وهبط إلى الكهف الضخم بصمت القطة، ليختفي وسط الظلال والمعدات، مبدئياً رقصة انتقامه الخاصة.
نظر ياسين لنورين وعصام.
"جاهزين؟"
أخرج عصام مسدسه (الذي استعاده من الزنزانة) وتنهد:
"يا مسهل.. شكلنا هنموت كلنا النهاردة، بس على الأقل هنموت وإحنا بنعمل نمرة حلوة."
تسللوا خلف مروان.
بدأت معركة "تحت الأرض".
انزلق "مروان" من الشق الصخري كقطرة حبر تسقط في الماء، يهبط بخفة لا تصدق على رافعة معدنية ضخمة تطل على ساحة الحفر. في الأسفل، كان مئات الجنود والعلماء يتحركون كالنمل حول الحفار العملاق الذي يزمجر بصوت يطحن العظام.
لم يكن مروان يحمل سلاحاً نارياً، فقط القضيب الحديدي الصدئ الذي التقطه، وغضباً يكفي لحرق العالم.
حدد هدفه الأول: محطة توليد الكهرباء الفرعية التي تغذي كشافات الإضاءة في القطاع الغربي.
قفز مروان من الرافعة، وهبط فوق جندي حراسة، كاسراً عنقه قبل أن يلمس الأرض. سحب الجندي للظل، وأخذ سلاحه (بندقية هجومية حديثة) وقنابله اليدوية.
"الدرس الأول.." همس مروان لنفسه بابتسامة وحشية: "لو عايز تشتت انتباه جيش.. ابدأ بالنار."
نزع فتيل قنبلة يدوية، ودحرجها بدقة لاعب بولينج تحت خزان الوقود الخاص بالمولدات.
عد تنازلياً في رأسه.
3.. 2.. 1.
(بوووم).
انفجرت كرة نارية هائلة، وتبعها انقطاع التيار عن نصف الكهف.
سادت الفوضى. صرخات الجنود، وصفارات الإنذار، وأوامر الضباط المتضاربة عبر اللاسلكي.
"دخيل! قطاع 4! اقتلوه!"
تحرك مروان وسط الظلام والدخان. لم يكن يقاتل، كان "يعاقب".
يظهر من العدم ليطعن، ويختفي قبل أن يرتد الرصاص.
كان يرى هالات الخوف حولهم، وكان يتغذى عليها.
هدفه ليس قتل الجميع، بل سحبهم بعيداً عن "غرفة التحكم" ليفسح الطريق لياسين ونورين.

في الأعلى، استغل ياسين ونورين وعصام الفوضى.
تسللوا عبر ممرات الخدمة الجانبية، متجاوزين الحراس المذعورين الذين يركضون نحو الانفجار.
وصلوا لباب "غرفة التحكم الرئيسية". غرفة زجاجية معلقة تشرف على الموقع كله.
"عصام.. خليك هنا وراقب الباب." أمر ياسين.
"ماشية معاك.. **** يستر." أمسك عصام مسدسه ووقف في زاوية مظلمة.
دخل ياسين ونورين الغرفة.
كانت الغرفة مليئة بالشاشات ولوحات التحكم المعقدة. ولكنها كانت خالية من الموظفين الذين هربوا أو نزلوا للأسفل.
خالية إلا من شخص واحد.
الدكتورة "شاهندة".
كانت تقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، تراقب الحريق في الأسفل ببرود تام، ويديها مشبوكتان خلف ظهرها.
لم تلتفت عندما دخلوا.
"كنت عارفة إنك هتيجي يا نورين.." قالت بصوت ناعم، لكنه يحمل رنيناً معدنياً غريباً: "تلميذتي النجيبة.. والغبية."
تجمدت نورين. رفعت مسدساً (أخذته من أحد الحراس المخدرين) وصوبته نحو ظهر معلمتها.
"أنتي ميتة.." قالت نورين بصوت يرتجف: "أنا حضرت جنازتك."
التفتت شاهندة ببطء.
شهق ياسين.
وجهها كان جميلاً كما في الصور، لكن.. عينها اليسرى كانت "ميكانيكية". عدسة كاميرا حمراء دقيقة تدور وتزيز مكان العين البشرية. ونصف وجهها الأيسر كان يبدو وكأنه مصنوع من جلد صناعي يغطي شرائح معدنية.
"الموت مجرد ترقية (Upgrade) يا نورين." ابتسمت شاهندة، فظهرت أسلاك دقيقة تحت جلد رقبتها: "المجلس أنقذني بعد الحادثة. وحولني لنسخة أفضل. نسخة مش بتخاف.. ومش بتغلط."
نظرت لياسين بـ "عينها الحمراء" التي قامت بمسحه ضوئياً.
"وأنت.. (الراصد). العين اللي بتشوف كل حاجة، بس مش فاهمة أي حاجة."
"أنا فاهم إنك بتبيعي الجنس البشري." رد ياسين بحدة، وهو يقترب خطوة، وعينه البنفسجية تتوهج: "وقفي الحفار. البوابة دي مش هتتفتح."
ضحكت شاهندة. ضحكة خالية من الروح.
"البوابة هتتفتح. ده مش خيار. (الكيان) جاع.. ولازم يأكل."
رفعت يدها، التي تحولت فجأة لـ "نصل" معدني حاد خرج من معصمها.
"نورين.. فاكرة لما كنت بقولك إن الهندسة هي فن التفكيك؟ خليني أفككك."
اندفعت شاهندة نحوهم بسرعة غير بشرية.
أطلقت نورين النار.
الرصاصات اصطدمت بصدر شاهندة، لكنها ارتدت وكأنها ضربت درعاً فولاذياً.
"دروع كربونية تحت الجلد." صرخت نورين برعب.
وصلت شاهندة لنورين، ورفعت النصل لتطعنها.
"لا!"
قفز ياسين ليدفع نورين، فتلقى ضربة قوية من ذراع شاهندة المعدنية قذفته عبر الغرفة ليرتطم بلوحة التحكم الكهربائية.
تطاير الشرر، وشعر ياسين بكهرباء تسري في جسده، لكنه لم يمت.
بالعكس.. الكهرباء "شحنت" بصيرته.
رأى شاهندة بوضوح الآن.
لم تكن سايبورغ فقط. كانت "ممسوسة".
هناك خيط طاقة أسود سميك يخرج من رأسها، ويمتد عبر الزجاج، ليرتبط بالصخرة السوداء التي يحفرها الحفار.
"هي مش بتتحكم.." صرخ ياسين وهو ينهض بصعوبة: "الصخرة هي اللي بتتحكم فيها! اضربي الخيط يا نورين! مش الجسم!"
"خيط إيه؟ أنا مش شايفة حاجة!" صرخت نورين وهي تتفادى طعنة أخرى بصعوبة.
أدرك ياسين أنه الوحيد الذي يرى.
يجب أن يكون هو "عين" نورين.
"نورين! اسمعي كلامي! وراكي! انخفضي!"
انخفضت نورين في اللحظة التي مر فيها النصل فوق رأسها.
"يمين! اضربي في الركبة الشمال! فيها مفصل مكشوف!"
ضربت نورين بمؤخرة المسدس ركبة شاهندة اليسرى بكل قوتها.
سمعوا صوت تحطم تروس. سقطت شاهندة على ركبتها الواحدة.
"دلوقتي! اضربي الشاشة الكبيرة اللي وراها!"
لم تفهم نورين السبب، لكنها وثقت به. أطلقت النار على الشاشة العملاقة خلف شاهندة.
انفجرت الشاشة، وتناثر الزجاج والشرر الكهربائي.
كابل ضغط عالٍ سقط من الشاشة.. وسقط مباشرة على "الخيط الأسود" الذي يراه ياسين (وعلى رقبة شاهندة المعدنية).
(تزززززت!).
صرخت شاهندة صرخة مرعبة، ليست بشرية ولا آلية.
الكهرباء قطعت الاتصال بينها وبين الصخرة.
تشنج جسدها، وبدأت العين الحمراء تومض وتنطفئ.
سقطت على الأرض، والدخان يتصاعد من مفاصلها.
اقتربت نورين منها، والدموع في عينيها، ووجهت المسدس لرأسها.
نظرت شاهندة لنورين بعينها البشرية المتبقية. للحظة.. عادت نظرة المعلمة القديمة.
"اهربي.." همست شاهندة بصوت بشري ضعيف: "هو.. هو جاي."
ثم ماتت. انطفأ الضوء في عينها الآلية والبشرية معاً.​

ساد الصمت في غرفة التحكم، إلا من صوت الإنذارات البعيدة.
"ماتت.." بكت نورين وهي تخفض سلاحها.
لم يكن هناك وقت للحزن. ياسين ركض نحو لوحة التحكم الرئيسية للحفار.
"لازم نوقف المكنة دي!"
حاول الضغط على زر الإيقاف الطوارئ.
لم يستجب.
"النظام مغلق من المصدر! التحكم مش من هنا!"
نظر ياسين عبر الزجاج للحفار العملاق.
رأس الحفار الماسي كان يدور بسرعة جنونية، ويقترب سنتيمترات من قلب الصخرة السوداء.
لكن ياسين رأى ما هو أسوأ.
الصخرة.. لم تكن صخرة.
بـ "بصيرته" المشحونة بالكهرباء، رأى الحقيقة.
الصخرة كانت "غشاء".
غشاء رقيق جداً، لزج، نابض، لونه أرجواني داكن. وخلف الغشاء.. رأى "عيوناً".
ملايين العيون تنظر إليهم من البعد الآخر. تنتظر ثقباً صغيراً لتعبر.
"ده مش حجر.." تراجع ياسين برعب، وصوته يرتجف: "ده (جلد). الحفار بيحفر في جلد الكيان نفسه. لو اخترقه.. الكيان هيتولد في عالمنا."
"هنعمل إيه؟" صرخ عصام الذي دخل الغرفة يجري: "مروان بيخلص تحت! الذخيرة بتخلص!"
نظر ياسين للحفار. ثم نظر لنورين.
"نورين.. أنتي مهندسة. الحفار ده شغال بإيه؟"
"بمفاعل نووي مصغر عشان يدي عزم الدوران ده."
"لو فجرنا المفاعل؟"
"هندمر الكهف كله! وهنموت كلنا!"
"ولو عملنا (تخمة) Overload؟ لو خلينا المفاعل يسخن زيادة.. الحفار هيسيح في مكانه ويلحم نفسه في الصخرة (أو الجلد) ويسدها للأبد."
نظرت نورين للوحة التحكم. مسحت دموعها. عادت "المهندسة".
"ممكن. بس لازم حد ينزل غرفة المحرك اللي في الحفار نفسه ويعطل نظام التبريد يدوياً."
"أنا هنزل." قال ياسين.
"لا!" صرخت نورين: "الحرارة والإشعاع.. ممكن تموت!"
"أنا الوحيد اللي يقدر يشوف المسار وسط المكنة من غير ما يتفرم." أمسك كتفها: "أنتي خليكي هنا وجهيلي التعليمات. وعصام يحميكي."
نظر للأسفل، حيث مروان يقاتل جيشاً بمفرده.
"أنا رايح أوقف القلب."
ركض ياسين خارج الغرفة، وقفز إلى ساحة المعركة، متجهاً نحو الحفار العملاق، ونحو نهاية العالم المحتملة.
كان "الحفار العملاق" (The TBM) أشبه بمدينة صناعية متحركة، وحشاً معدنيًا يزن آلاف الأطنان، يزمجر بصوت يصم الآذان ويهز العظام. قفز "ياسين" على السلم الجانبي للحفار، وتسلق المعدن الساخن الذي بدأ يلسع يديه رغم القفازات.
الحرارة هنا لا تطاق. الهواء مشبع برائحة الزيت المحروق والأوزون المتأين.
"نورين!" صرخ ياسين في جهاز الاتصال الصغير المثبت في أذنه، وصوته يضيع وسط ضجيج التروس: "أنا جوه! فين غرفة التبريد؟"
جاء صوت نورين متقطعاً، مليئاً بالتشويش والخوف:
"ياسين.. الحرارة بتعلى بسرعة! قدامك ممر صيانة ضيق على اليمين.. ادخله.. هتلاقي صمام أحمر كبير.. ده صمام الأمان الرئيسي. لازم تكسره، مش تقفله!"
دخل ياسين الممر. كان ضيقاً جداً، مليئاً بالأنابيب التي تنفث بخاراً ساخناً كأنفاس تنين.
استخدم "بصيرته" ليرى ما لا يُرى.
رأى الإشعاع يتسرب من قلب المفاعل النووي المصغر في المقدمة. كان الإشعاع يبدو له كضباب أخضر سام يزحف على الأرضية.
"لازم أتفادى الضباب.." همس لنفسه، وبدأ يقفز فوق الأنابيب، ويتعلق بالصمامات العلوية، متجاوزاً المناطق المشعة بمهارة بهلوانية يائسة.
وصل إلى "غرفة القلب".
كانت غرفة صغيرة دائرية، وفي وسطها، كان المفاعل ينبض بضوء أزرق ساطع. وحوله شبكة معقدة من أنابيب التبريد المملوءة بالنيتروجين السائل.
وجد الصمام الأحمر. كان ضخماً، ومصنوعاً من الحديد الزهر.
أمسك ياسين بقضيب معدني ثقيل وجده ملقى على الأرض.
"اكسره.." ردد لنفسه: "اكسره وخلصنا."
رفع القضيب وضرب الصمام بكل قوته.
(طان!).
ارتد القضيب وهز ذراع ياسين، لكن الصمام لم ينكسر. مجرد انبعاج بسيط.
"أقوى.."
ضرب مرة أخرى. ومرة ثالثة. الحرارة بدأت ترتفع بشكل جنوني. شعره بدأ يحترق، وجلده يحمر كأنه في فرن.
فجأة، شعر ياسين بـ "حضور" غريب في الغرفة.
ليس بشراً.
التفت لينظر للمفاعل.
الضوء الأزرق بدأ يتلون باللون "الأرجواني". نفس لون الغشاء الذي رآه في الصخرة.
الكيان.. الكيان يشعر به.
سمع صوتاً في عقله. ليس صوتاً لغوياً، بل صوت "شهوة". شهوة لأكل طاقته.
شعر برغبة قوية في إلقاء نفسه داخل المفاعل. أن يذوب ويتحد مع الضوء.
"ياسين! رد عليا!" صوت نورين اخترق التنويم المغناطيسي: "مؤشرات الحرارة في المنطقة الحمراء! اطلع من هناك!"
هز ياسين رأسه بعنف لطرد الصوت الدخيل.
نظر للصمام مرة أخرى.
"أنا مش هضرب الحديد.." همس ياسين وهو يركز بصيرته: "أنا هضرب (الشرخ)."
رأى شرخاً مجهرياً في عنق الصمام. نقطة ضعف في الصب.
رفع القضيب، وركز كل طاقته الجسدية والعقلية في نقطة واحدة.
ضرب.
(كرااااك).
انكسر الصمام.
انفجر تيار من الغاز الأبيض البارد (النيتروجين) في وجه ياسين، ودفعه للخلف ليصطدم بالجدار.
سعل ياسين بعنف، وعيناه تدمعان.
ولكن بعد ثانية.. توقف الغاز.
وبدأ صوت المفاعل يتغير. من الطنين المنتظم.. إلى صراخ وعويل متصاعد.
اللون الأزرق تحول لأحمر، ثم لأبيض ساطع.
بدأ المعدن حول المفاعل يضيء ويتوهج.
الانصهار بدأ.
"اهرب يا ياسين!" صرخت نورين: "المكنة دي هتتحول لشمس صغيرة في أقل من دقيقة!"

في ساحة المعركة بالأسفل، كان "مروان" يخوض حربه الخاصة.
كان محاطاً بأكثر من خمسين جندياً من قوات النخبة التابعة للمجلس.
الرصاص يتطاير حوله كالمطر، لكنه كان يتحرك كالشبح وسط الدخان. يستخدم أجساد الجنود كدروع بشرية، يسرق أسلحتهم ويطلق النار بدقة مميتة، ثم يقفز ليختفي ويعاود الهجوم من زاوية أخرى.
كان جسده ينزف من عدة جروح سطحية، وبدلة السجن الممزقة تغطت بالدماء والرماد، لكنه لم يتوقف. كان يستمتع. لأول مرة منذ سنوات، هو يقاتل بإرادته، لا بأوامر شريحة إلكترونية.
"الهدف في الحفار!" صرخ قائد الجنود: "احموا الحفار!"
بدأ الجنود يركضون نحو السلم المؤدي لغرفة المفاعل، حيث يوجد ياسين.
"على جثتي.." زمجر مروان.
لم يكن معه ذخيرة.
التقط سلسلة حديدية ضخمة كانت تستخدم لجر المعدات. لفها حول ذراعه.
ووقف عند أسفل السلم الضيق للحفار. سد الطريق بجسده الضخم.
"محدش هيعدي."
اندفع الجنود نحوه.
تحول المشهد إلى مجزرة بالأيدي والسلاسل.
مروان يضرب بالسلسلة يميناً ويساراً، يهشّم الخوذات ويكسر العظام. يتلقى طعنة سكين في فخذه، فينتزع السكين ويغرزها في عنق المهاجم.
كان وحشاً هائجاً يرفض السقوط.
وفجأة، سمع صوت انفجار مكتوم من داخل الحفار.
وبدأت حرارة رهيبة تنبعث من الآلة العملاقة.
رأى الجنود المعدن وهو يبدأ في الاحمرار والذوبان.
"إخلاء! إخلاء فوري! المفاعل بينصهر!" صرخ القائد.
تراجع الجنود برعب، هاربين من الموت المحتوم.
نظر مروان لأعلى السلم.
رأى ياسين يخرج من باب الصيانة، يترنح، يقع ويقوم، ووجهه مسود من الدخان، وملابسه تحترق.
"مروان!" صرخ ياسين بصوت ضعيف: "اجري!"
لم يجرِ مروان.
صعد السلم درجتين وثلاثة، وقفز ليمسك بياسين الذي كاد يسقط من الحافة.
حمله على كتفه كشوال بطاطس.
"مسكتك يا دكتور."
قفز مروان من ارتفاع ثلاثة أمتار، وهبط على الأرض بقوة شقت الأسمنت.
"اجروا!" صرخ ياسين لنورين وعصام اللذين كانا ينتظران عند مدخل النفق، ووجوههم شاحبة.
بدأ الحفار يذوب حرفياً.
المقدمة الماسية انصهرت والتحمت بـ "الغشاء" الأرجواني للصخرة.
وحدث تفاعل كيميائي وفيزيائي مرعب.
الغشاء.. صرخ.
ليس صوتاً مسموعاً، بل موجة صدمة عقلية ضربت كل من في الكهف.
الكيان يحترق.
الصخرة السوداء بدأت تنهار على نفسها، تبتلع الحفار المنصهر، وتغلق الفجوة بكتلة من المعدن السائل والحجر البركاني.
انهار سقف الكهف. الصخور العملاقة بدأت تتساقط كالمطر.
"النفق! ارجعوا للنفق!" قادهم عصام وهو يضيء الكشاف.
ركضوا في النفق الضيق، والغبار يلاحقهم، والأرض تهتز تحت أقدامهم بزلزال عنيف.
كان سباقاً ضد الدفن أحياء.
مروان يركض وهو يحمل ياسين شبه المغمى عليه، ونورين تتعثر فيقومها عصام.
صوت الانهيار خلفهم كان يقترب.. يقترب..
"هناك! سلم الطوارئ!" أشار مروان لفتحة رأسية في سقف النفق، بسلم حديدي صدئ يصعد للأعلى.
"اطلعوا! بسرعة!"
صعدت نورين أولاً، ثم عصام، ثم دفع مروان ياسين ليصعد، وصعد خلفه وهو يغلق الفتحة السفلية بغطاء حديدي ثقيل في اللحظة التي وصل فيها ركام الانهيار ليملأ النفق أسفلهم.
الفصل الثلاثون: نسيم الصحراء (الخروج)
تسلقوا السلم الرأسي الطويل جداً، في ظلام دامس ورطوبة خانقة. عضلاتهم تحترق، ورئاتهم تطلب الرحمة.
وأخيراً.. شعروا بنسيم بارد.
وصلوا للسطح.
دفع مروان الغطاء العلوي بقوة كتفه.
خرجوا.
لم يخرجوا داخل السجن.
خرجوا في منطقة صحراوية صخرية خلف أسوار سجن طرة بمسافة كيلومترين. فتحة تهوية قديمة لمنجم مهجور تم ربطه بالسجن سراً.
سقطوا على الرمال الباردة، تحت سماء الليل المرصعة بالنجوم.
كانوا يلهثون، يسعلون، وأجسادهم مغطاة بالسخام والدماء والطين.
نظروا خلفهم ناحية السجن.
رأوا الأرض تهتز قليلاً، وغباراً كثيفاً يتصاعد من الأرض داخل الأسوار، وأضواء السجن تنطفئ فجأة وتعود.
لم ينفجر السجن. الانهيار حدث في العمق السحيق، وابتلع السر معه.
"عملناها.." همست نورين وهي تبكي وتضحك في آن واحد: "قفلنا البوابة."
استلقى ياسين على ظهره، ينظر للنجوم.
شعر بالسكينة لأول مرة. النبض الإلكتروني المرعب الذي كان يشعر به تحت الأرض.. اختفى.
الكيان عاد للنوم، أو احترق.
جلس مروان بعيداً عنهم قليلاً، يضممد جرح فخذه بقطعة قماش ممزقة.
نظر لياسين بعينيه السوداوين، اللتين أصبحتا الآن تحملان نظرة "امتنان" حذرة.
"أنت مجنون يا دكتور.." قال مروان بصوت أجش: "بس جنانك عجبني."
"وأنت.." رد ياسين بابتسامة متعبة: "طلعت مش وحش للدرجة دي."
قطع حديثهم صوت محركات تقترب.
سيارتان سوداوان (تلك التي يملكها الظل) ظهرتا من خلف التلال الرملية، وتوقفت أمامهم.
نزل "الظل" من السيارة الأولى، ومعه فريق طبي.
مشى الظل نحوهم، ووقف ينظر لحالتهم المزرية، وللدخان المتصاعد من بعيد.
"مقبول.." قال الظل ببروده المعتاد، وهو يعدل أكمام معطفه: "مستوى الأضرار الجانبية في الحدود المسموحة. والهدف تحقق."
"كنا هنموت.." قال عصام بغضب وهو يحاول الوقوف: "ألفا بتاعك ده كان سايبنا نتشوي!"
"ألفا كان مراهن عليكم." رد الظل، وأشار للمسعفين ليحملوا ياسين: "وكسب الرهان."
نظر الظل لمروان.
وقف مروان وتحفز، مستعداً للقتال.
لكن الظل أومأ له برأسه باحترام:
"مروان الألفي. ملفك اتنظف. أنت مبقتش (44). أنت رجعت موجود. أهلاً بيك في الفريق."
بصق مروان دماً على الأرض:
"أنا مش في فريق حد. أنا بس.. عندي حساب قديم بصفيه."
"واحنا عندنا الفواتير كلها." فتح الظل باب السيارة: "اركبوا. الليلة طويلة.. وبكرة عندنا شغل أهم."

في المقر السري لـ "ألفا" تحت الأرض، وبعد مرور 24 ساعة.
كان ياسين يجلس في غرفته الخاصة، وقد ضُمدت جروحه، وارتدى ملابس نظيفة.
دخلت نورين. كانت تبدو أفضل حالاً، رغم الكدمات على وجهها.
جلست بجانبه على السرير.
"عامل إيه؟"
"حاسس إني اتضربت بقطر.. بس عقلي.. عقلي صافي."
أمسكت يده.
"ياسين.. اللي شفناه تحت.. الكيان ده.. تفتكر فيه زيه تاني؟"
نظر ياسين للحائط، وفعل بصيرته. لم يعد يرى الجدران. كان يرى "الشبكة" التي تغطي العالم. خيوط طاقة تمتد لآلاف الأميال.
رأى نقاطاً حمراء أخرى تومض في أماكن مختلفة.
في سوهاج. في سيناء. في أسوان.
"فيه كتير يا نورين.." ضغط على يدها: "المجلس مش مجرد مجموعة بتحفر حفرة. المجلس (فيروس) منتشر في جسم البلد. وإحنا لسه يدوب قطعنا صباع واحد."
دخل "عصام" و"مروان" للغرفة. مروان كان يرتدي ملابس تكتيكية سوداء، ويبدو كآلة حرب جاهزة للعمل.
"الظل بيقول إن فيه اجتماع." قال عصام: "ألفا عايزنا."
وقف ياسين. شعر بالقوة تسري في جسده. لم يعد "الموظف الهارب".
لقد هزم الموت، وهزم الجنون، وهزم الآلات.
هو الآن "الراصد". وقائد هذا الفريق الغريب.
المهندسة التي تبني، واللص الذي يرى الطرق، والقاتل الذي يبحث عن الخلاص.
"يلا بينا." قال ياسين، ونظرة عينيه البنفسجية تلمع بتحدٍ جديد: "المجلس فاكر إنه خسر جولة.. لازم نعرفهم إنهم خسروا الحرب قبل ما تبدأ."
خرجوا من الغرفة، يمشون في الممر الطويل نحو غرفة العمليات، خطواتهم تدق كطبول الحرب القادمة.
خلفهم، أغلقت أبواب الماضي.
وأمامهم.. انفتح باب المستقبل المجهول

عينٌ ترى خيطَ الفناءِ، وسيفٌ يكسرُ الأغلال وظلٌّ يسبقُ الخطواتِ، وكفٌّ تبني فوقَ رمالوخامسهم سرُّ الوجودِ.. إذا عادَ انجلت الآجال

الجزء السادس: جبل النار​

(المكان: الطريق الصحراوي الشرقي - محافظة سوهاج. الوقت: الظهيرة. الحرارة: 45 درجة مئوية. المشهد: قافلة صغيرة من سيارتين مصفحتين رباعيتي الدفع، لونهما رملي باهت للتمويه، تشقان طريقهما بصعوبة وسط مدقات وعرة غير ممهدة. الغبار الأصفر يغطي كل شيء، والشمس في كبد السماء تبدو كقرص أبيض حارق لا يرحم.)

داخل السيارة الأولى، يجلس ياسين في المقعد الأمامي بجوار السائق (أحد عملاء "ألفا" الصامتين). ياسين يرتدي نظارة شمسية سوداء، لكنه يرى من خلالها "خطوط الحرارة" التي تتصاعد من الأرض كأشباح راقصة. في الخلف، يجلس عصام ونورين، وجوههم شاحبة من وعورة الطريق والتوتر.

عصام (وهو يمسح العرق عن جبينه بوشاح مبلل، صوته يخرج مخنوقاً):"يا ساتر.. إحنا ماشيين في فرن بوتاجاز مش طريق. بقالنا 4 ساعات مشفناش عمود نور ولا حتى جمل تايه. أنت متأكد يا ياسين إننا لسه في مصر؟"

نورين
(تنظر لخريطة جيولوجية معقدة على جهازها اللوحي، وتجيب بتركيز شديد):"إحنا دخلنا المنطقة العمياء، يا عصام. الجبال هنا تكوينها صخري كثيف بيعزل شبكات الموبايل والراديو العادي. ده المكان المثالي لأي حد عايز يختفي.. أو يخفي مصيبة."

ياسين
(يخفض النظارة قليلاً، وعيناه تلمعان بوهج خفيف وهو ينظر لقمة جبل بعيد تلوح في الأفق):"المجلس مختارش المكان عشان العزلة بس.. اختاروه عشان (العروق). الجبل الشرقي هنا مليان عروق كوارتز وجرانيت أحمر. دي مواد موصلة للطاقة زي الأسلاك النحاس بالظبط. هما مش بس بانين مصنع.. هما موصلين المصنع بقلب الجبل عشان يسحبوا منه."

تحدث جهاز اللاسلكي المثبت في السيارة فجأة، قاطعاً الصمت بصوت مشوش قليلاً ولكنه هادئ وبارد. إنه صوت "الظل" (المندوب) الذي يقود السيارة الثانية.

الظل (عبر اللاسلكي):"فريق الراصد.. انتباه. وصلنا للنقطة (كاف). دي آخر نقطة تقدر العربيات توصلها من غير ما تتكشف للأقمار الصناعية أو دوريات الحراسة. هننزل ونكمل مشي 3 كيلو في ممرات التسلل."

توقفت السيارات خلف تلة صخرية ضخمة توفر ظلاً ممدوداً. نزل الجميع. كان الحر يضرب الوجوه كصفعة ساخنة.نزل مروان من السيارة الثانية. كان يرتدي زياً تكتيكياً خفيفاً بلون الصحراء، ويحمل بندقية قنص ثقيلة (Barrett) مفككة في حقيبة على ظهره. تحرك مروان فوراً لتأمين المحيط، وعيناه تمسحان القمم الصخرية بحذر شديد، وكأنه ذئب يشم رائحة فريسة.. أو صياد آخر.

اجتمع الفريق حول "الظل" الذي فرد خريطة ورقية كبيرة على غطاء محرك السيارة الساخن. الخريطة كانت مليئة بالخطوط الحمراء والرموز العسكرية.

الظل (يشير بقلم ليزر لنقطة حمراء في قلب وادٍ ضيق محاط بجبال شاهقة كالجدران):"ده الهدف. مصفاة (أخميم) للطاقة. دي المنشأة اللي بتستقبل (الخام الطاقي) اللي بيسحبوه من أماكن زي طرة وسيينا، وبتكرره عشان يتخزن في (أوعية حفظ) قبل ما يتنقل بره البلد. المكان ده هو (القلب النابض) لعملياتهم في الجنوب."

ياسين
(يتفحص الخريطة، ثم ينظر للظل بشك):"مين بيحرسها؟ المكان ده حصن طبيعي، بس أكيد فيه بشر."

أخرج الظل مجموعة صور فوتوغرافية عالية الدقة ملتقطة عن بعد بواسطة طائرات تجسس عالية الارتفاع. لم يكن الحراس يرتدون زي الشرطة أو الجيش المصري. كانوا يرتدون زياً عسكرياً صحراوياً مميزاً، بدون شارات دول، ومسلحين بأسلحة غربية متطورة جداً.

الظل (بملامح متجهمة، وصوته يحمل تحذيراً مبطناً):"شركة (بلاك ساند) الأمنية. مرتزقة دوليين. أغلبهم جنود سابقين في قوات خاصة أجنبية (فيلق فرنسي، وسبيتسناز روسي). مشهورين بالعنف المفرط وعدم ترك شهود. اللي بيدير العملية هناك (جنرال) سابق من جيش أوروبي شرقي اسمه (فيكتور)."

رمى الظل صورة مقربة لرجل ضخم، أصلع الرأس، يرتدي قميصاً مفتوحاً يظهر وشوماً تغطي صدره وعنقه. وجهه يحمل ندبة طويلة، وعيناه زرقاوان باردتان كالثلج.

نظر مروان للصورة، وارتسمت على وجهه ابتسامة باردة، ابتسامة وحش تعرف على وحش آخر.

مروان (بصوت منخفض كاحتكاك الحصى):"فيكتور.. الجزار. سمعت عنه أيام ما كنت بشتغل مع المجلس. الراجل ده مبيستخدمش حراس.. بيستخدم ألغام وكلاب مدربة بتاكل اللحم البشري. ده مش حارس أمن.. ده سادي بيحب شغله."

الظل
(ينظر لمروان ثم لياسين):"عشان كده مهمتكم مش الاشتباك المباشر. الكتيبة اللي جوه عددها يتجاوز الـ 200 مقاتل محترف. لو ضربتوا رصاصة واحدة غلط، هتبقوا غربال في دقيقة. الهدف هو (التخريب). لازم المصفاة دي تخرج من الخدمة تماماً، ومن غير ما يعرفوا إن (الدولة) هي اللي ضربتهم."

نظر ياسين للجبل الشاهق الذي يطل على الوادي. بدأ يفعل بصيرته. تحولت الصخور في عينه إلى طبقات شفافة من الألوان. رأى الضغط الهائل المحبوس داخل الحجر. رأى الشقوق التي تمتد كعروق دموية داخل الجبل.

ياسين (هامساً وعيناه تلمعان بوهج خفيف):"أنا مش محتاج رصاص.. ولا محتاج جيش. الجبل نفسه هو السلاح. أنا بس محتاج أوصل لـ (نقطة الضغط) اللي لو لمستها.. الجبل هيقوم بواجبه."

.​

(الوقت: الغروب. السماء تحولت للون الأحمر القاني ثم الأرجواني. الفريق قرر التخييم في منطقة صخرية منخفضة (كهف صغير) لانتظار الظلام التام قبل التحرك الأخير. الجو بدأ يبرد بسرعة، وعواء الذئاب الجبلية بدأ يُسمع من بعيد.)

جلس الفريق حول نار صغيرة جداً (بدون دخان) أشعلها مروان باستخدام أقراص وقود صلبة. الظلال الراقصة على جدران الكهف كانت تعطي وجوههم ملامح مرعبة.الظل (المندوب) بقي في الخارج يراقب الأفق بمنظار ليلي، تاركاً الفريق يستعد نفسياً.

عصام (وهو يفتح علبة تونة ويأكل منها ببطء، ينظر لمروان الذي كان ينظف أجزاء بندقيته بعناية فائقة):"مروان.. هو أنت مبتخافش؟ يعني.. إحنا رايحين نواجه جيش، وأنت قاعد بتلمع في الماسورة كأنك رايح فرح."

توقف مروان عن الحركة للحظة، ورفع عينيه السوداوين نحو عصام. في ضوء النار، بدا الوشم (الباركود) على رقبته كختم عبودية قديم.

مروان (بهدوء):"الخوف شعور صحي يا عصام. الخوف هو اللي بيخليك صاحي. بس أنا مبقتش بخاف من الموت.. أنا بخاف من (الرجوع). بخاف أرجع تاني مسخ مربوط بسلاسل في زنزانة ضلمة. الموت بالنسبة لي.. ترقية."

نورين
(وهي تضم ركبتيها لصدرها، تنظر للنار):"أنا كمان خايفة. مش من الموت.. خايفة من الذنب. كل مسمار في المصفاة دي، وكل كابل.. أنا عارفة تصميمه لأني شاركت في بناء الأساس النظري ليه زمان. أنا بحارب وحوش أنا اللي صنعتهم."

تحرك ياسين من مكانه، وجلس بجوار نورين. لم يلمسها، لكنه اقترب بما يكفي لتشعر بدفئه.

ياسين (بصوت دافئ):"أنتي مكنتيش تعرفي يا نورين. المعرفة هي اللي بتحاسبنا. ودلوقتي أنتي عارفة، وبتصلحي غلطتك. ده يخليكي أشجع مننا كلنا."

ثم التفت للجميع، وعيناه تعكسان ضوء النار بشكل غريب:"إحنا مش هنا عشان نموت. ولا عشان ننتقم وبس. إحنا هنا عشان نثبت إن البشر مش (بطاريات). المجلس بيتعامل معانا كأرقام.. كطاقة خام. بس هما نسوا إن الطاقة لما بتنضغط.. بتنفجر."

مروان
(يركب البندقية بصوت "كليك" حاد، ويقف):"كفاية فلسفة. القمر غاب. ووقت الحساب جه. فيكتور والجزارين بتوعه.. هيتعشوا رصاص الليلة."

.​

(الوقت: منتصف الليل. المكان: حافة جرف يطل مباشرة على وادي المصفاة. الفريق يزحف على بطونه للوصول للحافة والنظر للأسفل.)

كان المشهد في الأسفل مرعباً ومبهراً في آن واحد.وسط صمت الجبل، انتصبت "المصفاة" كمدينة صناعية من الجحيم. كشافات ضوئية قوية تمسح المنطقة المحيطة بانتظام. أسوار مكهربة بارتفاع 5 أمتار. أبراج مراقبة مزودة بمدافع رشاشة آلية (Sentry Guns) تتحرك بحساسات الحركة.وفي الساحة، شاحنات ضخمة تتحرك، وعمال (يبدون كالأشباح الهزيلة) ينقلون صناديق تتوهج بضوء أزرق خافت.

عصام (يهمس برعب وهو ينظر من خلال المنظار):"يا خبر أسود.. دي مش مصفاة.. دي قاعدة حربية. بصوا على الكللابب.. دي مش كلاب عادية.. دي لابسة دروع!"

ياسين
(يغمض عينيه ويفعل بصيرته لأقصى مدى):"سيبك من الكللابب.. بصوا على الأرض. الأرض تحت المصفاة بتصرخ."

رأى ياسين بـ "عينيه البنفسجية" شبكة معقدة من الأنابيب تغرز في قلب الأرض كالإبر، تسحب "سائلاً طاقياً" أبيض اللون من عروق الجبل، وتحوله داخل المصفاة إلى سائل "بنفسجي" فاسد يتم تعبئته.ورأى "فيكتور".كان الجنرال يقف في شرفة زجاجية معلقة، يدخن سيجاراً، وحوله شاشات مراقبة. هالته كانت سوداء، مشبعة بالدماء والعنف.

نورين (تشير لمبنى جانبي):"ده المولد الرئيسي. لو ضربناه، السور المكهرب هيقع."

ياسين
(يهز رأسه):"لا.. المولد محمي بدروع خرسانية مترين. ولو ضربناه، المصفاة هتدخل في وضع (الإغلاق التام) وهتحبس نفسها. إحنا لازم نضرب الجبل."

أشار ياسين بيده نحو نتوء صخري ضخم جداً، يبرز من الجبل الأم ويعلق فوق المصفاة مباشرة كالسيف المسلط."شايفين الصخرة دي؟ دي وزنها حوالي 50 ألف طن. وهي ماسكة في الجبل بـ (مفصل) صخري واحد فيه شروخ دقيقة. لو قدرنا نوسع الشروخ دي بتردد صوتي معين.. الصخرة هتقع."

نورين
(تحسب بسرعة):"لو وقعت.. هتاخد معاها الضلع الغربي للجبل كله.. وهتردم الوادي. بس عشان نعمل كده.. محتاجين نزرع (مولد الذبذبات) في الشق اللي ورا الصخرة مباشرة. والمكان ده مكشوف جداً لأبراج المراقبة."

مروان
(وهو يضبط عدسة بندقيته):"دي لعبتي. أنا هطلع. المسافة دي محتاجة تسلق حر.. وهحتاج تغطية."

الظل
(عبر اللاسلكي، يراقب من موقع خلفي):"مروان.. البرج رقم 4 كاشف الطريق للصخرة. فيه قناص ومستشعر حراري. لازم يتعمى قبل ما تتحرك."

عصام
(يخرج طائرة درون صغيرة من حقيبته، ويربط بها عبوة دخان):"سيبولي أنا القناص ده. هعمله حفلة."

.​

بينما كان مروان يستعد للتسلق، جلس ياسين في وضعية التأمل خلف صخرة كبيرة. كان عليه أن يحدد "التردد" الدقيق الذي سيكسر الجبل. هذا يتطلب منه أن "يندماج" عقلياً مع صخور الجبل.

ياسين (لنورين، وعيناه مغلقتان، ووجهه يتصبب عرقاً):"نورين.. أنا هدخل في (حالة رؤية) عميقة. جسمي هيكون مشلول تماماً. لازم تفضلي جنبي وتحميني. لو حد لمسني وأنا جوه الجبل.. عقلي ممكن يضيع."

نورين
(تجهز مسدسها وتقترب منه):"متخافش. محدش هيقرب منك إلا على جثتي."

دخل ياسين في الغيبوبة.في عقله، لم يعد بشراً. أصبح هو الجبل. شعر بوزن الصخور، وحرارة الباطن، والشقوق التي تؤلمه كالجروح. بدأ يبحث عن "النغمة" القاتلة.رأى الشق. رأى ذرات الكوارتز وهي تهتز."التردد.. 440 هرتز متقطع.. لا.. 442.."

في الخارج، كان الوضع يشتعل.عصام أطلق الدرون. طارت الدرون بصوت طنين خافت نحو خزان وقود بعيد.أسقط عصام قنبلة الدخان.(بوووم).انفجار وهمي وتصاعد دخان كثيف في الناحية الشرقية.صفارات الإنذار انطلقت. الكشافات اتجهت نحو الدخان.

مروان (ينطلق كالسهم):"الآن!"

بدأ مروان يتسلق الجرف الصخري بسرعة مستحيلة، أصابعه تجد ثقوباً لا تكاد تُرى، وجسده يلتصق بالصخر كأنه جزء منه.تجاوز منطقة الخطر الأولى.لكن، في الأسفل، كانت هناك دورية راجلة من ثلاثة مرتزقة وكلب حراسة تقترب من مكان اختباء ياسين ونورين. الكلب بدأ يشم الرائحة.

نورين (تهمس برعب وهي تنظر لياسين المتصلب كالميت):"ياسين.. فوق! الكلب جاي!"

لا رد. ياسين غارق في الجبل.الكلب نبح، وبدأ يجري نحو صخرتهم. الجنود رفعوا أسلحتهم."هناك! حركة!" صرخ أحد الجنود بلكنة أجنبية.

نظرت نورين لياسين العاجز، ثم لعصام المذعور. أخذت نفساً عميقاً.تحولت ملامحها من الخوف إلى شراسة القطة التي تحمي صغارها.رفعت المسدس.

نورين (تصرخ لعصام):"عصام! ارمي قنبلة صوت! واضرب نار! لازم نوقفهم قبل ما يوصلوا لياسين!"

اشتعلت المعركة الصغيرة عند الحافة، بينما مروان معلق بين السماء والأرض، وياسين تائه في عالم الصخور، والعدو الأكبر "فيكتور" يبدأ في الانتباه أن الدخان مجرد خدعة، وأن الهجوم الحقيقي.. يحدث فوق رأسه.
.
(المكان: خلف الصخرة التي يختبئ خلفها ياسين. الوقت: منتصف الليل. المشهد: فوضى عارمة. ياسين لا يزال غائباً عن الوعي في حالة "الرؤية الجيولوجية". نورين وعصام يقفان كحائط صد أخير أمام الدورية المتقدمة.)

أطلق عصام النار بشكل عشوائي ومذعور تجاه الظلال التي تقترب، بينما كانت نورين تتخذ وضعية قتالية أكثر ثباتاً، مستخدمة مسدساً مزوداً بكاتم للصوت (حصلت عليه من مخزن "ألفا").

الجندي الأول (يصرخ بلكنة روسية وهو يطلق دفعة من بندقيته الآلية):"هناك! اقتلوهم!"

الرصاص يرتطم بالصخرة التي تحمي ياسين، فتتناثر الشظايا الحجرية على وجهه، لكنه لا يتحرك. عقله ما زال محبوساً داخل الجبل، يبحث عن النغمة.

نورين (تصرخ لعصام وهي تطلق طلقتين دقيقتين):"عصام! اضرب الكلب! الكلب لابس درع وهيهجم!"

انطلق كلب الحراسة المدرع (Malinois) كالسهم الأسود، متجاوزاً خط النار، وقفز في الهواء مستهدفاً رقبة عصام.

عصام (يرمي المسدس من الرعب ويرفع ذراعه ليحمي وجهه):"يا نهار أسود!"

في اللحظة الأخيرة، انقضت نورين بجسدها، دافعة عصام جانباً، وتلقت هي هجمة الكلب. لكنها لم تكن عزلاء. كانت تمسك في يدها اليسرى "صاعقاً كهربائياً" (Taser) عالي الفولتية.غرزت الصاعق في رقبة الكلب (المنطقة غير المحمية بالدرع).(تزززززت).عوى الكلب وسقط يتشنج.

عصام (يلهث، ينظر لنورين بذهول):"أنتي.. أنتي عملتي إيه؟"

نورين
(تنهض وتمسح التراب، وعيناها تلمعان بشراسة):"هات مسدسك! لسه فيه اتنين جنود!"

الجنود اقتربوا. المسافة أصبحت 10 أمتار.وفجأة.. شهق ياسين شهقة عنيفة، وفتح عينيه اللتين كانتا تلمعان بضوء بنفسجي ساطع ومخيف. عاد من رحلته.

ياسين (يصرخ بصوت غريب، وكأنه صدى صوت الجبل):"444 هرتز! التردد 444!"

نظر ياسين للجنود المتقدمين. لم يرفع سلاحاً.مد يده نحو الأرض، وضرب بكفه الصخرة أمامه بقوة.لم تكن ضربة عادية. لقد وجه "ذبذبة" من طاقته عبر الأرض.اهتزت الأرض تحت أقدام الجنود فقط. فقدوا توازنهم وسقطوا في شق صخري ضيق انفتح فجأة تحتهم كفخ.

ياسين (ينظر لنورين، ووجهه شاحب كالموتى):"بلغي مروان! التردد 444! حالاً!"

.​

(المكان: النتوء الصخري المعلق على ارتفاع 300 متر. المشهد: مروان محاصر. خلفه الهاوية، وأمامه الجنرال فيكتور وكلبه الآلي.)

وقف فيكتور ببرود، يوجه فوهة بندقيته الضخمة نحو صدر مروان. الكلب الآلي (روبوت بأربعة أقدام ومفاصل هيدروليكية) يصدر صوت طنين ويوجه الليزر الأحمر نحو رأس مروان.

فيكتور (يبتسم ببطء، ويأخذ نفساً من سيجاره):"كنت فاكر إن (الظل 44) أسطورة. بس شكلك مجرد عيل بيلعب بالنار. مين بعتك؟ ألفا؟ ولا المجلس القديم؟"

مروان
(يرفع يده ببطء مستسلماً، لكن عينه تلمح جهاز الذبذبات الذي زرعه في الشق خلفه):"بعتتني أمك يا فيكتور.. بتقولك اتأخرت على العشا."

فيكتور
(يضغط أسنانه بغضب):"دمك خفيف. (رعد).. كُل!"

أصدر الكلب الآلي صريراً معدنياً وقفز.لم يحاول مروان صده. بل انزلق تحته (Slide) باتجاه حافة الهاوية.الكلب الآلي، ببرمجته الهجومية، حاول تعديل مساره في الهواء، لكن مروان أمسك بقدمه الخلفية وسحبه معه.تأرجح الاثنان على الحافة. مروان معلق بيد واحدة، واليد الأخرى تمسك بالروبوت الذي يحاول تسلق جسد مروان بمخالبه الفولاذية.

نورين (صوتها يصرخ في سماعة أذن مروان):"مروان! التردد 444! اظبط الجهاز واهرب!"

مروان
(يئن من ثقل الروبوت، ويركله ليسقط في الهاوية، ثم يسحب نفسه للأعلى بصعوبة):"حاضر.. بس الأول لازم أخلص حساب."

صعد مروان للسطح مرة أخرى. فيكتور كان يقترب ليجهز عليه.لم يهرب مروان. ركض تجاه فيكتور.أطلق فيكتور النار. الرصاصة خدشت كتف مروان، لكنه لم يتوقف.التحم معه.ضربة بركبة فيكتور. لكمة في وجه مروان.كان صراعاً وحشياً على حافة العالم. فيكتور أقوى وأضخم، لكن مروان أسرع وأكثر غضباً.

مروان (يلف ذراعه حول عنق فيكتور، ويهمس في أذنه):"الأرض اللي أنت بتسرقها.. هتبلعك دلوقتي."

دفع مروان فيكتور بقوة تجاه الحافة، وفي نفس الوقت، قفز هو تجاه الشق الصخري.ضبط مؤشر الجهاز بيده المرتجفة على (444).ضغط الزر الأحمر.

مروان (يصرخ في اللاسلكي):"الكل ينبطح! الجبل بيقع!"

.​

(المكان: الوادي بأكمله. الحدث: انطلاق الذبذبة.)

لم يكن صوتاً مسموعاً في البداية. كان "ضغطاً" في الهواء. شعور بالغثيان أصاب كل من في الوادي.ثم.. بدأت الصخور تغني.نغمة منخفضة جداً (Humming) تصاعدت من قلب النتوء الصخري.الشقوق الدقيقة التي رآها ياسين بدأت تتسع بسرعة مرعبة.

على القمة، نظر فيكتور تحت قدميه. الصخرة الصلبة كانت تتفكك كالبسكويت.فيكتور (يصرخ بذهول، محاولاً الركض):"مستحيل!"

(كراااااك).انكسر العمود الفقري للجبل.انفصلت كتلة صخرية بحجم ناطحة سحاب عن الجسد الأم.سقطت.وسقط معها فيكتور، وهو يطلق النار بجنون على الصخور التي تبتلعه.

قفز مروان في اللحظة الأخيرة، ليس للأعلى، بل للأسفل، مستهدفاً منصة صيانة جانبية صغيرة كانت لا تزال ثابتة.ارتطم بالمنصة بقوة كسرت عظامه، لكنه تشبث بها.

في الأسفل، نظر عمال المصفاة والحراس للأعلى. رأوا السماء تسقط عليهم.(بوووووم).ارتطمت الصخرة العملاقة بمبنى المصفاة الرئيسي.تحول المبنى المعدني في ثانية واحدة إلى صفيحة مضغوطة.انفجرت خزانات الضغط العالي التي تحوي "الطاقة الخام".لم يكن انفجاراً نارياً عادياً. كان انفجار "بلازما" أرجواني اللون.موجة الصدمة اكتسحت الوادي. أبراج المراقبة طارت كأعواد الثقاب. الشاحنات انقلبت.

عصام (يدفن وجهه في التراب خلف الصخرة):"يا لهوي! ده نووي ده ولا إيه؟"

ياسين
(يغطي جسد نورين بجسده ليحميها من الشظايا):"دي طاقة الأرض المكبوتة.. اتحررت مرة واحدة."

استمر الانهيار لمدة دقيقة كاملة. دقيقة حولت امبراطورية المجلس في الصعيد إلى مقبرة صخرية.

.​

(الوقت: بعد الانهيار بـ 15 دقيقة. الغبار يملأ الجو ويحجب الرؤية. السكون المطبق يلف المكان.)

نزل ياسين وعصام ونورين بحذر شديد نحو موقع السقوط، يبحثون عن أي أثر لمروان. اللاسلكي كان صامتاً.

نورين (تبكي وهي تزيح الغبار عن وجهها):"مروان.. رد! لو سامعني رد!"

ياسين
(يغمض عينيه المرهقتين، ويفعل بصيرته بصعوبة بالغة):"طاقتي خلصت.. مش قادر أشوف بوضوح. بس فيه.. فيه نبض ضعيف هناك. تحت السقالة دي."

ركضوا نحو سقالة معدنية ملتوية، نصف مدفونة تحت الحجارة.وجدوا يداً تخرج من تحت الركام. يد مغطاة بالدماء والغبار، لكنها لا تزال تقبض على "سلسلة" تعريف عسكرية (Dog Tag) انتزعها من رقبة فيكتور قبل سقوطه.

عصام (يصرخ بفرحة هستيرية):"عايش! الواد الجن ده عايش!"

أزاحوا الصخور بأيديهم العارية، متجاهلين الجروح.سحبوا مروان. كان في حالة يرثى لها. ساقه اليسرى ملتوية، وكتفه مخلوع، ووجهه خريطة من الجروح.فتح مروان عينه السليمة (الأخرى كانت متورمة ومغلقة).

مروان (يكح دماً، ويبتسم بألم):"المنظر من فوق.. كان خرافة."

نورين
(تحتضن رأسه):"أنت غبي! ومجنون! كنت هتموت!"

ياسين
(يجلس بجواره، يلهث من التعب):"المصفاة؟"

مروان
(يرفع السلسلة العسكرية بيده المرتجفة):"بقت تاريخ. وفيكتور.. بقى حفرية."

حملوه بينهم، وبدأوا رحلة العودة الشاقة نحو السيارات. خلفهم، كان الوادي يحترق بنار أرجوانية غريبة، تعلن نهاية فصل وبداية آخر.

.​

(المكان: السيارات المصفحة. الوقت: الغروب. الظل "المندوب" يستقبلهم بملامح لا تظهر أي تعبير كالعادة، لكن هناك توتراً خفياً في وقفته.)

تم وضع مروان في السيارة وتوصيله بالمحاليل.وقف ياسين أمام الظل، وهو يشرب الماء بنهم.

ياسين:"المهمة تمت. المصفاة اتدمرت. المجلس خسر مصدر طاقته في الجنوب."

الظل
(ينظر لهاتفه الفضائي بتركيز):"المجلس خسر معركة.. بس قرر يقلب الطرابيزة. حاول تتصل بأي حد يا ياسين."

أخرج ياسين هاتفه. (لا توجد شبكة).جرب عصام هاتفه. (لا توجد خدمة).حتى جهاز نورين اللوحي المتصل بالأقمار الصناعية كان يعطي شاشة سوداء.

نورين (بقلق):"الـ GPS فاصل. ده مش عيب تغطية.. ده تشويش."

ياسين
(ينظر للسماء، ويرى "القبة" الرمادية التي بدأت تتشكل فوق الغلاف الجوي):"قطعوها.. قطعوا كابلات الإنترنت، وشوشوا على الأقمار. مصر كلها دلوقتي معزولة عن العالم."

الظل
(يغلق هاتفه الفضائي الذي أصبح قطعة خردة):"ده اسمه بروتوكول (الشفرة الميتة). هجوم سيبراني شامل. المجلس بيعمي البلد عشان يبدأ التحرك الكبير. مقر ألفا في القاهرة دلوقتي بيتعرض لهجوم، وإحنا مش عارفين نوصلهم."

نظر الظل لياسين، ولأول مرة، رأى ياسين "الخوف" في هالة هذا الرجل الجليدي.

الظل:"إحنا لوحدنا يا ياسين. النظام وقع. ودلوقتي.. البقاء للأقوى."

ياسين
(يصعد للسيارة، وعيناه تلمعان بتصميم جديد):"مش لوحدنا. إحنا معانا الحقيقة. وإذا كانوا قطعوا الاتصالات.. فإحنا هنكون (الشبكة) البديلة. اركبوا.. راجعين القاهرة."

انطلقت القافلة بسرعة جنونية، تبتلعها الصحراء، متجهين نحو عاصمة قد تكون سقطت بالفعل في ظلام دامس، لا يحكمه سوى "المجلس" و"الخوف".

تعش مطمئناً لوحدتك المزعومة؛ فأنت لست في هذا العالم بمفردك. أنت مجرد ممثل على خشبة مسرح يظن أن الستار مسدل، بينما الصالة تعج بجمهور من عوالم أخرى يراقب أدق تفاصيلك بصمت مرعب

الجزء السابع: الشفرة الميتة​

(المكان: الطريق الدائري - مدخل القاهرة. الوقت: منتصف الليل. المشهد: كارثي. العاصمة التي لا تنام، المدينة الصاخبة ذات العشرين مليون نسمة، قد انطفأت تماماً. لا أضواء شوارع، لا ناطحات سحاب مضيئة. مجرد كتلة خرسانية سوداء ضخمة ترقد تحت سماء بلا نجوم. الطرق مكدسة بالسيارات المتوقفة بسبب تعطل أنظمتها الإلكترونية. أصوات أبواق السيارات القديمة وصراخ الناس تملأ الجو بتوتر وفزع.)

توقفت القافلة المصفحة التابعة لـ "الظل" بصعوبة وسط فوضى مرورية خانقة. السيارات الحديثة كانت متوقفة في منتصف الطريق كجثث هامدة، بينما السيارات القديمة جداً هي الوحيدة التي تتحرك ببطء، تناور وسط الحطام المعدني.

ياسين (يضغط وجهه على زجاج السيارة المصفحة، ينظر بذهول للظلام الذي يبتلع القاهرة):"مش مجرد قطع نت.. ده (Blackout) كامل. ضربوا محطات الكهرباء، وشبكات المحمول، وإشارات المرور. البلد اتشلت في لحظة."

نورين
(تحاول تشغيل جهازها اللوحي للمرة العاشرة، لكن الشاشة تومض برمز "جمجمة حمراء" رقمية ثم تنطفئ تماماً):"فيروس (الشفرة الميتة).. ده فيروس بيأكل الكود الأساسي (BIOS) للأجهزة. أي جهاز ذكي متصل بالشبكة اتحرق. العربيات المصفحة بتاعتنا شغالة بس لأنها معزولة، لكن لو فتحنا أي اتصال لاسلكي.. هنتحرق إحنا كمان."

الظل
(يجلس في المقعد الأمامي، ملامحه الباردة بدأت تتشقق لأول مرة. يحاول الاتصال عبر جهاز لاسلكي عسكري قديم مشفر، يضرب الجهاز بيده بغضب):"هنا الظل.. كود 7-ألفا.. هل تسمعني يا غرفة العمليات؟.. حد يرد!.. اللعنة! ألفا معزول. ومقر القيادة تحت الأرض بيعتمد على سيرفرات متصلة بالأقمار الصناعية. لو السيرفرات دي اتضربت.. يبقى النظام الأمني وقع."

مروان
(مستلقياً في الخلف، يضغط على جرح ساقه بضمادة ملوثة، وينظر للشارع بعينين تلمعان في الظلام):"الفوضى بدأت. الناس خايفة. والمجلس هيستغل الخوف ده. هما دلوقتي الطرف الوحيد اللي معاه (نور) ومعاه (نظام). هينزلوا قواتهم والناس هترحب بيهم كمنقذين."

عصام
(ينظر للسيارات الفارهة المتعطلة، ثم ينظر لسيارة "نقل" قديمة جداً طراز السبعينات محملة بالخضروات تشق طريقها ببطء على الجانب الرملي للطريق):"الظل.. إحنا لازم نسيب العربيات دي."

الظل
(يلتفت إليه بحدة):"أنت اتجننت؟ دي عربيات مصفحة ضد الرصاص! إحنا معانا معلومات تودينا في داهية!"

عصام
(يشير للزحام بجدية غريبة عليه):"وضد الحركة كمان. إحنا محبوسين هنا، ولو حد من المجلس شاف العربيات دي هيعرف إننا صيد ثمين. لو عايزين نتحرك في البلد الميتة دي.. محتاجين عربية (غبية). عربية مفيهاش كمبيوتر يتحكم فيها. عربية زي بتاعة أبويا **** يرحمه."

نظر الجميع لسيارة النقل القديمة التي تمر بجوارهم، وتخرج عادماً أسود كثيفاً، لكنها.. تتحرك بحرية.

ياسين (يومئ برأسه):"عصام عنده حق. التكنولوجيا دلوقتي هي نقطة ضعفنا. لازم نرجع للعصر الحجري عشان نعيش."

(الوقت: بعد ساعتين. المكان: سطح مبنى مهجور في حي "بولاق الدكرور" الشعبي. الفريق وصل إلى هناك بعد أن "استعاروا" سيارة نقل قديمة. المنطقة تغرق في الظلام، والناس في الشوارع يشعلون النيران في البراميل للتدفئة والضوء، المشهد يشبه نهاية العالم.)

وقف الفريق على السطح، والريح الباردة تعبث بملابسهم الممزقة. ياسين يقف عند الحافة، يراقب "أنماط الطاقة" في الجو. رأى شبكة معقدة من الموجات الحمراء الكثيفة تغطي سماء القاهرة كالقبة، تمنع أي إشارة من الخروج أو الدخول.

ياسين (يغمض عينيه بألم من شدة "الضوضاء" الطاقية):"القبة لسه موجودة.. وبتقوى. أي إشارة رقمية بتحاول تطلع بتضرب فوراً وبترتد عشان تحرق المصدر."

عصام
(يفتح حقيبة معدنية قديمة ومصدأة كان قد أصر على جلبها من بيته قبل الهروب في بداية الرحلة، ويبدأ في إخراج أسلاك ومعدات غريبة الشكل):"الرقمي مات يا حضرات.. يبقى نرجع للأصل. (الأنالوج)."

أخرج عصام جهاز راديو ضخماً قديماً جداً (Shortwave Radio)، به صمامات زجاجية (Vacuum Tubes) ومؤشرات عقارب بدائية.

الظل (ينظر للجهاز باحتقار):"راديو هواة؟ أنت فاكر إننا في الحرب العالمية التانية؟ هتكلم ألفا بموجات AM؟"

عصام
(وهو يركب "إريال" طويلاً من سلك النحاس ويوصله بطبق دش قديم وجده على السطح، ويتحدث بنبرة حنين):"يا باشا التكنولوجيا بتاعتكم دي حلوة في السلم.. وسريعة. لكن في الحرب.. القديم هو اللي بيكسب لأنه (بسيط). الموجات القصيرة (Shortwave) بتسافر آلاف الأميال عن طريق الانعكاس على طبقة الأيونوسفير في السما. مبتحتاجش أقمار صناعية ولا نت. والأهم.. فيروس المجلس مبيعرفش يقرأها لأنها مش (داتا).. هي (صوت).. ذبذبة خام."

نظر ياسين لعصام بإعجاب. هذا هو "الرادار" الذي يعرفه.

ياسين:"عصام.. هل تقدر تلقط أي إشارة من التشويش ده؟"

عصام
(يوصل الجهاز ببطارية سيارة قديمة، فتبدأ الصمامات الزجاجية في التوهج بضوء برتقالي دافئ):"أبويا **** يرحمه علمني الحركة دي. كان بيقولي (لو الدنيا كلها سكتت.. السما لسه بتتكلم). بس لازم نلاقي التردد الصح. وده محتاج صبر."

بدأ عصام يدوّر مؤشر الراديو ببطء شديد، ويضبط الترددات، وهو يضع السماعة الكبيرة على أذنه بتركيز شديد.

(الوقت: الفجر الكاذب. المشهد: الجميع ملتفون حول عصام والراديو، يرتجفون من برد الفجر. عصام لم يتحرك منذ ساعات، يده ثابتة على المؤشر.)

ظل عصام يحاول لساعات، وعيناه محمرتان من الإجهاد. فجأة.. تغير صوت الوشوشة. اخترق الصمت صوت إيقاعي ضعيف جداً.(تيت.. تيت تيت.. تيت.. تيت). إشارة مورس.

نورين (تقترب بسرعة):"دي شفرة مورس! حد بيترجم؟"

الظل
(يستمع بتركيز):"نقطة.. شرطة.. نقطة.. شرطتين. ده نداء استغاثة (SOS). بس التردد ده.. ده تردد عسكري قديم أوي ملغي من حرب 73. محدش بيستخدمه غير (محطات الرصد المهجورة)."

ياسين
(يضع يده على الراديو، ويفعل بصيرته ليرى "مصدر" الموجة):"الإشارة مش جاية من القاهرة.. ولا من مقر ألفا. الإشارة جاية من الغرب. بعيد أوي. من عمق الصحراء الغربية."

عصام
(يتجمد فجأة، ووجهه يشحب، يضغط السماعة على أذنه بقوة):"استنوا.. فيه صوت ورا المورس. صوت بشري."

زاد عصام الصوت لأقصى درجة. وسط شفرات المورس، كان هناك صوت بشري خافت جداً، مكرر ومتقطع، وكأنه يخرج من غياهب الزمن. صوت رجل عجوز يهمس بأرقام بتعب شديد."19.. 85.. 10.. 20.. يا بني.. اسمعني.. 19.. 85.."

عصام
(يهمس بصوت مرتجف، والدموع تتجمع في عينيه فجأة):"بابا؟"

ياسين
(يضع يده على كتف عصام):"عصام.. أنت متأكد؟ والدك مفقود من سنين."

عصام
(بصوت مخنوق بالدموع):"ده صوته! أنا حافظ نبرة صوته حتى لو كان بيموت! والأرقام دي.. 1985.. 10.. 20.. ده تاريخ ميلادي! وتاريخ وفاة أمي! هو بيبعت رسالة ليا أنا! محدش يعرف التواريخ دي غيرنا!"

ياسين
(يغمض عينيه، ويركز وعيه مع الصوت القادم من الراديو. يرى "الطاقة" المحملة عليه):"ده مش تسجيل صوتي يا جماعة.. ده بث حي. بس الطاقة اللي طالعة مع الصوت.. غريبة. مرعبة. دي طاقة (مدمجة). نصها إنسان.. ونصها آلة."

فتح ياسين عينيه، ونظر لعصام بنظرة مليئة بالحزن والشفقة:"عصام.. والدك مش بيبعت الرسالة دي بإرادته الحرة. والدك هو (جهاز الإرسال). المجلس حوله لـ (عقدة اتصال حيوية). هو (المودم) اللي مشغل القبة دي كلها."

عصام
(يصرخ ويمسك بتلابيب ياسين، يهزه بعنف):"يعني إيه حولوه لآلة؟ يعني إيه؟ أبويا عايش ولا ميت؟ انطق!"

ياسين
(بثبات حزين):"عايش.. بس محبوس جوه الشبكة. هو (العقل) اللي المجلس بيستخدمه عشان يسيطر على الإشارات. هما استغلوه لأنه عبقري اتصالات، وربطوا مخه بالسيرفرات. هو عايش في جحيم يا عصام."

ترك عصام ياسين، وسقط على ركبتيه أمام الراديو، يبكي بحرقة وهو يستمع لصوت والده المكرر.

الظل (ينظر للخريطة):"الصحراء الغربية.. واحة سيوة. فيه قاعدة رصد سوفيتية قديمة هناك. لو والدك هناك.. يبقى ده (مركز التحكم). ولو دمرنا المركز ده.. الاتصالات هترجع."

عصام
(يمسح دموعه بكم قميصه المتسخ، ويقف ببطء. تحولت ملامحه من الحزن الطفولي إلى غضب بارد):"أبويا هيموت. أنا عارف. هنروح سيوة. مش عشان ننقذه.. عشان نحرره."

(الوقت: بعد منتصف الليل بيوم. المكان: طريق الواحات البحرية المظلم والمقطوع. المشهد: سيارة النقل القديمة تقطع الطريق ببطء. لا توجد شرطة، لا قانون. الطريق أصبح ملكاً للعصابات التي تستغل غياب الأمن.)

كان عصام يقود السيارة بصمت مطبق، وعيناه مثبتتان على الطريق. ياسين يجلس بجواره. في الصندوق الخلفي المكشوف، كان مروان (المصاب) ونورين والظل يختبئون تحت مشمع بلاستيكي قديم.

فجأة، ظهرت أضواء كشافات قوية من خلف كثبان رملية. ثلاث سيارات دفع رباعي مجهزة بأسلحة ثقيلة (مضادات طائرات معدلة) قطعت الطريق أمامهم، واثنتان من الخلف.حصار كامل.

زعيم العصابة (رجل ملثم، يمسك مكبر صوت، يقف فوق سيارة):"اركن يا حلو! وسيب العربية باللي فيها وانزل بلبوص!"

ياسين
(بهدوء):"عصام.. دول مش بتوع المجلس. دول قطاع طرق."

عصام
(يضغط على المقود حتى ابيضت مفاصله):"أدوسهم؟"

ياسين
:"لا.. معاهم (RPG). لو اتحركنا هيفجرونا. اقف."

توقفت السيارة. نزل عصام وياسين رافعين أيديهم.اقترب منهم خمسة مسلحين ببنادق آلية، يضحكون بسخرية.

المسلح 1 (يركل عصام في ساقه):"معاك إيه يا خفيف؟ خضار؟ ولا هربان بفلوس؟"

المسلح 2
(يتجه للصندوق الخلفي):"خلينا نشوف مستخبي إيه ورا."

رفع المسلح المشمع البلاستيكي.تحته، كان مروان مستلقياً، وعيناه مفتوحتين، تلمعان في الظلام. ورغم إصابته وكسوره، كانت بندقيته (Barrett) موجهة مباشرة نحو جبهة المسلح.

مروان (بابتسامة دموية):"مفاجأة."

(بوم).طلقة واحدة من البندقية القناصة الثقيلة أطاحت برأس المسلح كالبطيخة.في نفس اللحظة، تحرك الظل ونورين من تحت المشمع.الظل، ببروده المعتاد، أطلق رصاصتين دقيقتين من مسدسه، فأصاب سائق السيارة الأمامية والمسلح الذي يهدد عصام.

عصام (الذي كان يبدو مستسلماً، انقض فجأة على زعيم العصابة، وضربه برأسه في أنفه، ثم انتزع سلاحه):"مش يومك يا روح أمك!"

اشتعلت المعركة. المسلحون فوجئوا بأن "فريستهم" تحولت لفرقة إعدام.مروان، رغم عجزه عن الحركة، كان قناصاً لا يخطئ. كان يصطاد سائقي السيارات واحداً تلو الآخر ليعطل حركتهم.نورين كانت تغطي ظهر ياسين الذي استخدم "بصيرته" ليتوقع حركة الرصاص وينبههم:"شمال! قنبلة يدوية!"

بعد ثلاث دقائق، كانت العصابة قد أبيدت أو هربت في الصحراء.وقف عصام فوق جثة الزعيم، وهو يلهث، والدم يقطر من جرح في جبهته. نظر للجثة ببرود لم يعهده فيه أحد.

عصام (يركل الجثة):"كنتوا فاكرين الطريق فاضي.. بس الطريق عليه عفاريت."

ياسين
(يضع يده على كتف عصام):"خلاص يا عصام.. ماتوا. يلا نمشي. الطريق لسه طويل."

ركبوا السيارة مرة أخرى، وتركوا الجثث للذئاب الحقيقية. هذه المعركة الصغيرة غيرت شيئاً في عصام. لقد تذوق طعم الدم، وأدرك أن العالم القديم انتهى، والقانون الوحيد الآن هو القوة.

(الزمان: قبل 15 عاماً. المكان: ورشة صغيرة مزدحمة بأجهزة الراديو القديمة في حي السيدة زينب. المشهد: *** صغير "عصام" يجلس بجوار رجل أربعيني يرتدي نظارة سميكة ويمسك بكاوية لحام.)

كانت الغرفة تفوح برائحة القصدير المحترق والشاي المغلي. الأب، المهندس "جابر"، كان يعمل بتركيز شديد على لوحة دوائر خضراء معقدة، بينما "عصام" الصغير يراقبه بانبهار.

جابر (يمسح العرق عن جبينه، ويبتسم لابنه):"عارف يا عصام.. الناس فاكرة إن السحر انتهى. بس السحر لسه موجود. السحر هو إنك تخلي حد في آخر الدنيا يسمع صوتك من غير سلك."

عصام الصغير
(يمسك صماماً زجاجياً قديماً):"بس يا بابا، الناس كلها معاها موبايلات دلوقتي. ليه لسه بتصلح الراديو القديم ده؟"

جابر
(يتوقف عن العمل، وينظر في عين ابنه بجدية غريبة):"لأن الموبايلات دي (سجن) يا بني. اللي صنعوها بيسمعوا كل كلمة بتقولها. لكن الراديو ده.. ده حرية. الموجات دي محدش يقدر يملكها. ييجي يوم.. وهتحتاج تتكلم ومحدش يسمعك غير اللي عايزك تسمعه."

وضع الأب يده على رأس عصام بحنان:"أنا بعلمك لغة الموجات.. عشان لو تهت في يوم.. تقدر تلاقي طريق البيت. وعشان لو أنا تهت.. أنت اللي تلاقيني."

تلاشى المشهد ببطء، ليحل محله سواد الليل في الصحراء الغربية.

(الوقت: الفجر. المكان: أطراف واحة سيوة. منطقة صخرية نائية تعرف بـ "جبل الموتى". المشهد: لا يوجد مبنى ظاهر. فقط صخور وكثبان رملية وأطلال معبد فرعوني صغير متهدم.)

أفاق عصام من شروده على صوت محرك السيارة وهو يتوقف. مسح دمعة فرت من عينه بسرعة قبل أن يراها أحد.ترجل الفريق من السيارة وأخفوها بين الصخور. وقف الظل يمسح المكان بمنظار ليلي.

الظل:"الإحداثيات بتقول إننا فوق الهدف بالظبط. دي منطقة (حظر طيران) قديمة من أيام الحرب الباردة. الروس بنوا هنا محطة رصد، والمجلس استولى عليها وطورها."

ياسين
(يغلق عينيه، ويضع كفه على الأرض الرملية الباردة. يرسل نبضة من طاقته لأسفل، فيرى شبكة معقدة تحت الرمال):"موجودين. تحتنا بـ 50 متر. فيه هيكل خرساني ضخم ومحصن. ده مش مجرد مخبأ.. دي خلية عصبية."

نورين
(تتفحص صخرة كبيرة عليها نقوش غريبة تبدو وكأنها باب):"المدخل مموه بنظام هيدروليكي. بس مفيش لوحة مفاتيح ولا بصمة. بيفتح إزاي؟"

عصام
(يخرج جهازاً صغيراً صنعه من بقايا الراديو، جهاز كشف ترددات):"بيفتح بالصوت. لو أبويا تحت.. يبقى هو المفتاح. الجهاز ده بيتبع موجة الصوت اللي لقطناها. الإشارة قوية جداً هنا."

وقف عصام أمام الصخرة الصماء. تنحنح، وحاول أن يثبت صوته الذي يرتجف. تذكر كلمات والده: "لو أنا تهت.. أنت تلاقيني."

عصام (يغني بصوت خافت وشجي، أغنية قديمة كان والده يدندنها دائماً):"يا مسافر وحدك.. وفايتني.. ليه تبعد عني.. وتشغلني.."

انتظروا دقيقة مرت كالدهر. لم يحدث شيء.سقط اليأس على قلب عصام.عصام (يصرخ بوجع، واضعاً يده على الصخرة):"افتح يا بابا! أنا عصام! أنا جيتلك يا حاج جابر!"

(كررررررر).اهتزت الأرض تحت أقدامهم. الصخرة العملاقة بدأت تتحرك ببطء شديد، تكشف عن ممر معدني صدئ مظلم يهبط لأسفل، تفوح منه رائحة الزيت القديم والهواء المكتوم.الباب لم يفتح بكلمة سر. الباب فتح لأن "النظام" (الأب) تعرف على بصمة صوت ابنه، واخترق بروتوكولات المجلس ليفتح له.

الظل (يسحب سلاحه ويجهزه):"استعدوا. اللي هنشوفه جوه مش هيكون لطيف. دي مقبرة تكنولوجيا."

(المكان: داخل القاعدة. ممرات طويلة مليئة بالكابلات السميكة التي تزحف على الجدران والأرض مثل عروق ضخمة نابضة. الإضاءة حمراء خافتة (Emergency Light). صوت "طنين" كهربائي عالي يملأ المكان، يجعلك تشعر أن الهواء نفسه مكهرب.)

تحرك الفريق بحذر شديد. لم يجدوا حراساً بشريين. المكان كان خالياً من الحياة، لكنه مليء بـ "العيون". كاميرات مراقبة تتحرك ببطء وتتبعهم، لكنها لا تطلق الإنذار.ياسين (يهمس):"الكاميرات شايفانا.. بس مفيش إنذار. والدك بيعميها عننا يا عصام. هو بيمهد لنا الطريق."

وصلوا أخيراً إلى "القاعة الرئيسية".توقفوا جميعاً في المدخل، والصدمة تعقد ألسنتهم وتجمد الدماء في عروقهم.القاعة كانت دائرية، ضخمة جداً بارتفاع ثلاثة طوابق.الجدران مغطاة بمئات السيرفرات السوداء التي تومض أضواؤها بسرعة جنونية، تصدر حرارة وهديراً كخلية نحل ميكانيكية.وفي المنتصف.. كان هناك "العمود".أسطوانة زجاجية ضخمة مليئة بسائل أخضر لزج ومضيء.وداخل الأسطوانة.. كان يطفو "والد عصام".

لم يكن يبدو بشرياً بالكامل.كان جسده هزيلاً جداً، وجلده شاحباً كالموتى، تبرز عظامه بوضوح. رأسه محلوق، ومزروع فيه عشرات الأسلاك والكابلات الدقيقة التي تخترق جمجمته وعموده الفقري وتتصل بجسم الأسطوانة، وكأنه جنين مشوه في رحم آلي.عيناه كانتا مفتوحتين، لكنهما بيضاوان تماماً بلا قزحية، تومضان بضوء أزرق خافت مع كل نبضة بيانات تمر عبر الشبكة.فمه كان مفتوحاً، يخرج منه أنبوب تنفس، وصوت "الوشوشة" الذي سمعوه في الراديو كان يصدر من حنجرته الموصلة بميكروفون داخلي.

عصام (يسقط على ركبتيه، يغطي فمه بيده ليمنع صرخة رعب، وعيناه تفيضان بالدموع):"لا.. لا مستحيل.. يا بابا.. إيه اللي عملوه فيك ده؟"

نورين
(تضع يدها على صدرها، تشعر بالغثيان من المشهد):"يا ****.. دول دمجوا جهازه العصبي بالسيرفرات. هو مش بيتحكم في الشبكة.. هو (الشبكة) نفسها. مخه بيعالج ملايين البيانات في الثانية."

ياسين
(يتقدم ببطء، ينظر للهالة حول الأب بـ "بصيرته"):"هالته.. مكسورة ومشتتة. روحه لسه جوه، بس محبوسة في زنزانة من الأرقام والكود. الألم اللي هو فيه.. فوق احتمال أي بشر. هو بيصرخ من غير صوت بقاله سنين."

اقترب عصام من الزجاج بخطوات مترنحة. وضع يده المرتجفة على السطح البارد للأسطوانة، قبالة وجه والده.عصام (يبكي بحرقة صوت مسموع):"أنا آسف.. أنا آسف إني اتأخرت عليك يا حاج. سامحني."

فجأة، تحركت عيون الأب البيضاء ببطء شديد. وتوقفت الومضات الزرقاء للحظة.نظر باتجاه عصام. وكأنه رآه بقلبه لا بعينيه.وعلى شاشة عملاقة معلقة فوق الأسطوانة، توقفت سطور الأكواد السريعة، وظهرت كلمات مكتوبة بخط أخضر متقطع بطيء:"عصام.. ابني.. اهرب.. الفخ."

دوى صوت إنذار مرعب في القاعدة."تنبيه. دخلاء في غرفة المعالج المركزي. تفعيل بروتوكول التطهير."

انفتحت أبواب جانبية في القاعة، وخرجت منها كوابيس ميكانيكية. "عناكب آلية" (Spider Robots) بحجم الكللابب، مسلحة بمناشير دوارة وأشعة ليزر.مروان (يصرخ وهو يرفع بندقيته ويطلق النار بدقة):"كمين! احموا عصام! ياسين، شوفلنا مخرج!"

الظل
(يطلق النار بمسدسين في وقت واحد، يصيب العناكب في مفاصلها):"لازم نفصل النظام! ياسين! دمر السيرفرات!"

ياسين
(ينظر للسيرفرات، ثم للأب، ويرى خطوط الطاقة التي تربطهم):"مقدرش! السيرفرات متصلة بقلبه وبمخه! لو دمرتها هيموت فوراً بصدمة عصبية!"

نظر عصام لوالده داخل الزجاج. رأى الدموع (الحقيقية) تختلط بالسائل الأخضر حول عيني والده. الأب كان يبكي.ظهرت كلمات جديدة على الشاشة، مكتوبة بسرعة ويأس:"اقتلني.. الألم لا يطاق.. حررني يا بني.. حرر مصر."

كان هذا هو الخيار المستحيل.لإسقاط "الشفرة الميتة" وعودة الاتصالات وإنقاذ الملايين من سيطرة المجلس.. يجب أن يقتل عصام والده بيده.

عصام (يمسح دموعه بكمه، ويقف. وجهه تحول لقناع من الحجر والحزن، ونظرة طفولية اختفت للأبد):"نورين.. فين كابل الطاقة الرئيسي؟"

نورين
(تشير لرافعة حمراء ضخمة خلف الأسطوانة، وعيناها مليئتان بالشفقة):"هناك. بس لو شديتها.. هتعمل (Shutdown) قسري. الكهرباء هترتد لمخه وهتحرقه. عصام.. أنت متأكد؟"

نظر عصام لمروان والظل وياسين وهم يقاتلون العناكب الآلية بشراسة ويخسرون الأرض، الدماء بدأت تسيل منهم.نظر لوالده للمرة الأخيرة. والده ابتسم ابتسامة صغيرة جداً، وحرك شفتيه بكلمة واحدة قرأها عصام: "شكراً".

ركض عصام نحو الرافعة.تجاهل الرصاص والليزر. قفز فوق الأنابيب كالمجنون.أمسك مقبض الرافعة بكلتا يديه.عصام (يصرخ صرخة مزقت نياط قلبه، صرخة وداع وانتقام):"مع السلامة يا بطل! ارتاح بقى!"

شد الرافعة لأسفل بكل وزنه.(شرارة كهربائية عملاقة).انفجرت الأسطوانة الزجاجية وتناثر السائل الأخضر.انطفأ الضوء في عيني والده للأبد، وسقط جسده الهزيل وسط الحطام كدمية مكسورة.وفي نفس اللحظة.. انطفأت السيرفرات كلها. ساد الظلام التام.وسقطت "قبة العزل" عن مصر كلها.

عادت الاتصالات. عاد النور للهواتف.لكن عصام.. سقط على ركبتيه في الظلام، يبكي بصمت، وقد انطفأ شيء داخله للأبد.

الجزء الثامن: الوادي المقدس

(المكان: الطريق الجبلي الوعر المؤدي لسانت كاترين، جنوب سيناء. الوقت: الفجر الكاذب. السماء زرقاء داكنة تميل للسواد، والنجوم تبدأ في التلاشي ببطء. المشهد: سيارة دفع رباعي مصفحة (لكنها مموهة كسيارة سياحة سفاري) تشق طريقها وسط الجبال الشاهقة التي تبدو كأشباح عمالقة تحرس الوادي. الجو بارد جداً، ونقي لدرجة تجرح الصدر.)
داخل السيارة، كان الصمت أثقل من صخور الجرانيت المحيطة بهم. عصام يجلس في المقعد الخلفي، مسنداً رأسه إلى الزجاج البارد. عيناه مفتوحتان لكنهما لا تريان الجمال الطبيعي بالخارج؛ إنهما تريان فقط اللحظة الأخيرة لوالده، والشرارة التي أطفأت حياته. لم ينطق بكلمة واحدة منذ غادروا واحة سيوة. كان جسده موجوداً، لكن روحه بقيت هناك في القبو المظلم.
بجواره، كانت نورين تنظر إليه بإشفاق، تحاول أن تمسك يده، لكنها تتردد، خائفة من اقتحام عزلته. في المقعد الأمامي، جلس ياسين مغمض العينين، في حالة تأمل عميق، يحاول "تصفية" عقله من ضوضاء البيانات التي امتصها، ويستعد لاستقبال نوع جديد من الطاقة.. طاقة قديمة ومقدسة.
الظل (يقود السيارة بمهارة وسط المنحنيات الخطرة، يكسر الصمت بصوت هادئ ورزين، وعيناه تمسحان الطريق بحثاً عن كمائن):
"الاتصالات رجعت في القاهرة والمحافظات.. ده الخبر الحلو. ألفا بعت رسالة مشفرة عبر قمر صناعي عسكري. المجلس سحب قواته من سيوة ومن سوهاج. هما بيركزوا كل مواردهم، كل مرتزق، وكل قطعة سلاح في نقطة واحدة دلوقتي."
ياسين (يفتح عينيه ببطء، بؤبؤه يعكس سواد الجبال، وصوته يخرج هادئاً كأنه آتٍ من عالم آخر):
"سيناء.. البوابة القديمة. هما عارفين إننا جايين؟"
الظل (يومئ برأسه، ويشعل سيجارة لتهدئة أعصابه):
"أكيد. المجلس مش غبي، وشبكة رصدهم لسه فيها رمق. لما دمرنا مصادر الطاقة الفرعية (الحفار والمصفاة)، مفيش قدامهم غير المصدر الرئيسي. (وادي الراحة). المكان اللي موسى كلم فيه ربه. الطاقة هناك خام.. ومقدسة.. وقوية لدرجة إنها ممكن تشق السما نصين."
نورين (تنظر للجبل الذي بدأ يلوح في الأفق، قمة سانت كاترين المغطاة بغطاء ثلجي خفيف):
"ليه المكان ده بالذات؟ ليه مش الهرم؟"
ياسين (يجيبها وهو ينظر ليده التي بدأت ترتعش استجابة لطاقة المكان):
"الهرم (مكثف) طاقة.. لكن الجبل ده (مصدر). هنا حصل اتصال مباشر بين الأرض والسماء قبل آلاف السنين. الأثر لسه موجود. الذبذبات هنا مش محتاجة تكنولوجيا عشان تتفعل.. محتاجة (كلمة)."
مروان (الذي كان يجلس في أقصى الخلف، يفكك وينظف منظار بندقيته القناصة للمرة العاشرة، يتحدث فجأة بصوت خشن كصوت احتكاك الصخر):
"مش هيفتحوا حاجة.. ومش هيقولوا ولا كلمة طول ما (لازاروس) موجود هناك."
التفت الجميع لمروان. هذا الاسم لم يذكر من قبل، لكن الطريقة التي نطق بها مروان الاسم كانت تحمل مزيجاً من الاحترام والحقد.
ياسين (يعقد حاجبيه):
"مين لازاروس؟"
مروان (يركب كاتم الصوت الضخم على البندقية بحركة ميكانيكية دقيقة، ويضغط الزناد (على الفارغ) ليسمع التكة):
"لازاروس هو اللي دربني. هو اللي علمني إزاي أوقف قلب إنسان من على بعد 2 كيلو، وإزاي أستنى يومين في مكاني من غير ما أرمش عشان اللقطة المناسبة. هو قناص المجلس الأول. وشيطان الجبل. لو هو هناك.. يبقى الجبل ده مش مجرد صخور.. ده (حقل ألغام) ومراصد. إحنا مش رايحين معركة.. إحنا رايحين نمشي في جنازتنا."
عصام (يتحدث لأول مرة، بصوت أجش، مبحوح، وخالٍ من المشاعر المعتادة، وكأنه شخص آخر):
"خليهم ينصبوا المصيدة. وخليهم يزرعوا ألغام. أنا مش راجع غير لما أحرقهم كلهم.. أو أتحرق معاهم."
نظر ياسين لعصام، وشعر بـ "السواد" في هالته. سواد الحزن الذي تحول لرغبة في الفناء. كان عليه أن ينقذ صديقه من نفسه قبل أن ينقذه من العدو.

(المكان: وادٍ ضيق مخفي بعيداً عن الطريق الرئيسي السياحي، يسمى "وادي الثعالب". الوقت: الشروق. الشمس تصبغ الجبال باللون الأحمر القاني. المشهد: مضارب خيام بدوية تقليدية، لكن حولها رجال ملثمون بأسلحة خفيفة، وعيونهم ترصد كل حركة.)
توقفت السيارة أمام خيمة كبيرة من الشعر الأسود. خرج لاستقبالهم رجل بدوي عجوز، طويل القامة، وجهه محفور بتجاعيد الزمن والشمس، وعيناه تكحلان بالخوف والحكمة. إنه الشيخ "موسى"، كبير "الحراس" في المنطقة.
كان يعرف "الظل"، ويبدو أن بينهما تاريخاً طويلاً من التعاون السري.
الشيخ موسى (يصافح الظل بحرارة، ثم يشير للباقين بالدخول):
"يا هلا بضيوف الفجر. الجبل بيشتكي يا حضرة الظل. وحجارته بتبكي. الغرباء (المجلس) دنسوا الوادي المقدس."
جلسوا حول نار صغيرة تفوح منها رائحة "الحبق" والشاي السيناوي. صب الشيخ القهوة المرة في أكواب صغيرة وقدمها لهم.
الظل (يرتشف القهوة، ويدخل في الموضوع مباشرة):
"الوضع إيه يا شيخ موسى؟ عددهم كام؟ وتمركزهم فين؟"
الشيخ موسى (يرسم بعصاه على الرمال خريطة للجبل):
"عددهم كبير. نصبوا خيامهم السوداء ومعداتهم الشيطانية عند (فرش إلياس) ومقام النبي هارون. منعوا الزوار، ومنعوا الرهبان من الصعود للدير القديم. ومعاهم شياطين حديد (روبوتات) بتمشي على أربع."
توقف الشيخ لحظة، ونظر لمروان وتنهد:
"بس الأخطر من الحديد.. هو الراجل اللي قاعد فوق قمة (جبل الصفصاف). القناص. قتل تلاتة من رجالتي حاولوا يقربوا امبارح بالليل لاستطلاع الأمر. ضربهم في العين.. في الضلمة.. ومن غير صوت."
مروان (يبتسم بمرارة، ويشرب قهوته دفعة واحدة):
"لازاروس.. لسه بيستعرض. بيضرب في العين عشان التوقيع بتاعه. بيحب يقول (أنا شايفكم)."
ياسين (ينظر للجبل الشاهق الذي يلقي بظله عليهم):
"إحنا لازم نطلع للقمة قبل الليل. البوابة هتتفتح مع تعامد النجوم الليلة دي بالذات. يا شيخ موسى.. هل فيه طريق خلفي؟ طريق الغرباء ميعرفهوش؟"
الشيخ موسى (يبتسم بمكر، وتظهر أسنانه الذهبية):
"الجبل ليه ألف طريق.. والغريب دايماً بيمشي في (مدق الجمال). لكن فيه طريق اسمه (درب الرهبان) القديم. محدش مشي فيه من 100 سنة. طريق وعر.. وضيق.. وبيمشي على حافة الهاوية. بس ده الطريق الوحيد اللي هيوصلكم لضهرهم من غير ما يشوفوكم."
نورين (تنظر لمعداتهم الثقيلة، وحقيبة المتفجرات التي يحملها عصام):
"هنقدر نطلع؟ الطريق ده محتاج لياقة متسلقين."
ياسين (يضع يده على الأرض، ويشعر بنبض الجبل يرحب به):
"هنقدر. الطاقة في المكان ده مختلفة. أنا حاسس بيها بتديني قوة. الأرض هنا بتساعدنا. دي أرض أنبياء.. مش أرض لصوص. الجبل عايزنا نطلع."
الظل (يجهز سلاحه):
"يبقى هنتحرك فوراً. الشيخ موسى هيبعت معانا دليل. مروان.. أنت في المؤخرة. عينك على القمم."

(المكان: ممر صخري ضيق جداً وشديد الانحدار، يلتف حول الجبل كالأفعى، يكاد لا يتسع لقدم واحدة. الوقت: الظهيرة. الشمس ساطعة ولكن الهواء بارد جداً بسبب الارتفاع. المشهد: الفريق يتسلق بصعوبة بالغة، أنفاسهم تلهث، يقودهم دليل بدوي صامت كالظل.)
كان الصعود جحيماً بدنياً. الصخور زلقة، والهاوية السحيقة على بعد سنتيمترات من أقدامهم. أي خطوة خاطئة تعني السقوط لمسافة 500 متر.
عصام كان يتسلق بآلية، لا يشعر بالتعب ولا الخوف، وكأنه يسعى للموت. نورين كانت تكافح، لكن ياسين كان يمسك يدها في المناطق الصعبة.
مروان كان يتأخر عنهم بمسافة 50 متر متعمداً. يراقب الخلف، ويراقب القمم المقابلة بمنظاره. حواسه كقناص كانت في أقصى درجات الاستنثار. كان يشعر بـ "نظرة" تخترق ظهره.
فجأة، توقف مروان. تجمد في مكانه كالصنم.
"اقفوا." همس في اللاسلكي بصوت خافت جداً.
تجمد الجميع في أماكنهم، ملتصقين بالجدار الصخري.
ياسين (يهمس):
"فيه إيه؟"
مروان (لا يحرك رأسه، يحرك عينيه فقط لمسح الجبل المقابل الذي يبعد عنهم 1500 متر):
"لمعة عدسة. خفيفة جداً. الساعة 2. عند الصخرة المشقوقة."
صمت لثانية، ثم صرخ:
"ساتر! الكل ينبطح!"
في جزء من الثانية، وقبل أن يصل الصوت، ارتطمت رصاصة من العيار الثقيل بالصخرة بجوار رأس ياسين مباشرة، ونثرت الشظايا الحجرية الحادة في وجهه.
دوى صوت الطلقة بعد ثانية (بسبب المسافة وسرعة الصوت).
(طااااااخ).
انبطحوا جميعاً خلف الصخور البارزة. الرصاصة الثانية جاءت فوراً، وبدقة مرعبة، وضربت حقيبة الظهر التي يرتديها عصام، فمزقتها وتناثرت المعلبات والمعدات. لو كان جسده تحرك سنتيمتراً لليمين، لكانت الرصاصة في قلبه.
عصام (يزحف خلف صخرة، يلهث، وينظر للثقب في حقيبته بذهول):
"ابن الكلب! ده بيضرب منين؟ أنا مش شايف حاجة!"
مروان (يجهز بندقيته بسرعة، ويتخذ وضعية القنص من شق ضيق جداً بين الصخور، ويضبط مسامير المسافة والريح):
"بيضرب من الجبل التاني. مسافة كيلو و600 متر. معاه بندقية (CheyTac M200) مخصصة للمسافات دي. وسرعة الريح النهاردة عالية.. يعني الضربة دي محتاجة عبقري."
الظل (يصرخ وهو يحاول تحديد الموقع):
"مروان! مش هتقدر تجيبه من هنا! هو واخد الزاوية الأعلى (High Ground)! إحنا مكشوفين!"
مروان (ببرود تام، وهو يزيل غطاء العدسة):
"هو عارف إننا مكشوفين. هو بيلاعبنا. ده تحدي يا ظل.. هو بيستدعيني."
أطلق لازاروس طلقة ثالثة. لم تكن للقتل. ضربت الصخرة فوق رأس مروان مباشرة، وكأنه يقول: "أنا أراك".
مروان (ينظر لياسين، وفي عينيه نظرة وداع هادئة ومصممة):
"امشوا أنتوا. كملوا صعود. الطريق قدامكم فيه منحنى هيخفيكم عنه بعد 200 متر. أنا هفضل هنا.. ههيج عليه وأشغله."
ياسين (يمسك كتف مروان بقوة):
"هتموت يا مروان. هو كاشفك. ومكانك سيء."
مروان (يبتسم ابتسامة باهتة):
"يا دكتور.. في عالم القنص، مفيش مكان سيء ومكان حلو. فيه صياد وفريسة. وهو علمني إن الصياد الشاطر هو اللي بيخلي الفريسة تفتكر إنها الصياد. روحوا.. اقفلوا البوابة. وسيبولي المعلم بتاعي.. دي رقصتنا الأخيرة."
نظر ياسين لمروان، وفهم. هذه ليست تضحية عادية، هذا "إغلاق دائرة". مروان يحتاج لهذه المعركة ليتخلص من ماضيه، أو ليموت معه.
أومأ له، وأشار للباقين:
"بسرعة! منحنيين! واحد واحد! اتحركوا!"
تحرك ياسين ونورين وعصام والظل والبدوي، يزحفون بسرعة جنونية صعوداً نحو المنحنى، بينما أخذ مروان نفساً عميقاً، وزفر ببطء، وضغط الزناد.
(بوم).
أطلق مروان رصاصته الأولى، ليعلن قبول التحدي.

(المكان: موقع مروان (المنخفض) وموقع لازاروس (المرتفع). المسافة: 1600 متر. الرياح: شمالية شرقية بسرعة 15 عقدة. المشهد: صمت طويل يقطعه صوت رصاصة كل بضعة دقائق.)
على قمة الجبل المقابل، كان لازاروس (رجل في الستينيات، شعره أبيض قصير جداً، ويرتدي نظارة شمسية تكتيكية) يبتسم ابتسامة صغيرة وهو يرى الغبار يتصاعد من مكان رصاصة مروان التي أخطأته بمسافة مترين.
لازاروس (يهمس لنفسه وهو يلك العلكة):
"برافو يا 44.. لسه فاكر الدرس. بتضرب عشان تقيس الريح. بس أنت نسيت القاعدة الأهم: (المكان الأعلى دايماً يكسب). الجاذبية في صفي."
أطلق لازاروس طلقة. الرصاصة قطعت المسافة في ثانيتين ونصف. مرت عبر كم سترة مروان، وجرحت ذراعه جرحاً سطحياً حارقاً.
مروان لم يتأوه. لم يتحرك. حبس أنفاسه حتى كاد يغمى عليه.
عقله كان يعمل كحاسوب باليستي.
"الرصاصة انحرفت يساراً 30 سم بسبب الريح.. ونزلت 5 سم زيادة."
مروان (يهمس وهو يعدل المنظار):
"والقاعدة التانية يا أستاذ: (الغرور هو الثقب اللي بتدخل منه الرصاصة). أنت بتضرب عشان تخوفني.. مش عشان تقتلني."
قرر مروان القيام بحركة مجنونة.
خرج من مخبأه الآمن لثانية واحدة. ثانية كاملة وقف فيها مكشوفاً.
ثانية كافية ليراه لازاروس ويصوب.
أطلق لازاروس النار.
لكن في جزء من الثانية قبل أن يضغط لازاروس الزناد، كان مروان قد سقط لأسفل متعمداً (Drop)، تاركاً الجاذبية تسحبه للأرض.
الرصاصة مرت فوق رأسه حيث كان يقف، وضربت الصخرة الفارغة.
وفي نفس اللحظة.. وهو يسقط.. وبينما هو معلق في الهواء قبل أن يرتطم بالأرض.. أطلق مروان رصاصته.
لم تكن موجهة لرأس لازاروس. مروان يعلم أن لازاروس يختبئ خلف درع صخري.
كانت الرصاصة موجهة لـ "صخرة رسوبية" هشة ومعلقة فوق رأس لازاروس بمسافة مترين.
(طان!).
ارتطمت رصاصة مروان (عيار 50 الخارقة للدروع) بقاعدة الصخرة الهشة.
تفتتت القاعدة.
اهتزت الصخرة.. وسقطت.
سقطت الصخرة التي تزن نصف طن فوق موقع لازاروس مباشرة.
لم يسمع مروان صرخة.
سمع فقط صوت ارتطام مكتوم، ثم تدحرج الحجارة، ثم سكون تام.
نهض مروان، والدماء تغطي ذراعه، والتراب يملأ فمه. رفع المنظار ليتأكد.
موقع لازاروس اختفى تحت الركام. البندقية السوفيتية الشهيرة كانت مكسورة وملقاة على الجانب.
مروان (بصوت متعب، وهو يمسح الدم عن وجهه):
"الدرس انتهى يا معلمي. التلميذ نجح."
ثم التفت ليلحق بأصدقائه.. لكنه توقف وتجمد.
رأى ضوءاً أزرق ساطعاً، عموداً من النور يخترق السماء، ينبثق من قمة جبل موسى الذي يتسلقه ياسين.
الأرض بدأت تهتز بزلزال خفيف مستمر (Harmonic Tremor).
مروان:
"البوابة.. فتحوها."


م يكن الوصول إلى القمة مجرد تسلق صخري؛ كان اختراقاً لطبقات من الطاقة الكثيفة التي تجعل الهواء ثقيلاً كالماء. كلما اقترب ياسين وفريقه من الحافة العليا لجبل موسى، زاد الضغط على صدورهم، وكأن الجبل يرفضهم أو يختبر عزمهم. الضوء الأزرق الساطع الذي ينبعث من القمة لم يكن ضوءاً كهربائياً، بل كان "شقا" في نسيج الواقع، جرحاً مفتوحاً في السماء تنزف منه ألوان لا اسم لها.

وصل الفريق إلى الحافة الصخرية الأخيرة قبل الساحة المسطحة للقمة. كانوا يلهثون، وجوههم شاحبة من نقص الأكسجين والجهد الخرافي. زحف الظل أولاً، ومسح المكان بمنظاره الحراري، ثم عاد ليشير لهم بالاقتراب بحذر شديد.

المشهد في الأعلى كان مهيباً ومرعباً. ساحة القمة، التي عادة ما تكتظ بالحجاج والمصلين، تحولت إلى قاعدة عمليات متقدمة للمجلس. في المنتصف، حيث الشق الصخري المقدس، تم نصب جهاز معدني ضخم يشبه الشوكة الرنانة العملاقة، يرسل موجات صوتية وترددات عالية تجاه الشق، مما يجعله يتسع ببطء. حول الجهاز، وقف عشرات الجنود من "قوات النخبة" بزي أسود كامل، يحيطون بدائرة من العلماء الذين يرتدون ملابس واقية فضية.

الظل (يضغط على سلاحه، ويهمس بصوت بالكاد يُسمع وسط طنين الجهاز):"العدد كبير. حوالي 30 جندي، و3 وحدات روبوتية (كلاب آلية) زي اللي واجهها مروان. والدايرة اللي في النص دي.. دي منطقة (القتل). أي حد يقرب منها هيتحرق بالطاقة."

عصام
(ينظر للجنود بعينين تشتعلان بالحقد، يمسح العرق المخلوط بالتراب عن جبهته):"مش مهم العدد. إحنا معانا عنصر المفاجأة. والأهم.. معانا الحق."

نورين
(تشير للجهاز العملاق، عقلها الهندسي يحلل الموقف بسرعة):"الجهاز ده شغال بـ (رنين توافقي). بيضرب تردد عكسي لتردد الأرض عشان يفتح الثغرة. لو ضربنا (وحدة المعالجة) اللي في قاعدته.. الرنين هيختل، والطاقة هترتد عليهم."

ياسين
(يغلق عينيه للحظة، يستشعر "هالة" المكان. الجبل يصرخ. الأرض تتألم من هذا الانتهاك. يفتح عينيه وقد تحول بؤبؤهما إلى لون ذهبي غريب، انعكاساً لطاقة الوادي):"مش هنضرب المعالج بس. إحنا لازم (نطرد) وجودهم من هنا. الطاقة دي مش بتاعتهم. دي بتاعتنا."

أشار الظل للجميع بالانتشار. الخطة كانت بسيطة وانتحارية: الهجوم من ثلاث جهات في وقت واحد لتشتيت الدفاعات، بينما يركض ياسين ونورين نحو الجهاز لتعطيله.

الظل (يصرخ في اللاسلكي):"الآن! اشتباك!"

ألقى عصام قنبلتين دخانيتين ومعهما قنبلة صوتية وسط تجمع الجنود. دوى الانفجار، واختلط صراخ الجنود بصوت الجهاز. فتح الظل النار بدقة متناهية، يسقط الحراس الواقفين على الأطراف. في نفس اللحظة، ومن مسافة بعيدة جداً في الجبل المقابل، انطلقت رصاصة قناص (مروان) لتفجر رأس أحد الروبوتات الآلية قبل أن يتحرك.

سادت الفوضى. الجنود، الذين لم يتوقعوا هجوماً في هذا الارتفاع الشاهق، بدأوا يطلقون النار بعشوائية تجاه الدخان.

قائد الحرس (يصرخ عبر مكبر الصوت):"حماية الجهاز! شكلوا طوق دفاعي! اقتلوا أي شيء يتحرك!"

اندفع ياسين ونورين من خلف صخرة كبيرة، يركضون بأقصى سرعة تجاه الجهاز العملاق. الرصاص بدأ يصفر حولهم، يرتطم بالصخور ويشعل الشرر.

نورين (تلهث وهي تركض، تحمل حقيبتها المليئة بالمتفجرات الصغيرة):"ياسين! انخفض! قناص على اليمين!"

دفع ياسين نورين للأرض، ومرت رصاصة فوق رؤوسهم مباشرة. نهضوا وواصلوا الركض. المسافة تتقلص. 50 متراً.. 30 متراً.لكن فجأة، اعترض طريقهم أحد "الكللابب الآلية". قفز الروبوت من وسط الدخان، وعينه الحمراء مسلطة على ياسين، فكّه المعدني يستعد للإطباق.

لم يتوقف ياسين. لم يحاول المراوغة. مد يده اليمنى تجاه الروبوت، وصرخ صرخة ليست خوفاً بل "أمر".ياسين:"قف!"

لم تكن كلمة عادية. كانت موجة طاقة مركزة خرجت من يده. تعطلت الدوائر الإلكترونية للروبوت في الهواء، وسقط ككومة خردة هامدة عند قدمي ياسين.ذهلت نورين للحظة، لكنها واصلت الركض.

وصلوا لقاعدة الجهاز. العلماء فروا هاربين عند رؤية المهاجمين.نورين (تخرج المتفجرات وتلصقها بسرعة جنونية على كابلات الطاقة الرئيسية):"غطيني يا ياسين! محتاجة 30 ثانية!"

وقف ياسين بظهره للجهاز، يواجه الجنود الذين بدأوا يعيدون تنظيم صفوفهم ويتقدمون نحوهم.عصام والظل كانوا محاصرين خلف صخور بعيدة، نيرانهم لا تكفي لصد الهجوم الكاسح.رأى ياسين جندياً يحمل قاذف صواريخ (RPG) يركع على ركبته ويصوب نحو الجهاز.. ونحو نورين.

ياسين (يصرخ، والزمن يتباطأ في عينيه):"نورين! حاسبي!"

انطلق الصاروخ.لم يكن هناك وقت للتفكير. قفز ياسين، ليس ليبتعد، بل ليعترض المسار، لكن نورين كانت أسرع. رأت الصاروخ، ودفعت ياسين بعيداً بكل قوتها.ارتطم الصاروخ بالأرض بجوارها وانفجر.

(بوووووووم).طارت نورين في الهواء كدمية قماشية، وارتطمت بصخرة مدببة بقوة كسرت العظام. سقطت على الأرض، والدماء تنفجر من جانبها ومن فمها.

توقف الزمن بالنسبة لياسين.صوت المعركة اختفى. صوت الجهاز اختفى.لم يرَ سوى نورين ملقاة على الأرض، وسط بركة من الدماء تتسع بسرعة.زحف إليها على ركبتيه، لا يشعر بالرصاص الذي يمر بجواره، ولا بشظايا الصخور التي تجرح وجهه.

ياسين (صوته يخرج مبحوحاً، مكسوراً، وهو يرفع رأسها ويضعه على ركبته):"نورين.. نورين.. ردي عليا.. لا.. مش دلوقتي.. مش هنا!"

فتحت نورين عينيها بصعوبة بالغة. كان بؤبؤ عينها متسعاً، ووجهها شاحباً كالموتى. وضعت يدها المرتجفة الملطخة بالدماء على خد ياسين.

نورين (بهمس يخرج مع فقاعات دموية):"ياسين.. الجهاز.. فجره.. البوابة.. بتفتح.."

نظر ياسين للجهاز. الشق الصخري خلفه كان يتسع، وكيانات ظل سوداء بدأت تتشكل في الضوء الأزرق، تحاول العبور.ثم نظر لنورين التي بدأت تغلق عينيها، وأنفاسها تتلاشى.شعر بقلبه ينشطر. الغضب.. الحزن.. اليأس.. كل المشاعر تجمعت في نقطة واحدة داخل صدره.ولكن وسط هذا الطوفان، شعر بشيء آخر.شعر بـ "الجبل".شعر بطاقة الوادي المقدس. طاقة الحياة والموت. طاقة الأنبياء والمعجزات.هذا المكان لا يخضع لقوانين الفيزياء العادية. هنا.. الإرادة تغير الواقع.

ياسين (يغمض عينيه بقوة، ويمسك جرح نورين النازف بيده):"لا.. مش هتموتي. أنا (الراصد). وأنا برفض الاحتمال ده. أنا بغير النمط!"

لم يطلب المساعدة من أحد. بل "أمر" الواقع أن يتغير.سحب طاقة المكان.. طاقة الغرانيت والنجوم والتاريخ.. وضخها عبر ذراعيه إلى جسد نورين المتهالك.توهجت يداه بضوء ذهبي ساطع جداً، أضاء قمة الجبل كالنهار.رأى بـ "بصيرته" الخلايا المتمزقة. رأى الأوعية الدموية المقطوعة.وبدأ ينسجها.بعقله وبطاقته، أمر الخلايا أن تتكاثر، أمر العظم أن يلتئم، أمر الدم أن يعود لمساره.كان ألماً رهيباً يعتصر عقله، كأنه يحمل الجبل فوق أكتافه، لكنه لم يتوقف.

شهقت نورين شهقة عميقة مفاجئة، وكأن روحها عادت لجسدها.فتحت عينيها باتساع، واللون الوردي عاد لوجهها. الجرح العميق التأم ولم يبقَ منه سوى ندبة بيضاء رفيعة.

نورين (تتحسس جانبها بذهول، وتنظر ليد ياسين التي لا تزال تتوهج):"ياسين.. أنت.. أنت عملت إيه؟"

وقف ياسين ببطء. كان يترنح من الإجهاد، لكن عينيه كانتا تلمعان بضوء لا ينتمي لهذا العالم. لم يعد مجرد شاب يرى الأنماط. لقد أصبح جزءاً منها.

ياسين (بصوت يتردد صداه في الأودية، صوت يحمل وقاراً مخيفاً):"أنا منعت الموت.. ودلوقتي همنع الحياة الفاسدة دي."

استدار ياسين نحو الجهاز والجنود المذعورين الذين توقفوا عن إطلاق النار، مذهولين من المشهد النوراني.مشى ياسين نحوهم.رفع أحد الجنود سلاحه وأطلق النار.توقفت الرصاصات في الهواء قبل أن تلمس ياسين بمتر، وسقطت على الأرض كحبات المطر.طاقة "المجال الحيوي" حوله كانت درعاً لا يُخترق.

وصل ياسين أمام الجهاز العملاق. نظر للشق الذي تخرج منه الظلال.رفع يده. لم يلمس الجهاز.قبض يده في الهواء، وكأنه يعتصر قلباً غير مرئي.

ياسين:"إغلاق."

(كرررررررررررررررررررررش).انبعج الجهاز المعدني الضخم على نفسه كأنه مصنوع من ورق القصدير. انفجرت الدوائر الكهربائية، وتناثرت القطع المعدنية.ثم وجه ياسين يده نحو الشق الصخري."عودوا."صرخت الكيانات الظلية صرخة مرعبة وهي تُسحب عنوةً لداخل الشق.انغلق الشق الصخري بوميض أزرق أخير، وعاد الجبل صامتاً ومظلماً كما كان منذ آلاف السنين.

سقط جنود المجلس على ركبهم، ألقوا أسلحتهم استسلاماً ورعباً من القوة التي واجهوها.تلاشت الهالة الذهبية حول ياسين.سقط مغشياً عليه، ليتلقفه ذراع عصام الذي ركض نحوه باكياً وفرحاً.

عصام (يهز ياسين برفق):"ياسين! يا صاحبي! قوم! أنت عملت معجزة!"

فتحت نورين، التي لا تزال جالسة على الأرض، تنظر لياسين بنظرة تمزج بين الحب والرهبة. لقد أنقذ حياتها، لكنه دفع ثمناً باهظاً من إنسانيته.

الظل (يقترب منهم، ينظر للجهاز المحطم وللجنود المستسلمين، ويسجل في جهازه بصوت هادئ):"تم تأمين الوادي المقدس. الهدف تم تحييده. ولكن.. العميل (الراصد) تجاوز كل التوقعات. لم يعد مجرد عين.. لقد أصبح (مؤثراً). المرحلة الأخيرة بدأت."

نظروا جميعاً للسماء، حيث بدأت النجوم تظهر بوضوح لأول مرة منذ أيام، صافية ولامعة، تعلن انتصاراً مؤقتاً في حرب أبدية.

(المكان: غرفة حجرية قديمة داخل دير سانت كاترين، مضاءة بشموع وشعاع شمس الصباح الباكر الذي يتسلل من نافذة صغيرة. الوقت: صباح اليوم التالي للمعركة. المشهد: هدوء تام يلف المكان، رائحة البخور القديم تملأ الجو.)

استيقظ ياسين ببطء، وكأنه يطفو من قاع محيط عميق إلى السطح. جسده كان يؤلمه، ليس ألم الكدمات والجروح، بل ألم "التمدد". عضلاته وعظامه تشعر وكأنها ضيقة على الروح التي تسكنها.فتح عينيه. الرؤية كانت مختلفة. لم يعد يرى الجدران الحجرية كحواجز صماء، بل كان يرى ذرات الغبار تسبح في الضوء، ويرى الطاقة الكامنة في الخشب القديم للسقف. العالم أصبح "شفافاً" بشكل مخيف.

حاول الجلوس، فصدر أنين خافت من السرير الخشبي.انفتح الباب فوراً، ودخلت نورين. كانت ترتدي ملابس نظيفة (وفرها الرهبان)، ووجهها خالٍ من آثار الدماء، لكنه مليء بقلق عميق. اقتربت منه بحذر، وكأنها تقترب من شيء مقدس أو خطير.

نورين (بصوت هامس):"صحيت؟.. كنت خايفة مدخلش عليك ألاقيك.. اختفيت."

ياسين
(يحاول الابتسام، لكن وجهه يبدو جامداً):"أنا لسه هنا يا نورين. لسه إنسان. بس.. حاسس إني (أوسع) من جوه."

جلست بجانبه، ووضعت يدها على جبهته. لمستها كانت باردة مقارنة بحرارة جسده.نورين:"أنت نمت 12 ساعة متواصلة. الرهبان قالوا إن حالتك تشبه حالة (الوجد). بس اللي حصل فوق الجبل.. ده مكنش وجد.. ده كان تحكم مطلق. ياسين.. أنت رجعتني من الموت. أنا شفت الضوء.. وأنت شديتني منه."

نظر ياسين ليديه. لا تزالان تبدوان عاديتين، لكنه يشعر بالتيار يسري فيهما.ياسين:"المكان ساعدني. الجبل كان عايز كده. بس المرة الجاية.. مش هكون في مكان مقدس. هكون في قلب التكنولوجيا والخرسانة. مش عارف قوتي هتشتغل هناك ولا لأ."

دخل عصام ومروان الغرفة. عصام كان يحمل صينية بها طعام بسيط (خبز وجبن وزيتون)، ومروان يسند جسده المتعب على عكاز خشبي بدائي صنعه لنفسه.

عصام (يضع الصينية، وينظر لياسين بنظرة جديدة.. نظرة فيها حب قديم ومسافة جديدة):"حمد **** على السلامة يا.. يا شيخنا. و**** أنا مش عارف أقولك إيه. كنت فاكرك دحيح كمبيوتر.. طلعت ولي من أولياء ****."

مروان
(بجدية تامة):"مش ولي يا عصام. ده (سلاح). وياسين دلوقتي بقى أخطر سلاح على وجه الأرض. المجلس عرف ده.. وعشان كده هما مرعوبين."

ياسين
(يأخذ قطعة خبز، ويحاول أن يأكل ليشعر بإنسانيته):"الجنود اللي استسلموا.. حصل فيهم إيه؟"

مروان
:"الظل سلمهم لقوات حرس الحدود اللي وصلت بعد المعركة بساعتين. الشيخ موسى ورجالته مسكوا الأرض وطهروها. الجبل رجع لأهله."

ياسين
:"والظل؟"

عصام
:"قاعد بره مع الرهبان.. بيشرب شاي وبيبص للخريطة كأنه عايز ياكلها. بيقول إننا لازم نتحرك."

(المكان: الفناء الخارجي للدير. الوقت: الظهيرة. المشهد: "الظل" يقف أمام سيارات الدفع الرباعي التي تم تزويدها بالوقود والمؤن، يتحدث في هاتف متصل بالأقمار الصناعية (التي عادت للعمل جزئياً).)

خرج ياسين وفريقه من بوابة الدير. الشمس كانت ساطعة، والهواء يحمل رائحة الأعشاب الجبلية.التفت الظل إليهم، وأنهى مكالمته.

الظل (بوجه لا يقرأ):"ألفا بيبلغكم تحياته. وبيقول إن اللي حصل في سيناء قلب الموازين دولياً. المجلس فقد غطاءه السري. حكومات كتير بدأت تسأل عن (الهزات الأرضية) و(انقطاع الاتصالات). المجلس دلوقتي محصور في الزاوية."

ياسين
(يقف أمام الظل، وعيناه تعكسان ضوء الشمس ببريق ذهبي):"المجلس محصور.. بس لسه ممتش. لسه عندهم الراس الكبيرة."

الظل
:"بالظبط. وعشان هما محصورين.. هيبقوا أشرس. هما متحصنين دلوقتي في مقرهم الرئيسي. القلعة الأخيرة."

نورين
:"العاصمة الإدارية؟"

الظل
:"أيوه. البرج الأيقوني. مش بس واخدين الأدوار العليا.. هما واخدين البرج كله. حولوه لقلعة محصنة بأحدث أنظمة الدفاع الجوي والأرضي. وفيه.. فيه حاجة تانية."

أخرج الظل جهازاً لوحياً وعرض صورة حرارية للبرج.البرج لم يكن يبدو طبيعياً. كان "متوهجاً" بلون أحمر غامق من الداخل."فيه مصدر طاقة ضخم جداً في قلب البرج. أكبر من المفاعل اللي دمرناه في الحفار، وأكبر من مصفاة سوهاج."

ياسين
(ينظر للصورة، ويشعر بنبضة ألم في رأسه):"ده (الوعاء). هما جمعوا كل الطاقة اللي سرقوها من السجناء ومن الأرض.. وحطوها هناك. بيجهزوا لفتح بوابة نهائية. بوابة مش محتاجة مكان مقدس.. بوابة بتعتمد على القوة الغاشمة."

مروان
(يلقم مسدسه):"يبقى مفيش وقت. لازم نضربهم قبل ما يفتحوها."

الظل
:"الجيش هيتحرك. ألفا نسق مع القيادة العليا. هتحصل عملية عسكرية شاملة لمحاصرة العاصمة. دبابات، طيران، قوات خاصة. دي هتبقى حرب شوارع."

عصام
(بقلق):"طب وإحنا لزمتنا إيه وسط الدبابات؟"

الظل
(ينظر لياسين):"الدبابات ممكن تهد المبنى.. بس مش هتقدر توقف الطاقة. لو البرج وقع والطاقة دي انفجرت.. القاهرة كلها هتختفي. محتاجين حد يدخل جوه.. وسط النار.. ويفصل (الفيشة) من المصدر. محتاجين (الراصد)."

نظر ياسين لأصدقائه. نورين، عصام، مروان. وجوههم مغطاة بالغبار والتعب، لكن عيونهم مليئة بالتصميم. لقد بدأوا هذا معاً، وسينهونه معاً.

ياسين:"هنروح. بس المرة دي مش تسلل. المرة دي اقتحام."

(المكان: الطريق السريع العائد للقاهرة. الوقت: الغروب. المشهد: القافلة تسير بسرعة قصوى. الأجواء متوترة. الراديو يذيع أخباراً عن "مناورات عسكرية مفاجئة" و"حظر تجوال" في مناطق معينة، تغطية إعلامية لما يحدث.)

جلس ياسين بجوار نورين في الخلف. أمسك يدها. كانت يدها دافئة، حقيقية. تذكر برودة الموت التي كانت فيها بالأمس، وارتجف.

نورين (تهمس):"ياسين.. لو دخلنا البرج ده.. احتمال منطلعش."

ياسين
(ينظر للطريق الممتد):"عارف. بس لو مدخلناش.. مفيش حد هيطلع. نورين.. أنا شفت (احتمال) امبارح وأنا بعالجك."

نورين
:"شفت إيه؟"

ياسين
:"شفت عالم فاضي. عالم مفيهوش بشر.. مفيهوش غير (كيانات) بتمتص كل حاجة حية. ده المستقبل اللي المجلس بيجهزهولنا. وأنا مش هسمح بده يحصل. حتى لو التمن كان.."

وضعت نورين إصبعها على شفتيه لتسكته.نورين:"متكملش. إحنا هنعيش. وهنبني عالم جديد. أنا وأنت. وعد؟"

ابتسم ياسين ابتسامة حزينة:"وعد."

في الأمام، كان عصام يعبث بالراديو، يحاول التقاط موجات الشرطة.عصام:"يا جماعة.. سامعين؟ فيه ضرب نار في التجمع. وفيه بلاغات عن (أضواء غريبة) فوق العاصمة. الحرب بدأت."

الظل
(يضغط على دواسة البنزين):"استعدوا. خلال ساعة هنكون في قلب المعركة. مروان.. جهز نفسك. هتحتاج كل رصاصة معاك."

مروان
(ينظر من النافذة للغروب الدموي):"أنا جاهز. والظل جاهز."

لاحت في الأفق البعيد أضواء القاهرة، وفوقها.. كان البرج الأيقوني الشاهق يلمع بضوء أحمر خبيث، منارة للجحيم تنتظرهم.لم يعد هناك مجال للتراجع.القصة التي بدأت بشاب يرى أرقاماً في غرفة مظلمة.. ستنتهي في أعلى قمة في مصر، وسط النيران والدم.

ياسين (يغمض عينيه، ويرسل وعيه للأمام، ليلمس البرج بفكره):"أنا جاي.. يا لصوص الحضارة. أنا جاي."

الجزء التاسع

الجزء التاسع: العروش الزائفة​

(المكان: مشارف العاصمة الإدارية الجديدة، على تلة مرتفعة تطل على الحي الحكومي والبرج الأيقوني. الوقت: منتصف الليل. المشهد: جحيم أرضي. السماء ليست سوداء، بل هي لوحة سريالية ممزقة بألوان الانفجارات الحمراء والصفراء، وذيول الصواريخ الاعتراضية التي ترسم خطوطاً بيضاء في الفضاء. الأرض تهتز بانتظام تحت وطأة قصف مدفعي ثقيل.)

البرج الأيقوني، ذلك الصرح المعماري الشاهق، تحول إلى "قلعة سوداء". يتوهج من داخله ضوء قرمزي نابض يشبه دقات قلب كائن عملاق يحتضر أو يولد، وحوله تمتد "قبة طاقة" شفافة نصف دائرية، تغطي مساحة 5 كيلومترات مربعة، تحرق أي شيء يحاول عبورها.

وقفت القافلة المصفحة التابعة لـ "الظل" تراقب المشهد. ياسين، نورين، عصام، ومروان، نزلوا من السيارات. وجوههم تعكس وهج النيران، وملابسهم لا تزال تحمل غبار سيناء.

الظل (يقف بعيداً عنهم قليلاً، يضغط سماعة اتصال عسكري مشفرة على أذنه، وجهه الجامد يظهر عليه توتر غير مسبوق، يصرخ ليتغلب على صوت قذيفة سقطت قريباً):"القيادة بتأكد.. القطاع 4 و 5 مغلقين بالكامل. الدرع نشط بنسبة 100%. قوات الصاعقة حاولت تعمل إنزال مظلي من ساعة.. الدرع حرق المظلات في الجو. ده حائط صد مستحيل اختراقه بالطرق التقليدية."

عصام
(ينظر للدرع اللامع بذهول، يشد قبضته على السلاح الآلي الذي أصبح لا يفارقه، وصوته يرتجف):"إيه ده يا جدعان؟ دي مش حرب.. دي نهاية العالم. الدرع ده شغال إزاي؟ ده محتاج مفاعل نووي بحجم مدينة عشان يفضل شغال كده!"

ياسين
(يتقدم خطوة للأمام، الريح الساخنة تعبث بشعره. عيناه لا تعكسان النار، بل تريان ما وراءها. يرى تيارات الطاقة التي تغذي الدرع، خطوطاً سميكة سوداء تخرج من قمة البرج وتنسدل كستائر الموت):"دي مش طاقة نووية يا عصام.. دي (أرواح). الطاقة اللي سحبوها من سجن طرة، ومن منجم سوهاج، ومن كل مكان دنسوه.. بيحرقوها كلها دلوقتي في لحظة واحدة عشان يحموا نفسهم. هما بيتحصنوا بمسروقاتهم."

رن هاتف "الظل" الخاص (هاتف فضائي متطور جداً). نغمة الرنين كانت مميزة، نغمة إنذار حمراء.نظر الظل للشاشة، ثم نظر لياسين نظرة ذات مغزى. ابتعد خطوات ليجيب.

الظل (بصوت منخفض وحازم):"ألفا.. أنا سامعك. الوضع الميداني هنا معقد."

صوت ألفا
(يأتي عبر الهاتف مشوشاً بصوت انفجارات في الخلفية، صوت رجل يدير حرباً عالمية من غرفة مظلمة):"اسمعني كويس يا ظل. اللي بيحصل عندكم في العاصمة ده (رأس الحربة) بس. أنا دلوقتي بتعامل مع هجوم متزامن على 5 جبهات. فيه أساطيل بحرية أجنبية بتحاول تخترق المياه الإقليمية في المتوسط والأحمر بحجة (حفظ السلام) وحماية المصالح. وفيه هجمات سيبرانية بتضرب شبكات الكهرباء في دول الخليج وشمال أفريقيا."

الظل
(بصدمة):"المجلس بيحرك حلفاؤه الدوليين؟"

صوت ألفا
(بغضب مكتوم):"المجلس رمى الكارت الأخير. بيحاولوا يولعوا المنطقة كلها عشان يغطوا على اللي بيعملوه في البرج. أنا وقواتي بنحارب عشان نمنع اجتياح عسكري كامل للوطن العربي. مصير المنطقة كلها واقف على الليلة دي. لو البرج ده مفصلش.. ولو الكيان نزل.. الجيوش اللي على الحدود دي مش هتيجي تحمينا.. هتيجي تبيدنا عشان تحاصر العدوى."

الظل
:"فهمت. هما بيشتروا وقت."

صوت ألفا
:"بالظبط. وأنا مش هقدر أصمد كتير. قدامك ساعة واحدة يا ظل. ساعة واحدة قبل ما الدفاعات الجوية تنهار. ياسين لازم يدخل البرج ويفصل الراس. دي مش معركة استرداد عاصمة.. دي معركة بقاء جنس بشري. انتهى."

أغلق الظل الهاتف. عاد للفريق، ووجهه أكثر صرامة من أي وقت مضى.

الظل (ينظر في عيونهم جميعاً):"سمعتوا؟ ألفا بيحارب العالم كله دلوقتي عشان يدينا فرصة. لو فشلنا.. مفيش بلد نرجع ليها."

نورين
(تفتح خريطة رقمية ثلاثية الأبعاد للبرج على جهازها اللوحي، تشير لنقاط مضيئة حول القاعدة):"عشان ندخل، لازم نوقع الدرع. الدرع ده شبكة سداسية، بيعتمد على (3 مولدات محيطية) مزروعة في (المنطقة الحرام) حول البرج. لو قدرنا نفصل مولد واحد، الشبكة هتقع لثواني.. كفاية إننا ندخل."

مروان
(يرتدي قناعاً واقياً من الغاز يشبه جمجمة سوداء، ويلقم بندقيته بذخيرة متفجرة):"المنطقة الحرام دي مليانة روبوتات حراسة (Sentry Bots). الأرض هناك ملغمة. أنا والظل هناخد الميمنة.. ونعمل دوشة عشان نسحب النار علينا."

ياسين
(يأخذ حقيبة البيانات من الظل - التي تحتوي على فيروس ألفا):"أنا ونورين وعصام هناخد الميسرة. هدفنا المولد الغربي. وبعدها.. البرج."

الظل
(يمسك كتف ياسين بقوة):"ياسين.. دي مش مهمة انتحارية. دي مهمة (إعدام). القادة اللي جوه.. (مُهاب زيدان، حامد الشناوي، وتوفيق السالم).. لازم يموتوا. مفيش محاكمات الليلة."

ياسين
(يومئ برأسه، وعيناه تلمعان بالذهب):"الليلة.. العروش هتقع."

(المكان: المنطقة الفاصلة بين خطوط الجيش المصري وبين البرج الأيقوني. مسافة 2 كيلومتر من الأرض المحروقة. المشهد: روبوتات حراسة تشبه العقارب المعدنية العملاقة تخرج من تحت الأرض، ومدافع ليزر آلية تمسح المكان.)

انطلق الفريقان تحت غطاء من قذائف الهاون التي أطلقها الجيش المصري لتأمين تقدمهم.الظل ومروان انحرفا يميناً، يركضون ويطلقون النار بدقة مرعبة. مروان كان يقفز فوق الحواجز الخرسانية، يضرب الروبوتات في "عيونها" الحساسة، بينما الظل يستخدم قنابل كهرومغناطيسية صغيرة لتعطيل المدافع الرشاشة. كانوا يصرخون ويطلقون النار لجذب انتباه كل أنظمة الدفاع نحوهم.

في الجانب الآخر، كان ياسين ونورين وعصام يركضون نحو المولد الغربي.الأرض كانت تهتز تحت أقدامهم.فجأة، اعترض طريقهم "درون" هجومي ضخم (Hunter Killer)، هبط من السماء بصوت يشبه صراخ النسر، ووجه صواريخه نحوهم.

نورين (تصرخ وهي تسحب عصام للأرض):"غطاء! انبطحوا!"

ياسين
(لم ينبطح. وقف في مواجهة الدرون، والريح تعصف بملابسه. لم يكن خائفاً. كان غاضباً):"لا."

ركز ياسين طاقته. لم يعد يرى الدرون كآلة من معدن ونار. رآه كـ "مخطط". رأى التيار الكهربائي يجري في أسلاكه. رأى المعالج الذي يصدر الأوامر.مد خيطاً من وعيه، ولمس المعالج.ياسين (بصوت آمر، يده ممدودة كأنه يوقف السيل):"سقوط."

احترقت الدوائر الداخلية للدرون في ثانية واحدة، وسقط ككتلة لهب بجوارهم، محطماً الأسفلت.

عصام (ينهض من التراب، ينظر لياسين برعب وانبهار):"يا ابن اللعيبة.. أنت بقيت بتكلم الحديد؟"

ياسين
(يلهث قليلاً، ويمسح أنفه):"بسرعة! المولد هناك! جوه الدُشمة الخرسانية!"

وصلوا للمولد. كان جهازاً اسطوانياً ضخماً يصدر طنيناً مرعباً، ومحاطاً بحقل كهربائي.نورين (تخرج المتفجرات):"غطوني! محتاجة 30 ثانية لزرع العبوات!"

لكن الدفاعات لم تتركهم.ظهرت فرقة من "المشاة الآليين" (Android Soldiers) من خلف الدخان. هياكل معدنية على شكل بشر، تحمل بنادق طاقة.عصام (يرفع رشاشه ويصرخ):"يا أهلا بالضيوف! تعالوا!"

فتح عصام النار. الرصاص كان يرتد عن دروعهم، لكنه نجح في تعطيل بعضهم.ياسين انضم للمعركة. لم يكن يستخدم سلاحاً. كان يستخدم "الدفع". يوجه موجات صدمة بيده تلقي بالجنود الآليين بعيداً، أو يركز على مفاصلهم ويفجرها.

نورين:"جاهز! النار في المولد!"

ركضوا مبتعدين.(بوووووم).انفجر المولد.حدث تموج هائل في الدرع الطاقي حول البرج. ظهرت "فجوة" متذبذبة في الجدار غير المرئي.

ياسين (يصرخ في اللاسلكي):"الظل! الثغرة مفتوحة! انسحبوا!"

صوت الظل
(يأتي متقطعاً مع صوت إطلاق نار كثيف):"مش هينفع.. حاصرونا. ادخلوا أنتم! كملوا المهمة! إحنا هنشتريلكم وقت!"

نظر ياسين ناحية موقع الظل ومروان. رأى انفجارات تحيط بهم.شعر بغصة في قلبه، لكنه يعلم أن التراجع يعني نهاية العالم.ياسين:"يلا.. على البرج."

(المكان: داخل البرج الأيقوني. الطوابق السفلية. المشهد: تحول البرج من الداخل إلى متاهة دفاعية. لا موظفين، لا أثاث. فقط ممرات باردة وفخاخ.)

دخلوا عبر مدخل الخدمة الذي صهره ياسين بيده.كان الهدف هو الطابق 80.لكن المصاعد الرئيسية كانت مغلقة بشفرات بيومترية معقدة.

ياسين (يضع يده على لوحة المصعد):"النظام هنا مختلف.. أقوى. ده متصل بـ (الكيان) نفسه. بيقاومني."

نورين
(توصّل جهازها باللوحة):"أنا هحاول أعمل (Bypass) يدوي. ياسين.. احميني."

فجأة، انطفأت الأنوار الحمراء، وحل محلها ضوء "أخضر" ليزري.شبكة من الليزر ظهرت في الممر، وبدأت تتحرك نحوهم بسرعة.عصام:"ليزر؟ إحنا في فيلم؟"

ياسين
(يرى حرارة الليزر):"ده مش ضوء.. ده ليزر قاطع. لو لمسنا هيقطعنا."

الشبكة تقترب. لا مفر للخلف.ياسين:"نورين! خلصتي؟"نورين:"ثانية واحدة!"

وقف ياسين أمام الشبكة المتقدمة.جمع كل طاقته في كفيه. صنع "درعاً" من الطاقة الذهبية أمامه وأمام أصدقائه.اصطدمت شبكة الليزر بدرع ياسين.(تززززززز).صوت احتراق الطاقة. ياسين يصرخ من الألم، الدرع يتآكل.ياسين:"افتحي الباب!"

(دينج).انفتح المصعد.قفزوا للداخل. تراجع ياسين في اللحظة الأخيرة، وأغلق الباب قبل أن يقطع الليزر ساقيه.سقط على أرضية المصعد يلهث.

عصام (يساعده على النهوض):"يا ساتر.. كنا هنبقى شرائح لانشون."

بدأ المصعد يصعد بسرعة جنونية.لكن الصعود لم يكن آمناً.في الطابق 40، توقف المصعد.نورين:"أنا مطلبتش الدور ده! النظام بيتحكم فينا!"

انفتح الباب.لم يجدوا جنوداً.وجدوا "قاعة مرايا".ممر طويل مليء بالمرايا.خرج ياسين بحذر.ياسين:"ده فخ وهمي. خلوا بالكم."

بمجرد أن خطوا في الممر، تغيرت انعكاساتهم في المرايا.لم يرَ عصام نفسه.. رأى والده الميت يصرخ فيه: "أنت قتلتني يا عصام!"لم ترَ نورين نفسها.. رأت شاهندة (معلمتها) وهي تضحك عليها: "أنتي بنيتي القفص! أنتي المجرمة!"ياسين رأى نفسه.. لكنه رأى نسخته "المظلمة". ياسين بعيون سوداء يجلس على عرش العالم فوق جثث أصدقائه.

عصام (يصرخ ويغطي أذنيه، يسقط على ركبتيه):"لا! يا بابا سامحني! مكنش قصدي!"

نورين
(تبكي وتتراجع):"أنا آسفة.. أنا آسفة.."

أدرك ياسين الفخ. غاز هلوسة يُضخ مع مؤثرات بصرية.ياسين (يصرخ فيهم):"ده مش حقيقي! عصام! نورين! فوقوا! دي ألاعيب المجلس!"

لكنهم لم يسمعوه. كانوا غارقين في كوابيسهم.أغمض ياسين عينيه."أنا الراصد. أنا بشوف الحقيقة."فعل بصيرته ليرى "مصدر" الوهم.رأى جهاز بث ترددات خلف إحدى المرايا.جمع طاقته في قبضته.لكم المرآة.تحطمت المرآة، وتحطم الجهاز خلفها.اختفت الأصوات. توقفت الصور.عاد عصام ونورين للواقع، يلهثون ويبكون.

ياسين (يجذبهم بقوة):"مفيش وقت للندم! اللي فوق دول بيلعبوا بعقولنا عشان خايفين مننا. يلا نطلع ندفنهم!"

عادوا للمصعد.ضغط ياسين على الطابق 80.هذه المرة، لن يوقفهم شيء.

(المكان: الطابق 80. قمة البرج. المشهد: فخامة مفرطة ممزوجة بتكنولوجيا غريبة. جدران زجاجية تطل على دمار القاهرة. طاولة سوداء لامعة. 12 كرسياً.. و3 سادة.)

انفتح باب المصعد.دخل الثلاثة، أسلحتهم مرفوعة.في مواجهتهم، جلس قادة المجلس الثلاثة.لم يكونوا يرتدون أقنعة، ولم يختبئوا.السيد مُهاب زيدان (السياسي الشهير)، السيد حامد الشناوي (إمبراطور الاقتصاد)، واللواء توفيق السالم (رجل الظل العسكري).

كانوا يبدون "طبيعيين" بشكل مخيف، لكن ياسين رأى الحقيقة.كانوا موصولين بأنابيب رفيعة جداً تختفي تحت ملابسهم الفاخرة، تتصل بجهاز مركزي في السقف يضخ فيهم "طاقة زرقاء".أعمارهم الحقيقية تجاوزت المائة عام، لكن السائل يبقيهم في هيئة رجال في الستينيات.

مُهاب زيدان (يصفق ببطء، بابتسامة سياسية هادئة):"برافو. برافو بجد. تخطيتوا كل الدفاعات. ألفا اختار كويس."

ياسين
(يقف أمامهم، وعيناه تشتعلان غضباً):"مُهاب زيدان.. كنت بتطلع في التلفزيون تتكلم عن الوطنية والفقراء.. وأنت بتمص دمهم حرفياً."

حامد الشناوي
(ينظر لساعته بملل):"الفقراء يا بني هما وقود الحضارة. إحنا المديرين. إحنا اللي حافظنا على العالم ده من الانهيار. تفتكر الديمقراطية والشعوب تقدر تدير كوكب؟ دي كانت هتبقى فوضى."

اللواء توفيق
(بصوت خشن):"إحنا عملنا اتفاقيات صعبة عشان نحمي البشرية من الانقراض. الكيان اللي جاي ده.. هو (الحصاد). بياخد حصته ويمشي.. ويسيب الباقي يعيشوا تحت حكمنا. دي الصفقة."

نورين
(تصرخ):"صفقة؟ أنتم بعتونا! أنتم بتسمحوا لوحش ياكلنا عشان تفضلوا مخلدين!"

مُهاب زيدان
(يضغط زراً، فتنزل شاشات تعرض "بنوكاً" و"جيوشاً" حول العالم تتحرك بأمرهم):"ياسين.. اسمعني. ألفا بيضحك عليك. هو عايز السلطة لنفسه. انضم لينا. قدرتك دي مكانها معانا. هنديك الخلود. هنديك حكم مصر كلها."

ياسين
(ينظر للشاشات، ثم ينظر لوجوههم الطامعة):"أنا مش عايز حكم.. ولا خلود. أنا عايز عالم مفيهوش طفيليات زيكم."

أشار ياسين لعصام.ياسين:"نفذ."

عصام
(يرفع رشاشه، والدموع في عينيه تذكر والده):"دي نهاية الخدمة يا بهوات."

أطلق عصام النار. ليس عليهم، بل على "الأنابيب" والجهاز المركزي في السقف.(طاخ.. طاخ.. طاخ).تحطمت الأنابيب. تناثر السائل الأزرق "إكسير الحياة".بدأ القادة يصرخون.حدث شيء مرعب.بمجرد انقطاع السائل، بدأ الزمن يلحق بهم.في ثوانٍ معدودة، شاخت وجوههم. جفت جلودهم. تحولوا لهياكل عظمية تكسوها الجلد، ثم سقطوا موتى، جثثاً عمرها قرون تفتتت أمام أعينهم.

نورين (تغطي فمها برعب):"ماتوا.. كلهم ماتوا."

ياسين
(ينظر للجثث ببرود):"العروش كانت فاضية من زمان. دول كانوا مجرد واجهة."

فجأة، اهتز البرج كله بزلزال عنيف.تحول لون السماء بالخارج إلى الأسود الحالك.انشق سقف القاعة الزجاجي.وظهرت "العين".عين عملاقة من الدخان والنار في السماء، تنظر إليهم مباشرة.الكيان وصل. ولم يعد يحتاج لوسطاء.

صوت الكيان (يدوي في عقولهم، صوت ليس له لغة، بل "معنى" مرعب):"انتهى وقت اللعب. الآن.. وقت الأكل."

ياسين
(ينظر للسماء، وجسده يبدأ في التوهج بالكامل):"نورين.. عصام.. وصلوا الفيروس للسيرفر وافضحوهم. أنا طالع."

عصام
:"طالع فين يا مجنون؟"

ياسين
:"طالع أقفل الباب في وشه."

طار ياسين، محمولاً على طاقة الغضب والواجب، مخترقاً سقف البرج، صاعداً نحو الفجوة السوداء، ليبدأ المعركة التي لا عودة منها.


(المكان: السماء فوق العاصمة الإدارية. داخل "الفجوة السوداء". المشهد: لم يعد ياسين يطير بجسده المادي فحسب، بل تحول إلى "نقطة وعي" محاطة بهالة من الطاقة الذهبية الساطعة. الفجوة لم تكن فراغاً، بل كانت "محيطاً" لزجاً من البيانات والذكريات والأرواح المسروقة، تسبح في سائل زيتي أسود بلا جاذبية.)

ارتفع ياسين مخترقاً السحب الدخانية، متجهاً نحو "القلب" النابض للكيان. كان يشعر بالبرد القارس، برد لا يجمّد الجسد بل يجمّد الروح. همسات الملايين من البشر كانت تتردد في عقله، أصوات خوف، يأس، وألم لا ينتهي. الكيان لا يتغذى على اللحم، بل يأكل "المعنى" من الوجود البشري.

فجأة، تجسد الكيان أمامه.لم يكن له شكل ثابت. كان يتغير كل ثانية ككابوس سائل. مرة يظهر كوجه *** يبكي، ومرة كوجه وحش بأنياب، ومرة كوجه "ياسين" نفسه مشوهًا.دوى صوت في عقل ياسين، صوت يشبه احتكاك الصفائح التكتونية، صوت قديم قدم الأرض.

صوت الكيان (يتردد في وعي ياسين):(لماذا تقاوم؟ أنت جزء مني. قدرتك على الرؤية.. هي هديتي لك. أنا من صنعت "الراصد" عبر العصور ليرى لي الطريق. أنت كلبي المطيع.)

توقف ياسين في الفراغ، وثبت هالته الذهبية لتدفع الظلام عنه، مشكلاً كرة نور وسط السواد.

ياسين (يخاطب الكيان بفكره، صوته العقلي ثابت وحاد):"أنت كاذب. قدرتي مش هدية منك.. قدرتي هي (مناعة). الأرض طورتني عشان أشوفك وأطردك. أنت فيروس.. وأنا المضاد الحيوي. أنت مش إله.. أنت طفيل."

(فيروس؟)
ضحك الكيان، واهتزت السماء، وتشكلت حول ياسين أعاصير من الظلام: (أنا المالك. هؤلاء البشر.. هم الماشية. والمجلس كانوا رعاتي. والآن.. الراعي مات، وجاء وقت الذبح المباشر.)

انقضت أذرع الدخان الأسود العملاقة على ياسين من كل اتجاه.لم يستخدم ياسين يديه لصدها. استخدم "بصيرته".رأى "الكود" المكون للظلام. رأى التردد الذي يتماسك به الكيان. إنه تردد "الخوف".ركز ياسين تردده الخاص: "الشجاعة".

ياسين (يصرخ ذهنياً):"تفكيك!"

أرسل موجة ذهبية قطعت ذراع الدخان وحولتها لغبار ضوئي متناثر.صرخ الكيان غضباً وألماً. المعركة لم تكن باللكمات.. كانت بـ "إعادة كتابة الواقع". كل ضربة من ياسين كانت تمحو جزءاً من وجود الكيان في عالمنا.

(المكان: الطابق 80. قاعة العروش. المشهد: فوضى عارمة. جثث قادة المجلس تحولت لرماد على كراسيهم. "عصام" و"نورين" يقفان أمام لوحة التحكم الرئيسية المعقدة، بينما "الحراس الآليين" (الذين لم يتعطلوا بموت القادة لأنهم مبرمجون مسبقاً) يحاولون كسر الباب المصفح للقاعة.)

أصوات الضرب المعدني على الباب كانت مرعبة، الباب ينبعج للداخل مع كل ضربة.

عصام (يمسح العرق، ويوجه رشاشه نحو الباب المرتجف):"الباب مش هيستحمل كتير يا نورين! الآليين دول أغبياء بس أقوياء! خلصي!"

نورين
(أصابعها تطير بجنون على لوحة المفاتيح الهولوغرامية، توصل "الحقيبة" التي أعطاها لها الظل بالنظام):"النظام بتاعهم معقد جداً! ده مش ويندوز.. دي لغة برمجة ميتة (Sumerian Code) مخلوطة بتشفير كمي. بس الفيروس بتاع ألفا بدأ يأكل الجدار الناري."

عصام
(يطلق رصاصة تحذيرية على مفصل الباب الذي بدأ ينفك):"إحنا مش بس عايزين نعطل السلاح.. إحنا لازم نفضحهم! لازم الناس تعرف إن اللي بيحكموهم كانوا شوية مومياوات! لو متنا والسر ده مات معانا.. يبقى معملناش حاجة."

نورين
(تضغط زراً كبيراً، وتظهر خريطة العالم على الشاشة الكبيرة):"لقيتها! دي وحدة البث المركزي. البرج ده مش بس بيستقبل طاقة.. ده (أنتينا) بث عالمية. متصل بكل قمر صناعي وكل كابل إنترنت في العالم عشان يرسل (موجات طاعة) لا شعورية."

نظرت لعصام، وعيناها تلمعان بفكرة جنونية:"إحنا هنعكس الإشارة. بدل ما يبعت (أمر).. هنخليه يبعت (الحقيقة). هنذيع كل الملفات اللي ياسين جابها."

(بوووم).انكسر جزء من الباب، وظهرت ذراع روبوتية تطلق الليزر الأحمر داخل الغرفة.أطلق عصام النار على الذراع، فتطاير الشرر.

عصام (يغير مخزن الرصاص الأخير):"بسرعة يا نورين! الذخيرة بتشطب!"

أخرجت نورين وحدة تخزين صغيرة كانت معلقة في رقبتها (أعطاها لها الظل قبل المهمة، وقال لها: "لو وصلتوا للقمة.. شغلي ده. دي رسالة من الماضي").أدخلت الوحدة في المنفذ الرئيسي.الشاشات في الغرفة تحولت من اللون الأحمر الدموي.. إلى "الأبيض الساطع".

نورين (تصرخ وهي تضغط زر الإدخال):"تم الرفع! البث بدأ! العالم كله بيتفرج!"

(المكان: العالم بأسره. نيويورك، لندن، طوكيو، القاهرة. الوقت: نفس اللحظة. المشهد: في كل بيت، في كل ميدان، على كل هاتف ذكي، وفي غرف الأخبار العالمية.)

فجأة، توقفت كل البرامج. انقطع بث المباريات، والأخبار، والأفلام.الشاشات الإعلانية العملاقة في "تايمز سكوير" تحولت للسواد.هواتف الناس في المترو تجمدت.ثم.. ظهر شعار واحد على كل شاشة في الكوكب.شعار "عين داخل ترس" (شعار ألفا)، ولكنه تحطم وانكسر ببطء ليظهر خلفه ضوء الشمس الساطع.

ظهر نص مكتوب بكل لغات العالم في وقت واحد، يتحرك كشريط إخباري عاجل:"استيقظوا. حراسكم.. لصوص."

ثم بدأت الصور تتوالى بسرعة فائقة، صور لا يمكن تكذيبها.صور مسربة من داخل سجون المجلس السرية حيث يتم استنزاف البشر. فيديوهات عالية الدقة لـ "مُهاب زيدان" و"حامد الشناوي" وقادة العالم وهم يوقعون صفقات بيع البشر للكيان. وثائق سرية عن الحروب المفتعلة والأوبئة المصنعة للسيطرة على السكان. صور للكيان وهو يمتص الطاقة من المدن.العالم أصيب بالصدمة. الناس في الشوارع وقفوا مذهولين، ينظرون لهواتفهم وللشاشات العملاقة. الحقيقة كانت عارية وبشعة، أزالت غشاوة قرون في ثوانٍ.

ولكن، لم ينتهِ البث هنا.الشاشة تحولت لمشهد "حي" من كاميرا مثبتة في مكان مجهول (ربما في الصحراء، أو في كهف قديم).ظهر رجل.لم يكن يرتدي بدلة عصرية. كان يرتدي عباءة بسيطة ودرعاً قديماً جداً يبدو أنه من معدن غير أرضي، عليه نقوش غريبة.وجهه كان مخفياً في الظل، لكن صوته.. صوته كان يزلزل القلوب، صوت قائد قديم عاد من الموت.

الصوت (يخرج من كل جهاز في العالم، بلغة يفهمها الجميع بقلوبهم):"ظننتم أن الأرض بلا راعٍ.. فاستباحيتموها. ظننتم أن الحراس ماتوا.. فسرقتم مفاتيحهم."

رفع الرجل يده، فظهر في كفه "ختم" يشبه الختم الذي فتح به ياسين البوابة، لكنه أصلي ومتوهج بضوء أبيض نقي.

الصوت:"أنا (الناجي الأول). الشاهد على الطوفان الأول. واليوم.. أعلن انتهاء عهد الوكلاء. لصوص الحضارة سقطوا. والأرض ستعود لأهلها. لا تخافوا من الظلام في السماء.. فالنور بداخلكم أقوى."

(تشويش).انقطع البث.لكن الرسالة وصلت.في كل عاصمة، خرج الناس للشوارع. ليس في مظاهرات، بل في حالة "تمرد غريزي". الخوف الذي زرعه المجلس لقرون.. تبخر في ثانية، وحل محله غضب مقدس. نظر الناس للسماء، ليس بخوف، بل بتحدي.

(المكان: العاصمة الإدارية. داخل البرج وفي السماء.)

عندما رأى "الكيان" ما يحدث على شاشات المدينة بالأسفل.. عندما شعر بأن "طاقة الخوف" التي يتغذى عليها قد انقطعت فجأة واستبدلت بطاقة "غضب وتمرد" من مليارات البشر.. صرخ.اهتزت السماء فوق العاصمة. الفجوة السوداء بدأت تضطرب وتتقلص. الطعام انقطع.

ياسين (في السماء، يشعر بضعف الكيان وتراجع هالته السوداء):"أنت جعان.. صح؟ الأكل اتقطع. البشر فاقوا."

هاجم الكيان ياسين بكل قوته المتبقية، في محاولة يائسة أخيرة. تحول لإعصار من الظلام يحاول طحن النقطة الذهبية الصغيرة (ياسين).ياسين كان يتألم. ضغط نفسي وجسدي رهيب. عظامه تكاد تتحطم من الضغط الجوي.لكنه استمد القوة من الأسفل.رأى "خيوطاً" جديدة تصعد من الأرض. ليست خيوط طاقة مسروقة.. بل خيوط "أمل" و"إرادة" تخرج من ملايين البشر الذين عرفوا الحقيقة الآن ورفعوا رؤوسهم للسماء.سحب ياسين هذه الطاقة الطوعية. تضاعف حجم هالته ألف مرة.

ياسين (يضيء كالشمس):"دي مش طاقتي لوحدي.. دي طاقتهم كلهم! دي إرادة الأرض!"

في قاعة العروش، كان عصام ونورين محاصرين في الزاوية. الباب انكسر تماماً، والروبوتات تدفقت للداخل، مدافعها جاهزة للإطلاق.

عصام (يطلق آخر رصاصة، ويمسك بقطعة حديدية من حطام الكرسي، يقف أمام نورين ليحميها):"نورين! استخبي ورايا! هما عايزين الجهاز! مش هخليهم يلمسوكِ!"

ولكن فجأة.. توقفت الروبوتات.العيون الحمراء للآلات ومضت بسرعة، ثم انطفأت.سقطت الروبوتات على الأرض كدمى خاوية، وتوقفت أذرعها في منتصف الحركة.

نورين (تنظر للشاشة بذهول):"النظام المركزي للمجلس انهار! الفيروس دمر (البروتوكول القتالي)! البث العالمي عمل (Overload) على الشبكة وحرقها! إحنا كسبنا الوقت!"

نظر عصام من النافذة الزجاجية المحطمة للأعلى.رأى ياسين.. وقد أصبح كالشمس المصغرة، يواجه الظلام وحده.ياسين رفع يده، وأمسك بحواف "الفجوة السوداء" في السماء، وكأنه يمسك جرحاً ليغلقه.

ياسين (يصرخ صرخة مدوية يسمعها كل من في العاصمة):"اخرج!! دي أرضي!!"

ضم يديه بقوة.(كراااااك).صوت يشبه تمزق السماء.انغلقت الفجوة على الكيان.بترت أذرع الدخان.تلاشى الظلام.وعادت سماء الفجر الزرقاء الصافية لتظهر فوق القاهرة لأول مرة منذ بدء الحرب، شمس حقيقية تشرق لتغسل المدينة من الكابوس.

سقط ياسين من السماء.جسده كان محترقاً ومستنزفاً، هالته تلاشت.سقط كشهاب ذهبي منطفئ.. باتجاه نهر النيل الخالد.

الجزء العاشر

(المكان: الغلاف الجوي فوق القاهرة. الوقت: لحظات الفجر الأولى. المشهد: جسد "ياسين" يسقط من ارتفاع شاهق بعد إغلاق الفجوة الكونية. الهالة الذهبية التي كانت تحميه تآكلت وتلاشت تماماً، تاركة جسداً بشرياً ضعيفاً، محترقاً، ومستنزفاً حتى آخر قطرة طاقة.)
كان الهواء يصفر في أذني ياسين بصوت يشبه صراخ الآلاف، يمزق طبلة أذنه. الملابس التي يرتديها كانت تحترق وتتمزق بفعل الاحتكاك وسرعة السقوط. لم يكن يشعر بالخوف. الخوف شعور بشري يتطلب عقلاً واعياً، وعقل ياسين في تلك اللحظة كان قد تجاوز الوعي. كان في حالة من "السكون" الغريب. الأنماط المعقدة، المعادلات الرياضية، ضجيج الطاقة الذي كان يملأ رأسه لشهور ويحرمه النوم.. كل شيء صمت فجأة.
رأى القاهرة تقترب منه بسرعة جنونية. المباني المحترقة، الدخان المتصاعد، ونهر النيل الذي يبدو كشريط من الفضة السائلة الباردة، يعكس ضوء الصباح الأول ببرود لا يرحم.
حاول أن يرفع يده، أن يستدعي "الراصد" ليبطئ السقوط، لكنه أدرك بمرارة أن "الخزان" قد فرغ تماماً. لقد أعطى كل شيء لإغلاق الباب في وجه الكيان. عاد "ياسين" الموظف البسيط.. الذي لا يملك أجنحة.
ياسين (يهمس لنفسه، والكلمات تضيع في الريح العاتية):
"أنا عملت اللي عليا.. والباقي عليكم."
أغلق عينيه المستسلمتين، وضم يديه لصدره، واستعد للارتطام.
(طرااااااااااخ).
ارتطم بسطح الماء بقوة كسرت سكون النهر، وكأن قنبلة سقطت فيه. الماء، الذي يبدو ناعماً من بعيد، كان صلباً كالخرسانة عند هذه السرعة. تحطمت عدة ضلوع في صدره بصوت مقزز، وغاص جسده في الأعماق الباردة والمظلمة والموحلة لنيل القاهرة.
التيارات المائية القوية سحبته لأسفل، تدوره وتعصره، وكأن النهر يحتضن ابنه العاق، أو يخبئه من العالم الذي لم يستحقه.
بدأ يغرق.
الرئة تفرغ من الهواء المتبقي، وتمتلئ بالماء الطيني البارد.
الظلام يطبق عليه من كل جانب.
وبدأ قلبه يتباطأ.. دقة.. دقة.. ثم سكون تام.

(المكان: ضفاف النيل وكورنيش المعادي. الوقت: ثوانٍ بعد السقوط. المشهد: طائرة هليكوبتر عسكرية سوداء (تابعة لألفا) تحلق على ارتفاع منخفض جداً فوق الماء، تثير زوبعة مائية بمراوحها، بينما قارب صيد صغير يندفع في النهر.)
كان الظل يصرخ في الطيار عبر اللاسلكي، وقد فقد كل بروده المعتاد، ووجهه محتقن بالدم:
"انزل! انزل كمان! التيار قوي هنا! لو غطس مش هنلاقيه!"
في الخلف، كان مروان قد خلع سترته التكتيكية وحذائه العسكري، ووقف على حافة الطائرة المفتوحة، يمسك بالإطار والريح تعبث بشعره. لم ينتظر هبوط الطائرة أو توقفها.
مروان (يصرخ بصوت يغطي على ضجيج المروحة):
"أنا نازل! حددوا الموقع!"
قفز مروان من ارتفاع 10 أمتار، غاطساً في الماء بمهارة سباح أوليمبي، يكسر سطح الماء بجسده القوي.
وفي نفس اللحظة، على سطح النهر، كان قارب الصيد الصغير (الذي سرقه عصام ونورين بتهور بعد خروجهم من البرج) يشق الماء بأقصى سرعة نحو نقطة السقوط، محركه يئن تحت الضغط.
عصام (يصرخ وهو يوجه القارب بيد، ويمسح دموعه باليد الأخرى):
"شايفه! شايف الفقاقيع! هناك! يا رب متكونش موته يا رب!"
نورين (تخلع معطفها وتستعد للقفز، عيناها مثبتتان على البقعة التي اختفى فيها ياسين):
"مروان نزل! عصام.. وقف القارب هنا! أنا هنزل أساعده!"
غاص مروان في المياه العكرة. الرؤية كانت شبه معدومة تحت السطح. الطحالب والقمامة النيلية تعيق الحركة. كان يتحسس طريقه في الظلام، يعتمد على غريزته كـ "ظل".
لمح شيئاً يلمع بوهج خافت جداً في القاع.. بقايا هالة الراصد التي تنطفئ.
سبح نحوه بكل قوته، عضلاته تحترق من الجهد.
وصل إليه. كان ياسين معلقاً بين الطحالب، ذراعاه ممدودتان كالمصلوب.
أمسك مروان بياقة قميصه المحترق، وجذبه بقوة يائسة.
كان الجسد ثقيلاً جداً، وهامداً كالصخر.
سحب مروان ياسين للأعلى، يضرب الماء بقدميه بعنف، رئتاه تصرخان طلباً للهواء.
اخترقوا السطح.
شهق مروان الهواء، ورفع رأس ياسين فوق الماء، مثبتاً إياه بذراعه القوية.
مروان (يضرب وجه ياسين الشاحب بخفة):
"دكتور! ياسين! تنفس! متمتش دلوقتي!"
وصل القارب. انحنى عصام ونورين وسحبوا جسد ياسين المرتخي إلى ظهر القارب الخشبي المبلل.
كان منظره مفزعاً. وجهه أزرق، وشفتيه بيضاء، وجروح الحروق تغطي ذراعيه وصدره. لا يتنفس.
نورين (تضع أذنها على صدره، ثم ترفع رأسها بفزع، وعيناها متسعتان من الرعب):
"القلب واقف! مفيش نبض! مات!"
عصام (يصرخ بهستيريا، ويمسك بقميص ياسين يهزه):
"لا! مش هتموت! بعد كل ده مش هتموت! قوم يالا! قوم!"
دفعته نورين جانباً، وبدأت عملية الإنعاش القلبي الرئوي (CPR) باحترافية يائسة. تضغط على صدره بقوة وانتظام لضخ الدم يدوياً، بينما عصام يحاول نفخ الهواء في فمه المغلق.
نورين (تعد بصوت باكي):
"واحد.. اتنين.. تلاتة.. تنفس!.. واحد.. اتنين.. تلاتة.. ارجع!"
لا استجابة. الجسد بارد.
هبطت الطائرة الهليكوبتر وحامت فوق القارب مباشرة، وأنزلت سلة إنقاذ معدنية.
الظل (عبر مكبر الصوت، بصوت آمر حاد):
"ارفعوه! الطاقم الطبي جاهز في الطيارة! عندنا دقيقتين قبل ما المخ يموت!"
رفعوا الجسد الهامد للسلة بصعوبة.
صعد ياسين للسماء مرة أخرى، لكن هذه المرة ليس كبطل خارق يحلق بإرادته، بل كجثة محطمة معلقة بخيط رفيع بين السماء والأرض.
(المكان: العقل الباطن لياسين. الوقت: غير محدد، خارج الزمن. المشهد: فراغ أبيض لا نهائي. لا توجد جدران، لا أرضية، لا سقف. ضوء نقي يملأ كل شيء. ياسين يقف عارياً من أي إصابات أو حروق، يرتدي ملابس بيضاء بسيطة، ويبدو في سلام تام.)
نظر ياسين حوله. الهدوء هنا مريح بشكل لا يصدق. لا توجد أصوات صاخبة، لا توجد أنماط تتحرك بجنون، لا توجد أرقام تطفو في الهواء لتخبره بموعد موت أحدهم. مجرد صمت أبيض نقي.
"أنا ميت؟" سأل نفسه بصوت لم يسمعه، بل شعر به.
"لسه.. بس قريب أوي."
جاء الصوت من خلفه. صوت مألوف، دافئ، يحمل نبرة أبوية افتقدها.
التفت ياسين. رأى رجلاً عجوزاً يجلس على كرسي خشبي بسيط، يبتسم له بحنان، وفي يده مسبحة.
إنه "بهاء الأخرس".
ياسين (يبتسم، وتدمع عيناه):
"عم بهاء.. وحشتني. أنت هنا؟"
بهاء (يشير لياسين ليجلس بجواره على الأرض):
"وأنت كمان يا بني. عملت دوشة كبيرة أوي فوق. قفلت البوابة، وحرقت المفاتيح، وكسرت الكراسي. كنت بتابعك.. وكنت فخور بيك."
ياسين (يجلس، ويشعر بثقل يزول عن كاهله):
"كان لازم أعمل كده. مكنش فيه حل تاني. الكيان كان قوي.. كان لازم أدفع كل حاجة عندي."
بهاء (ينظر لعين ياسين بعمق):
"عارف. بس أنت دفعت التمن غالي. عينك.. (عين الراصد).. اتحرقت. الطاقة اللي عديتها من جسمك سيحت المراكز العصبية اللي بتخليك تشوف اللي ورا الستارة. الهبة راحت يا ياسين. لو رجعت.. هترجع إنسان عادي. أعمى عن الحقيقة. مش هتشوف الأنماط تاني."
ياسين (ينظر ليديه، ثم يغلق عينيه بارتياح):
"مش مهم. أنا تعبت من الحقيقة يا عم بهاء. الحقيقة مؤلمة. أنا عايز أشوف الدنيا زي الناس العادية.. عايز أشوف وش نورين من غير ما أشوف تاريخها وخوفها. عايز أحبها بس.. من غير معادلات."
بهاء (يضحك بخفوت، ويمسح على رأس ياسين):
"الحب.. هو الحقيقة الوحيدة اللي مش محتاج بصر عشان تشوفها. طيب.. قرارك إيه؟ هتفضل هنا في الهدوء والراحة؟ ولا هترجع للوجع والتعب.. والحياة؟"
سمع ياسين صوتاً بعيداً جداً، كأنه يأتي من قاع بئر. صوت نورين تبكي وتناديه باسمه. صوت عصام يسب ويلعن الأطباء. صوت جهاز القلب يصفر إنذار التوقف.
ياسين:
"هرجع. لسه عندي وعد لازم أوفيه. ولسه فيه حياة ما عشتهاش."
وقف بهاء، وأشار لباب خشبي قديم ظهر فجأة في الفراغ الأبيض، ينبعث من شقوقه ضوء ساطع ومؤلم.
"طريق السلامة يا بطل. الباب ده بيوجع.. بس بيوصل للحياة. سلملي على الواد عصام.. وقوله أبوه ارتاح."
مشى ياسين نحو الباب. تردد للحظة، ثم وضع يده على المقبض.
فتحه.
واندفع ضوء ساطع، ومعه ألم رهيب اخترق صدره.
المكان: غرفة العناية القصوى (ICU) في الطابق السفلي الأكثر تحصيناً بمقر "ألفا". الوقت: بعد 3 أيام من السقوط. المشهد: الغرفة بيضاء بالكامل، مليئة بأجهزة متطورة تصدر أصواتاً منتظمة. ياسين يرقد على السرير، موصولاً بأنابيب تنفس صناعي، وجسده ملفوف بطبقات سميكة من "الجل الحيوي" لعلاج الحروق.)
كانت نورين تجلس على كرسي غير مريح بجوار السرير، رأسها مسند على حافة المرتبة، ويدها ممسكة بيد ياسين المغطاة بالشاش. لم تغادر الغرفة منذ وصولهم، ورفضت كل محاولات عصام لإخراجها للراحة.
فجأة.. تغير إيقاع جهاز مراقبة القلب.
من دقات بطيئة منتظمة.. إلى تسارع حاد.
(بيب.. بيب.. بيب بيب بيب).
شهق ياسين بقوة، وكأنه يخرج من تحت الماء، وفتح عينيه على اتساعهما.
الضوء الأبيض في الغرفة كان ساطعاً ومؤلماً. حاول أن يرمش، لكن جفونه كانت ثقيلة كالرصاص.
حاول أن يرى.. لكن الرؤية كانت "ضبابية" ومشوشة. مجرد خيالات رمادية وظلال باهتة تتحرك أمامه.
"أنا فين؟" حاول أن يقولها، لكن صوته خرج كأنين مبحوح بسبب أنبوب التنفس.
استيقظت نورين فزعة على صوته. رفعت رأسها، ورأت عينيه المفتوحتين التائهتين.
نورين (تصرخ بفرحة وذهول، وتضغط زر استدعاء الطبيب):
"ياسين! دكتور! دكتور! صحي! هو صحي!"
اندفع الأطباء إلى الغرفة، وخلفهم الظل وعصام ومروان.
بدأ الفريق الطبي بفحص المؤشرات الحيوية وسحب أنبوب التنفس بحذر. سعل ياسين بعنف، وشعر بطعم الصدأ والدم في حلقه.
الطبيب (يوجه ضوءاً كشافاً صغيراً لعين ياسين):
"بؤبؤ العين بيستجيب للضوء.. بس ببطء. يا أستاذ ياسين.. سامعني؟ حاسس بإيدك؟"
أومأ ياسين برأسه ببطء.
اقترب عصام من السرير، وعيناه دامعتان، وابتسامة واسعة تغطي وجهه المنهك:
"يا ابن الإيه.. خوفتنا عليك يا أخي. كنت فاكرك روحت عند الحور العين وسيبتنا في الغم ده. حمد **** على السلامة يا بطل."
حاول ياسين الابتسام، لكن عضلات وجهه كانت تؤلمه. أشار بيده المرتعشة لنورين لتقترب.
اقتربت حتى لامس وجهها وجهه.
ياسين (بصوت هامس جداً، ومتقطع):
"أنا.. مش.. شايفك.. كويس."
ساد الصمت في الغرفة. تبادل عصام ومروان نظرات قلقة.
نظر الظل للطبيب، وانتظر الحكم النهائي.
الطبيب (يغلق ملفه بأسف):
"القرنية سليمة.. والعصب البصري سليم تشريحياً. لكن الأشعة المقطعية أظهرت ضموراً شديداً في الفص القفوي بالمخ (مركز الإبصار). الخلايا هناك اتحرقت بسبب حمل كهربائي زايد عن الحد. نظره هيبقى ضعيف جداً.. (6/60). هيشوف خيالات ونور وضلمة بس. ده.. ده تمن النجاة."
بكت نورين بصمت، ودموعها سقطت على يد ياسين.
لكن ياسين ضغط على يدها بقوة مفاجئة.
ياسين (يهمس):
"متعيطيش.. أنا كده.. أحسن. أنا شايفك بقلبي.. وده كفاية. المعادلات راحت.. وفضلتي أنتي."
اقترب الظل من السرير. وضع يده على كتف ياسين، ولأول مرة، كانت لمسته تحمل دفئاً بشرياً واحتراماً عميقاً.
الظل:
"أنت دفعت تمن حرية العالم يا ياسين. ومصر مش هتنسالك ده. ألفا بيبلغك تحياته.. وبيقولك إنك بقيت (خارج الخدمة) رسمياً. ملفك اتأرشف كبطل قومي سري. وليك معاش استثنائي مدى الحياة، وحماية ليك وللفريق."
ياسين (بصعوبة):
"والمجلس؟"
الظل (يبتسم ابتسامة المنتصر):
"انتهى. بعد ما البث بتاعكم طلع.. الشعوب ثارت في كل مكان. الحكومات الفاسدة وقعت في ساعات. واللي فضل من قادة المجلس هربانين.. إحنا صيدناهم واحد واحد. العالم بينضف يا ياسين. بفضلك."
أغمض ياسين عينيه بارتياح.
المهمة انتهت. الكابوس انزاح.
والراصد.. نام، ليصحو الإنسان.
..
.
(المكان: فيلا بيضاء بسيطة ومنعزلة على شاطئ "سيدي عبد الرحمن" بالساحل الشمالي. الوقت: الغروب. بعد 3 أشهر من الأحداث. المشهد: هدوء وسلام، صوت الأمواج المتلاطمة يغسل الروح.)
جلس ياسين على كرسي خشبي مريح أمام البحر مباشرة، يرتدي نظارة سوداء تحمي عينيه الحساستين من الضوء. بصره لم يتحسن كثيراً، يرى العالم كلوحات انطباعية مشوشة، لكن حواسه الأخرى أصبحت حادة بشكل مخيف. يسمع صوت النورس من على بعد ميل، ويشم رائحة المطر قبل سقوطه بساعة.
بجواره، كانت نورين تجلس على الأرض، تقرأ له الأخبار من جهاز لوحي جديد بصوت عالٍ.
نورين:
"الحكومة الانتقالية بتعلن بدء محاكمة فلول المجلس في لاهاي. وفيه مشاريع طاقة نظيفة بدأت تشتغل في أوروبا بتقنيات (ألفا) اللي أفرج عنها للعلن. العالم بيتغير يا ياسين."
ياسين (يبتسم ابتسامة صافية):
"ألفا.. لسه مختفي؟"
نورين:
"اختفى تماماً. الظل بعت رسالة واحدة بس إمبارح مشفرة: (المهمة انتهت. استمتعوا بالتقاعد.. ومتخلوش حد يعرف مكانكم)."
ياسين :
تفتكري مين ادم ده الي ظهر في البث العالمي الكل فاكر انه تبعنا حتي ألفا
نورين : يا عم انسي بقي وريح دماغك اقولك اعتبره سر من الاسرار الكتير الي لسه متعرفهاش
قطع حديثهم خروج عصام من باب الفيلا، يحمل صينية شاي، ووجهه قد استعاد بعضاً من نضارته القديمة، لكن عينيه لا تزالان تحملان مسحة حزن دفين.
عصام:
"الشاي يا بشوات. بنعناع سيوة.. عشان مننساش."
بينما كان مروان (الذي لا يزال يعرج قليلاً بسبب إصابة ساقه) يقف عند سور الفيلا، ينظف سلاحه الشخصي كعادة لا يستطيع تركها، يراقب الأفق بحذر الصياد.
جلسوا جميعاً يراقبون الغروب. العائلة التي كونتها الحرب، ووحدها الدم.
فجأة، توقف مروان عن تنظيف سلاحه. تجمد في مكانه، ونظر ناحية الشاطئ بتركيز.
مروان (بصوت منخفض وحذر):فيه حد هنا."
خرج رجل من وسط الضباب.
. كان يرتدي ملابس بسيطة جداً، تشبه ملابس صيادي السمك المحليين في هذه المنطقة (بنطال قماشي وقميص واسع)، وعلى كتفه حقيبة جلدية قديمة مهترئة.
وجهه كان مغطى بلحية خفيفة، وملامحه تبدو عادية.. عادية لدرجة تجعله يختفي وسط أي زحام. لكن عينيه.. كانت فيهما تلك اللمعة التي لا تشيخ.
تأهب مروان ووضع يده على سلاحه، لكن الرجل رفع يده بسلام، وابتسم ابتسامة ودودة.
الرجل (بصوت هادئ وعميق):
"مساكم **** بالخير. الموج عالي الليلة.. بس الهوا نضيّف."
عصام (بشك):
"مساء النور يا حاج. أنت تايه؟ المنطقة دي مقطوعة."
الرجل (يقترب ويجلس على صخرة قريبة منهم بتلقائية):
"محدش بيتوه طالما عارف هو رايح فين. أنا كنت معدي.. وشميت ريحة (تغيير) في الجو. قلت أسلم على اللي غيروا اتجاه الريح."
نظر ياسين ناحية الرجل. بصيرته المفقودة لم تسمح له برؤية حقيقته، لكن قلبه شعر بالرهبة.
ياسين:
"أنت مين؟ وعارف إحنا عملنا إيه إزاي؟"
ضحك الرجل ضحكة خفيفة:
"أنا مجرد (شاهد). بشوف الحاجات اللي الناس مبتشوفهاش. شفت البرج وهو بيطفي.. وشفت السما وهي بتنضف."
أخرج الرجل من حقيبته الجلدية "صندوقاً خشبياً صغيراً" ( يبدو كأنه علبة مجوهرات قديمة أو أثرية)، ووضعه على الطاولة أمام ياسين.
الرجل:
"لقيت دي على الشط من زمن طويل. فضلت شايلها أمانة.. لحد ما ألاقي اللي يستحقها. وإنتو شكلكوا تعبتوا عشان توصلوا لهنا."
نورين (تتحسس الصندوق بحذر):
"إيه ده؟"
الرجل (يقف وينفض الرمل عن ملابسه):
"دي (بذرة). خلوها معاكم. لو في يوم البرد رجع.. أو العواصف اشتدت.. البذرة دي هتعرف طريقها للأرض."
ياسين (يحاول الوقوف):
"استنى.. أنت مين؟ المجلس انتهى.. أنت تبع مين؟"
نظر الرجل لياسين نظرة عميقة، وقال جملة واحدة ستظل محفورة في ذاكرة ياسين للأبد:
"أنا اللي فضل موجود.. عشان يحكي الحكاية لما الكل ينسى."
استدار الرجل ومشى نحو البحر.
عصام (ينادي):
"يا عمنا! اسمك إيه طيب؟"
توقف الرجل لحظة، ودون أن يلتفت، قال بصوت حمله نسيم البحر:
"سموني.. (غريب)."
اختفى الرجل في الضباب وكأنه لم يكن.
فتح ياسين الصندوق. وجد بداخله حجراً صغيراً كريستالياً، خامداً الآن، لكنه ينبض بحرارة خفيفة.
الظل (يظهر من الظلام، وينظر لمكان اختفاء الرجل بريبة):
"أنا مسمعتش صوت خطواته. ولا أجهزة الرصد لقطته. الراجل ده.. مش موجود في السجلات."
ياسين (يغلق الصندوق ويبتسم):
"مش مهم اسمه. المهم إنه (شاهد). واحنا.. إحنا اللي صنعنا المشهد."
عادوا للنظر للبحر، بينما الشمس تغرق في المياه، معلنة نهاية رحلة "الراصد"..
نهايه روايه الراصد
لكن مهلا يا ساده هل حقا انتهي الراصد
هل ينتهي الشر من العالم
لا أظن ذلك

هناك علي هذه الجزيره البعيده هناك من يقف ينتظر الوقت للاعلان عن نفسه وانقلاب العالم رأسا علي عقب
 
مرحبا بكم اعزائي مره أخري في عالم الادهم
نحن الآن بصدد الغوص في عالم بطل اخر غير سريج
نحن الان في اعماق الراصد
الجزء الأول: الشذوذ الإحصائي
الفصل الأول: النقطة العمياء
لم يكن وجه "ياسين عبد الحميد" من الوجوه التي تعلق في الذاكرة بسهولة؛ بل كان من ذلك النوع الذي صُمم ليتماهى مع الخلفية، ليشبه آلاف الموظفين الذين يعبرون شوارع وسط البلد كل صباح بوجوه رمادية خالية من التعبير. في الثانية والثلاثين من عمره، لكن انحناءة كتفيه الدائمة وتلك الأخاديد الرفيعة التي حفرها الأرق حول عينيه كانت تمنحه هيئة رجل يوشك على توديع عقده الرابع.
كان نحيل الجسد بصورة مقلقة، كأنما يستهلك عقله كل السعرات الحرارية التي تدخل جسمه في عمليات حسابية لا تتوقف. شعره أسود فاحم، أشعث دائماً وكأنه في عراك دائم مع وسادته، وبشرته شاحبة بلون الورق القديم، نادراً ما تلمسها شمس الظهيرة. لكن كل تلك الملامح العادية كانت تتلاشى تماماً إذا ما قررت النظر في عينيه.
عينان واسعتان، لونهما بني غامق يميل للسواد، لكنهما لا تستقران أبداً. بؤبؤ عينيه كان يتسع ويضيق بنسق غريب، وكأنه عدسة كاميرا تحاول ضبط البُعد البؤري باستمرار. لم تكن نظراته "ترى" الأشياء كما يراها البشر، بل كانت تفككها. إذا نظر إليك، لا يرى قميصك، بل يرى الخيط المرتخي في الزر الثالث، وبقعة القهوة الباهتة على الكم الأيسر، واهتزازة جفنك التي تفضح توترك. كان يرتدي نظارة طبية بإطار أسود سميك، لا ليصحح بصره، بل ليضع حاجزاً زجاجياً بين عينيه "المفترستين" وبين العالم، وكأنه يحمي الناس من حدة بصيرته لا العكس.
كان يجلس الآن في مكتبه بالطابق السابع في "الهيئة العامة للإحصاء والبيانات"، والغرفة غارقة في ظلام دامس إلا من وهج ثلاث شاشات كمبيوتر عملاقة تحيط به كحصن إليكتروني. الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، وصوت أزيز السيرفرات (Servers) في الغرفة المجاورة هو الصوت الوحيد الذي يكسر صمت المبنى الحكومي العتيق.
توقف ياسين عن النقر على لوحة المفاتيح، ومد يده ليمسك بكوب القهوة البارد، وارتشف رشفة مريرة وهو يحدق في سيل الأرقام الذي يتدفق أمامه كشلال من البيانات الخام.
انفتح باب المكتب فجأة، ودخل ضوء الممر الأصفر القوي، ومعه "صلاح"، حارس الأمن الليلي، يحمل مصباحاً يدوياً وكيس شطائر.
قال صلاح بصوته الخشن وهو يغلق الباب خلفه:
"يا ساتر يا رب.. يا أستاذ ياسين، قطعت خلفي! قاعد في الضلمة دي إزاي؟ ما تنور النور يا ابني، عينيك هتروح منك."
لم يرفع ياسين عينيه عن الشاشة، بل استمر في تتبع سطر معين من البيانات، وتمتم بصوت هادئ أجش من قلة الكلام:
"النور بيعمل دوشة يا عم صلاح.. دوشة في عيني بتخليني مش عارف أركز في الأرقام."
ضحك صلاح وهو يضع كيس الشطائر على طرف المكتب المكدس بالأوراق:
"دوشة إيه بس؟ دي لمبة نيون! المهم، أنا جبتلك ساندوتشين فول زي ما طلبت، بس والنبي يا شيخ ما تطولش النهاردة.. المدام بتزن عليا في التليفون وعايز أروح بدري أول ما الوردية تخلص."
أخيراً، أدار ياسين كرسيه ببطء، وخلع نظارته ليمسح عدساتها بطرف قميصه الكاروهات الباهت. نظر لصلاح نظرة فاحصة جعلت الرجل العجوز يرتبك ويرجع خطوة للوراء دون سبب مفهوم.
قال ياسين بهدوء:
"تسلم إيدك يا راجل يا طيب.. بس قولي، هو أنت غيرت نوع الدوا بتاع الضغط؟"
اتسعت عينا صلاح بذهول:
"أنت عرفت منين؟ ده أنا لسه مغيره امبارح، الدكتور كتبلي نوع مستورد غالي أوي."
أشار ياسين بإصبعه النحيل نحو جيب بنطال صلاح:
"أيدك بتترعش رعشة خفيفة أوي مش عادتك، وشفايفك ناشفة زيادة عن اللزوم.. دي أعراض جانبية للنوع الجديد اللي فيه مادة مدرة للبول.. خلي بالك واشرب مية كتير."
ضرب صلاح كفاً بكف وهو يهم بالخروج:
"يا ساتر.. و**** يا ابني أنت لا ليك في الجن ولا العفاريت، أنت بس عينك مصفاة.. يلا تصبح على خير، وكُل اللقمة قبل ما تبرد."
خرج الحارس، وعاد الظلام يبتلع الغرفة. ارتدى ياسين نظارته، وعاد لعالمه. العالم بالنسبة له لم يكن بشراً ومشاعر، بل كان "أنماطاً". الكون كله عبارة عن معادلة رياضية ضخمة، وكل حركة، كل نَفَس، كل ورقة شجر تسقط، هي جزء من معادلة. المشكلة أن الناس لا يرون المعادلة.. يرون الفوضى فقط. لكن هو.. هو يرى الخيوط.
على الشاشة الوسطى، كان هناك برنامج يعرض "تقارير الوفيات اليومية" الواردة من مكاتب الصحة على مستوى الجمهورية. عمله الروتيني هو تصنيف أسباب الوفاة لإعداد التقرير السنوي للوزارة. عمل ممل، رتيب، ويناسبه تماماً.
لكن الليلة.. الليلة حدث شيء جعل "الخيط" يلمع في عقله.
مد إصبعه وضغط زر (Enter). انقسمت الشاشة إلى خريطتين: واحدة لمنطقة "الزمالك" الراقية، والأخرى لمنطقة "بولاق الدكرور" الشعبية.
همس لنفسه:
"مش منطقي.."
توقف المؤشر عند اسمين:
  • الدكتور عز الدين مختار: (65 سنة)، أستاذ فيزياء فلكية، توفي في شقته بالزمالك. السبب: سكتة قلبية مفاجئة.
  • الأسطى خميس الديب: (42 سنة)، ميكانيكي سيارات، توفي في ورشته ببولاق. السبب: سكتة قلبية مفاجئة.
الفارق الطبقي والاجتماعي بين الاثنين شاسع كالفارق بين الأرض والسماء. لا يوجد رابط. هذا ما سيقوله أي شخص عاقل.
لكن ياسين لم يكن ينظر للأسماء، بل كان ينظر لشيء آخر.. التوقيت.
توقيت الوفاة المسجل في شهادة الدكتور عز الدين: 11:11:43 مساءً.
توقيت الوفاة المسجل في شهادة الأسطى خميس: 11:11:43 مساءً.
نفس الثانية.
"صدفة.." قالها ياسين بصوت مسموع ليقنع نفسه. احتمالية حدوث سكتة قلبية لشخصين في نفس الثانية موجودة إحصائياً، وإن كانت نادرة.
حرك يده بسرعة، وكتب "كود" بسيطاً للبحث في قاعدة البيانات عن أي وفيات أخرى في نفس التوقيت خلال الـ 24 ساعة الماضية في محافظات أخرى.
دارت أيقونة التحميل لثوانٍ بدت كالدهر، ثم ظهرت النتيجة.
ظهر اسم ثالث.
* الشيخ عبد التواب المراكبي: (70 سنة)، مؤذن **** في دمياط. توفي وهو يرفع أذان العشاء. السبب: سكتة قلبية مفاجئة.
نظر ياسين للتوقيت المسجل يدوياً من مفتش الصحة بدمياط. كان مكتوباً "حوالي الحادية عشرة والربع".
لكن ياسين لم يكتفِ بذلك. فتح نافذة أخرى، ودخل على أرشيف "كاميرات المراقبة" الخاص بوزارة النقل (بصلاحيات لا يملكها رسمياً، لكنه استعار كلمة سر مديره الغافل). بحث عن ميدان قريب من المسجد في دمياط.
وجد كاميرا لمحل بقالة تطل على المسجد. قدم الفيديو حتى وصل للحظة التي سقط فيها المؤذن من الشرفة الخشبية للمئذنة الصغيرة. نظر إلى التوقيت الرقمي أسفل الفيديو.
11:11:43 مساءً.
تجمدت الدماء في عروقه. ثلاثة أشخاص، في أماكن متباعدة، ماتوا في نفس اللحظة بالملي ثانية. والأغرب.. أن الثلاثة ماتوا وقلوبهم توقفت كأن مفتاح الكهرباء قد فُصل عنها فجأة.
أخرج هاتفه المحمول، واتصل بزميله "مجدي"، طبيب التشريح في مشرحة زينهم.
جاء صوت مجدي ناعساً ومخنوقاً:
"ياسين؟ أنت عارف الساعة كام يا مجنون؟"
قال ياسين بسرعة، وعيناه مثبتتان على الشاشة:
"مجدي، فوق معايا. جالك جثث النهاردة باسم عز الدين مختار أو خميس الديب؟"
تثائب مجدي:
"أه.. الدكتور بتاع الزمالك والميكانيكي.. وصلوا من ساعتين تلاتة. حالات وفاة طبيعية، هياخدوا تصريح دفن الصبح. بتسأل ليه؟ يقربولك؟"
"مجدي، اسمعني كويس. أنا عايزك تنزل المشرحة دلوقتي حالا.. وتبص على حاجة واحدة بس."
"أبص على إيه يا عم؟ ما تقرفناش بقى."
قال ياسين بصوت يملؤه اليقين المرعب:
"بص في عنيهم.. قولي لون القزحية إيه. ولو قدرت، صورلي شبكية العين وابعتها."
"ياسين، أنت شارب حاجة؟ الناس دي ميتة بقلبها، مال عينيها بالموضوع؟"
صرخ ياسين لأول مرة، صرخة جعلت صوته يرتد من جدران المكتب الخالية:
"اعمل اللي بقولك عليه يا مجدي! في نمط.. في نمط ابن كلب بيحصل والناس دي مماتتش صدفة. الناس دي اتطفت!"
أغلق ياسين الخط، لكن الهاتف ظل معلقاً في يده وكأنه قطعة جليد تلسع جلده. الصمت عاد ليخيم على الغرفة، لكنه لم يعد صمتاً مريحاً؛ كان صمتاً مشحوناً، ثقيلاً، كأن الهواء نفسه قد تكثف ليصبح سائلاً لزجاً يعيق التنفس.


على الشاشة، كان فيديو الشيخ عبد التواب لا يزال متوقفاً عند اللحظة الأخيرة. جسد الشيخ يميل للأمام، فمه مفتوح على آخره، ليس للنداء بـ "**** أكبر"، بل لشيء آخر.. لصرخة لم تخرج.


أعاد ياسين تشغيل المقطع، لكن هذه المرة قام بعزل الصوت المحيط، ورفع وتيرة "الفلاتر" الصوتية ليلغي ضوضاء الشارع ويركز فقط على الميكروفون المثبت في ياقة جلباب الشيخ.


سمع صوت أنفاس الشيخ اللاهثة، حفيف ملابسه، ثم.. صوت آخر.


صوت خافت جداً، تردد منخفض للغاية (Low Frequency) لا تسمعه الأذن البشرية بسهولة، لكن "المخطط البياني" للموجات الصوتية على الشاشة التقطه.


كان صوتاً يشبه.. التمزيق. كأن أحدهم يمزق قماشاً سميكاً، أو ربما يمزق الستار الفاصل بين مكانين.


ارتفع رنين هاتفه مرة أخرى، قاطعاً حبل أفكاره بفظاظة. الاسم على الشاشة: مجدي - المشرحة.


مرت عشر دقائق فقط. سرعة استجابة مجدي تعني شيئاً واحداً: الكارثة وقعت.


فتح الخط، وقبل أن ينطق بكلمة، جاءه صوت مجدي متهدجاً، لاهثاً، وكأنه ركض ماراثوناً للتو:


"ياسين.. أنت لسه في المكتب؟"


رد ياسين ببرود مصطنع ليوازن رعب صديقه:


"أيوه. شفت إيه يا مجدي؟"


سكت مجدي للحظة، وسمع ياسين صوت ولاعة وصوت "نفس" سيجارة عميق يتم سحبه بتوتر:


"أنا شفت بلاوي ياما يا صاحبي.. شفت ناس محروقة، ومتقطعة، وغرقانة.. بس قسماً ب**** ما شفت اللي شفته ده."


ضيق ياسين عينيه:


"أوصفلي. ما تقوليش انطباعات، اديني بيانات وصفية."


قال مجدي بصوت يرتجف:


"فتحت ثلاجة الدكتور عز الدين الأول. ظاهرياً الجثة سليمة، زي الفل، وش راجل عجوز نايم. رفعت جفنه.."


صمت مجدي وكأنه يستجمع شجاعته:


"مفيش قزحية يا ياسين.. ومفيش بياض. العين كلها سودة.. سواد حالك، كأن حد كب حبر جوه عينه. والألعن من كده.. العين مش مسطحة."


"يعني إيه مش مسطحة؟"


"يعني البؤبؤ.. أو المكان اللي المفروض يكون فيه البؤبؤ.. غائر لجوة. كأن العين انفجرت من جوه لبره، أو.. كأن حاجة شفتطت النور اللي فيها. ولما روحت لجثة الأسطى خميس.. نفس المنظر بالظبط."


شعر ياسين بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري. نظريته عن "النمط" لم تعد مجرد أرقام، بل تحولت إلى حقيقة بيولوجية مرعبة.


سأل ياسين بصوت خافت:


"مجدي.. هل في أي نزيف في المخ؟ أو علامات جلطة؟"


"لا.. وده اللي هيجنني. عملت أشعة مقطعية سريعة. المخ سليم تشريحياً.. بس (ميت). الخلايا العصبية دبلانة كأنها ميتة من سنين مش من ساعات. كأن الكهربا اتسحبت من الدماغ مرة واحدة."


ثم خفض مجدي صوته وكأنه يخشى أن تسمعه الجثث:


"ياسين.. في حاجة كمان. وأنا واقف بكتب التقرير المبدئي.. النور في المشرحة رعش. ولما بصيت في المراية اللي فوق الحوض.. شفت خيال ورايا. مش خيال حد معدي.. لا.. خيال طالع من الجثة نفسها."


قاطعه ياسين بحزم:


"مجدي، اسمعني كويس. اقفل المحضر على أنها سكتة قلبية. متكتبش حرف عن العين، اكتب (تغيرات لونية بعد الوفاة) وخلاص. واطلع من المشرحة فوراً. روح بيتك."


"أنت فاهم حاجة أنا مش فاهمها صح؟ ياسين، الناس دي ماتت إزاي؟"


"مش وقته. روح دلوقتي، وبكرة الصبح هاتلي صور الأشعة دي على فلاشة، إياك تبعتها إيميل."


أغلق الخط.


لم يعد هناك مجال للشك. هؤلاء الثلاثة رأوا شيئاً في تلك الثانية المشؤومة.. 11:11:43. شيئاً قوياً لدرجة أنه أحرق عيونهم وأفرغ أدمغتهم.


عاد ياسين للوحة المفاتيح، لكن هذه المرة لم يبحث عن وفيات. كتب اسم "عز الدين مختار" في محرك بحث خاص بالأرشيف الأكاديمي.


ظهرت عشرات الأبحاث للدكتور الفيزيائي. عناوين معقدة عن "نظرية الأوتار"، "المادة المظلمة"، و"الأبعاد المتوازية".


ثم بحث عن "الأسطى خميس". لم يكن له أبحاث بالطبع، لكن ياسين بحث في سجلات الشرطة القديمة، وفي وسائل التواصل الاجتماعي. وجد صفحة فيسبوك باسم "ورشة الديب". المنشورات عادية، أدعية دينية، صور سيارات، نكت.


لكن صورة واحدة استوقفت ياسين.


صورة لخميس وهو يقف مبتسماً أمام سيارة "جيب" قديمة قام بتجديدها. السيارة كان لونها أسود، وعلى بابها رسم غريب.. رسم لعين داخل مثلث، لكن المثلث مقلوب.


قلب ياسين بسرعة في صور الدكتور عز الدين. وجد صورة له في مؤتمر علمي في سويسرا. كان يرتدي بدلة أنيقة، وفي جيب البدلة منديل مطوي.. وعلى دبوس رابطة العنق نفس الرمز.. مثلث مقلوب بداخله عين.


"الرمز.." همس ياسين.


تحركت يده تلقائياً نحو ورقة بيضاء وقلم رصاص. بدأ يرسم المثلث والعين. خطوط يده كانت تتحرك بعصبية.


وفجأة، توقف القلم.


شعر بلسعة في مؤخرة رأسه. ذلك الشعور الذي يأتيك عندما ينظر إليك أحدهم في الظلام.


رفع رأسه ببطء عن المكتب. الغرفة واسعة، والظلام يلف الزوايا.


لكن نظره "المختلف" التقط شيئاً.


في الزاوية البعيدة، بجوار خزانة الملفات الحديدية، كان الظل أكثر كثافة من المعتاد. الظلال عادة تكون رمادية أو سوداء باهتة، لكن هذا الظل كان "أسود" بعمق يشبه وصف مجدي لعيون الموتى.


خلع ياسين نظارته، وفرك عينيه، ثم نظر مرة أخرى.


لم يكن يتخيل. الظل يتحرك. ليس حركة عشوائية، بل يتموج كدخان يخرج من شق في الأرض.


"مين هناك؟" سأل ياسين بصوت خرج مهزوزاً رغم محاولته الثبات.


لم يأتِ رد صوتي، لكن شاشات الكمبيوتر الثلاث أمامه ومضت فجأة باللون الأبيض، ثم انطفأت دفعة واحدة.


عم الظلام الدامس.


جلس ياسين متسمراً في كرسيه، يسمع دقات قلبه تضرب في أذنيه كطبول الحرب.


وفي الظلام، بدأت عيناه تتكيفان، أو بالأحرى.. بدأت "قدرته" تعمل رغماً عنه.


رأى خيوطاً رفيعة، مشعة بضوء بنفسجي باهت جداً، تمتد من الزاوية التي بها الظل، وتزحف على الأرض باتجاه مكتبه. كانت تشبه عروق نبات طفيلي ينمو بسرعة.


الخيوط لم تكن مادية.. كانت "بيانات". عقله يترجم الطاقة التي يراها إلى بيانات.


رأى أرقاماً ورموزاً تسبح في الهواء حول الظل الكثيف.


مد يده ببطء شديد نحو درج مكتبه، حيث يحتفظ بكشاف طوارئ صغير.


أمسك الكشاف، ووجهه نحو الزاوية وضغط الزر.


الضوء الأبيض الشديد شق الظلام.


لم يكن هناك أحد.


اختفى الظل الكثيف. عادت خزانة الملفات لطبيعتها.


تنهد ياسين بارتياح، ومسح العرق عن جبهته.


"خيالات.. قلة نوم وأدوية.." تمتم لنفسه وهو يهم بالوقوف ليعيد تشغيل الكهرباء.


لكن عندما نظر إلى سطح مكتبه الخشبي، تجمد في مكانه.


الورقة البيضاء التي كان يرسم عليها الرمز..


لم تكن فارغة، ولم يكن عليها رسمه فقط.


كانت هناك بصمة يد.. كف بشري، لكنه ضخم جداً، ومطبوع على الورقة وكأن أحدهم غمس يده في رماد ساخن وضغط عليها.


والأسوأ من ذلك.. أن البصمة كانت بسبعة أصابع.


تراجع ياسين للخلف حتى اصطدم كرسيه بالحائط.


هذا لم يعد "شذوذاً إحصائياً".


هذا "اختراق".


أحدهم.. أو شيء ما.. كان هنا معه في الغرفة، وقرأ ما يكتبه.


رن هاتفه مرة ثالثة.


قفز قلبه في صدره. نظر للشاشة.


رقم غير مسجل. لا بيانات. (Unknown Number).


تردد للحظة، ثم ضغط زر الرد وفتح مكبر الصوت، دون أن ينطق بكلمة.


جاءه صوت من الطرف الآخر.. صوت إلكتروني مشوه، كأنه مركب من مئات الأصوات البشرية المتقطعة:


"يا-سين.. عبد.. الحميد.."


بلع ياسين ريقه بصعوبة وقال بصوت مبحوح:


"مين معايا؟"


رد الصوت بنبرة خالية من المشاعر:


"أنت تبحث عن النمط.. لكن النمط بدأ يبحث عنك. توقف عن النظر.. وإلا ستفقد عينيك مثلهم."


انقطع الخط.


نظر ياسين للورقة ذات البصمة السباعية، ثم للغرفة المظلمة. الخوف كان ينهش أحشاءه، لكن عقله التحليلي كان يعمل بطاقة قصوى.


التهديد يعني أنهم خائفون.


وإذا كانوا خائفين، فهذا يعني أنه أمسك بطرف الخيط الصحيح.


لملم أوراقه بسرعة، انتزع القرص الصلب (Hard Disk) من جهاز الكمبيوتر الرئيسي، ودسه في حقيبته الجلدية المهترئة.


نظر لساعته.


11:55 مساءً.


لقد انتهى وقت العمل الروتيني. وبدأ وقت الهرب.


خرج من المكتب وأغلق الباب خلفه، لكنه لم يتجه للمصعد. حدسه أخبره أن المصعد فخ. اتجه لسلالم الطوارئ.


وبينما هو ينزل الدرجات الرخامية المظلمة، كان يرى في الظلال المتراقصة على الجدران أشكالاً تلاحقه.. عيوناً تراقب.. وهمسات بلغة لا يفهمها، لكنه يشعر بقدامتها.


الليلة، "ياسين" الإحصائي مات.


وولد "ياسين" الذي يرى ما لا يجب أن يُرى.
كانت درجات السلم الرخامية تمتد أمامه كحلقات لولبية لا تنتهي، تغوص في جوف الأرض. صوت خطواته اللاهثة كان يتردد صداه في بئر السلم الضيق، مختلطاً بصوت آخر.. صوت لم يكن متأكداً إن كان حقيقياً أم من نسيج خياله المريض. كان صوتاً يشبه حفيف أجنحة حشرة ضخمة تحتك بالجدران، تتبعه بمسافة طابقين للأعلى.
لم يجرؤ ياسين على النظر خلفه. عقله الباطن كان يصرخ به أن النظر للخلف يعني الهلاك، كأن مجرد "الرؤية" سيمنح هذا الكيان الإذن بالوجود المادي.
أثناء نزوله السريع، كانت الأرقام تقفز أمام عينيه رغماً عنه. عدد الدرجات في كل طابق: أربع وعشرون درجة. ارتفاع الدرجة: سبعة عشر سنتيمتراً. زاوية الانحناء. كل شيء يتحول لبيانات.
لكن البيانات هذه المرة كانت مشوشة. الخطوط الهندسية للسلم بدت وكأنها تتموج، كأن المبنى نفسه يتنفس، يضيق عليه ليخنقه.
وصل للطابق الأرضي، واندفع نحو الباب الحديدي الثقيل الذي يفصل السلم عن بهو المبنى الرئيسي. دفع الباب بكتفه النحيل، ليخرج إلى الإضاءة الصفراء الباهتة للبهو.
كان "صلاح" يجلس خلف مكتب الاستقبال الخشبي، ورأسه يميل للأمام في غفوة قصيرة، والراديو بجانبه يبث أغاني قديمة مشوشة.
انتفض الحارس فزعاً عند سماع ارتطام الباب، وكاد يوقع كوب الشاي.
"بسم **** الرحمن الرحيم! أستاذ ياسين؟ في إيه يا ابني؟ نازل جري كده ليه كأن في حريقة؟"
توقف ياسين لثانية ليلتقط أنفاسه. كان عليه أن يبدو طبيعياً. أن يمثل دور الموظف المنهك، لا الهارب من كيان غيبي. مسح العرق عن جبينه بكم قميصه، وحاول رسم ابتسامة باهتة، لكنها خرجت ككشرة ألم.
قال بصوت متقطع:
"مفيش يا عم صلاح.. نسيت الدوا بتاعي في البيت.. وحسيت بكرشة نفس، قولت أنزل أتمشى في الهوا شوية."
حدق فيه صلاح بارتياب، وعيناه تتفحصان حقيبة اللابتوب التي يضمها ياسين لصدره وكأنها *** رضيع.
"دوا إيه ده اللي يخلي وشك أصفر زي الليمونة كده؟ استنى أجيبلك ميه بسكر.."
تراجع ياسين للخلف خطوة، عيناه مسلطتان على الظلال القابعة خلف عمود الرخام الضخم في زاوية البهو. هل تحرك الظل؟
"لا لا.. ملوش لزوم. أنا هاخد تاكسي واروح. تصبح على خير."
وقبل أن يعترض صلاح، كان ياسين قد اندفع خارج البوابة الزجاجية للمبنى، تاركاً الحارس يتمتم بكلمات غير مفهومة عن "شباب اليومين دول".
استقبلته شوارع وسط البلد بنسمة هواء حارة ومحملة بعوادم السيارات. الساعة تجاوزت منتصف الليل، لكن القاهرة لا تنام تماماً. سيارات الأجرة تجوب الشوارع كخنافس معدنية، وأضواء المقاهي الجانبية لا تزال تلمع.
وقف ياسين على الرصيف، يحاول السيطرة على ارتجاف يديه.
هنا، في الشارع، كانت "الرؤية" أسوأ.
عادة ما كان الزحام يخفي التفاصيل، لكن الليلة، بدا وكأن "النمط" قد استيقظ في كل مكان.
رأى أرقام لوحات السيارات المارة تترابط ببعضها في معادلات عبثية.
السيارة الأولى: أ ب ج 114
السيارة الثانية: س ص ع 341
مجموع الأرقام يقبل القسمة على 7.
عدد أعمدة الإنارة في الشارع.. 14 عموداً، واحد منهم مطفأ.
رجل يعبر الشارع بقميص مخطط.. عدد الخطوط يتطابق مع عدد النوافذ المضاءة في العمارة المقابلة.
أغمض عينيه بقوة، ضاغطاً بيده على جفنيه حتى رأى نجوماً ملونة.
"بطل.. بطل تفكر.. دي مش رسايل، دي صدف.. صدف.."
همس لنفسه، لكنه كان يعلم أنها ليست صدفاً. العالم كان "كوداً" برمجياً ضخماً، وهناك "فيروس" قد ضرب النظام، وهو الوحيد الذي يرى الـ (Error Logs).
أشار لسيارة تاكسي قديمة متهالكة. توقف السائق، رجل عجوز بملامح أنهكها الزمن، وصوت أم كلثوم يصدح من الكاسيت: "أروح لمين.. وقول يا مين.."
فتح ياسين الباب الخلفي وانزلق للداخل، وكأنه يختبئ في كهف.
"على فين يا أستاذ؟"
تردد ياسين. منزله في "مصر الجديدة" مكشوف. عنوانه مسجل في ملفات العمل، وفي بطاقته. إذا كان هؤلاء "الكيانات" أو تلك "المنظمة" يعرفون رقم هاتفه، فهم يعرفون عنوانه.
تذكر مكاناً قديماً.. شقة جده الراحل في حي "الخليفة". شقة مغلقة منذ سنوات، تقع في زقاق ضيق لا تدخله السيارات، وسط بيوت قديمة متلاصقة تحجب السماء. مكان خارج "الشبكة". مكان لا توجد به كاميرات مراقبة حديثة.
قال ياسين بصوت منخفض:
"القلعة.. نزلني عند ميدان القلعة."
انطلق السائق، وعاد ياسين يراقب الطريق من النافذة الخلفية. لم تكن هناك سيارة تتبعه بوضوح، لكنه لم يطمئن.
أخرج هاتفه، نزع الشريحة (SIM Card) وكسرها نصفين، ثم فتح النافذة وألقى بها في الهواء.
نظر إليه السائق في المرآة باستغراب، لكنه لم يعلق. في ليل القاهرة، يرى السائقون أشياء أغرب من ذلك بكثير.
بعد نصف ساعة، كان ياسين يترجل في ميدان القلعة. انتظر حتى غاب التاكسي، ثم سار على قدميه في الأزقة الضيقة المؤدية لمنطقة "الأباجية" والمقابر القديمة، ثم انحرف نحو الأزقة السكنية المكتظة.
وصل أخيراً لبناية قديمة من طراز الثلاثينيات، بابها خشبي ضخم ومتهالك. صعد السلالم المظلمة التي تفوح منها رائحة الغبار والبصل المقلي من شقق الجيران.
وصل للدور الثالث. أخرج سلسلة مفاتيح صدئة من جيب صغير في حقيبته. حاول مراراً حتى انفتح الباب بأنين مزعج.
دخل وأغلق الباب خلفه بسرعة، وأوصد الترس (الترباس) الحديدي القديم.
الشقة كانت كما تركها آخر مرة منذ عامين. الأثاث مغطى بملاءات بيضاء تشبه الأشباح الساكنة. رائحة النفتالين خانقة. طبقة كثيفة من الغبار تغطي كل شيء.
لم يشعل الأنوار. اكتفى بضوء القمر المتسلل من شيش الشرفة المكسور.
تحرك وسط الأثاث المغطى كأنه لص، حتى وصل لغرفة المكتب القديمة.
أزاح الغطاء عن المكتب، وجلس.
أخرج اللابتوب الخاص به (وليس جهاز العمل)، وقام بتوصيل "القرص الصلب" الذي انتزعه من جهاز الهيئة. ثم أخرج الفلاشة التي كان يحتفظ بها دائماً كنسخة احتياطية.
حان وقت العمل.
فتح الملفات التي سرقها. تقارير الوفيات الثلاثة.
ثم فعل شيئاً آخر. قام بفتح برنامج للخرائط الجغرافية (GIS) كان قد صممه بنفسه للتسلية.
أدخل إحداثيات أماكن الوفاة بدقة متناهية.
شقة الزمالك.
ورشة بولاق.
**** دمياط.
ظهرت ثلاث نقاط حمراء على خريطة مصر.
وصل بينهم بخطوط وهمية.
تشكل مثلث. مثلث حاد الزاوية. رأسه يقع في دمياط، وقاعدته تمتد بين القاهرة والجيزة.
"مركز المثلث.." همس ياسين.
قام بحساب المركز الهندسي (Centroid) لهذا المثلث.
النقطة تقع في منطقة صحراوية، شرق الدلتا. لا يوجد عمران هناك. مجرد رمال.. وبعض الآثار القديمة المنسية.
فجأة، تذكر "الفلاشة" التي طلبها من مجدي. كان مجدي قد أرسل له الصور عبر تطبيق مشفر قبل أن يغلق ياسين هاتفه. ولحسن الحظ، كان ياسين قد حمل الصور على اللابتوب قبل كسر الشريحة.
فتح صورة "الأشعة المقطعية" لمخ الدكتور عز الدين.
المخ بدا طبيعياً للعين المجردة، لكن ياسين قام بتفعيل "فلتر الكثافة" (Density Filter).
شهق فزعاً.
المسارات العصبية في المخ.. تلك التي تنقل الكهرباء.. لم تكن عشوائية كما هو مفروض.
كانت الخلايا الميتة تشكل نمطاً هندسياً دقيقاً داخل نسيج المخ نفسه.
رسمة.. تشبه الوشم المحفور بالليزر.
قرب الصورة أكثر.
الرسمة كانت عبارة عن أحرف. ليست عربية، ولا لاتينية، ولا هيروغليفية.
كانت أحرفاً مسمارية حادة الزوايا، تشبه تلك التي رآها مرة في كتاب عن حضارات ما قبل الطوفان.
حاول قراءتها، لكنه لم يفهم. ومع ذلك، بمجرد أن ركز بصره على الرموز داخل صورة المخ، شعر بذلك "التمزق" في رأسه مرة أخرى.
النزيف الأنفي عاد، قطرة ددمم سقطت على لوحة المفاتيح.
وفجأة، تحرك المؤشر على الشاشة وحده.
فتح ملفاً نصياً جديداً (Notepad).
بدأت الحروف تُكتب بسرعة جنونية، وكأن شخصاً آخر يطبع بأصابع خفية:
"أنت تراهم. إذن هم يرونك."
"العين بالعين.. والبادئ أظلم."
"ابحث عن الإرث يا ياسين. ابحث عن جدك."
انتفض ياسين مبتعداً عن المكتب، والكرسي يسقط خلفه بصوت مدوٍ.
"جدي؟"
جده كان مجرد عطار بسيط في الحسين، مات منذ عشرين عاماً. ما علاقته بهذا؟
نظر ياسين نحو مكتبة الكتب القديمة في الغرفة، تلك التي ورثها عن جده ولم يفتحها قط. كتب صفراء، مجلدات ضخمة مأكولة الأطراف.
شعر بـ "خيط" رفيع من الضوء يخرج من صدره ويربطه بأحد الكتب في الرف العلوي.
لم يكن سحراً. كان حدسه يصرخ به. "الإجابة هناك".
تقدم بخطوات مرتجفة، ومد يده ليتناول الكتاب. كان مجلداً قديماً بعنوان غريب: "تحفة الأعيان بسيرة أهل الزمان".
فتح الكتاب عشوائياً.
سقطت منه ورقة مطوية.
التقطها ياسين. كانت رسالة بخط اليد.. خط جده. وتاريخها يعود لعام 1995.
بها كلمات غير مفهومه من يراها يظن انها مجرد شخبطه لا معني له
الرعب لم يختفِ، لقد زاد لم يفهم من الرساله سوي كلمه واحده وهي
نظر من ثقب شيش الشرفة إلى الشارع المظلم بالأسفل.
رأى سيارة سوداء، مظللة بالكامل، تقف ببطء عند مدخل الزقاق. محركها مطفأ، لكن أضواءها الأمامية تومض بإيقاع خافت.. مرة طويل، مرتان قصير.
إشارة.
"لقد وجدوني."
قالها ياسين بصوت خالٍ من الخوف، ومليء بالتصميم البارد.
التفت حوله، وبدأ يجمع أغراضه بسرعة. لم يعد هناك مكان آمن.
كان عليه أن يتحرك. عليه أن يصل الي المنيا وهناك ليفعل **** ما يريد

لم يكن الخوف هو ما يسيطر على ياسين في تلك اللحظة، بل كان شيئاً أقرب إلى "الوضوح البارد". حينما يرتفع الأدرينالين في دماء البشر العاديين، تتشوش رؤيتهم وتضطرب قراراتهم، لكن بالنسبة لياسين، كان الخطر بمثابة "تحديث للنظام". كل ثانية تمر كانت تتحول إلى معادلة زمنية يجب حلها للبقاء على قيد الحياة.

وقف بجانب النافذة، موارياً جسده خلف مصراع الشيش المكسور، يراقب المشهد في الزقاق الضيق بالأسفل. السيارة السوداء لم تكن تتحرك، لكن أبوابها انفتحت في صمت مريب. نزل منها ثلاثة رجال. لم يكونوا يرتدون الزي الرسمي للشرطة، ولا الملابس المدنية المعتادة للمخبرين. كانوا يرتدون بذلات رمادية داكنة، متشابهة لدرجة التطابق، وكأنهم نُسخ كربونية خرجت من مصنع واحد.

حركتهم لم تكن بشرية تماماً؛ كانت سلسة أكثر من اللازم، خالية من التردد أو التلكؤ. لم يرفع أحدهم رأسه لينظر للشرفة، بل اتجهوا مباشرة نحو باب العمارة الخشبي المتهالك.

همس ياسين لنفسه بصوت مرتجف:
"دول مش حكومة.. الحكومة بتخبط أو بتكسر الباب.. دول داخلين كأن معاهم المفتاح."

نظر إلى ساعة يده.
"المسافة من مدخل العمارة لباب الشقة: 46 درجة سلم. لو طلعوا مشي عادي هياخدوا 35 ثانية. لو جريوا.. 15 ثانية. ولو ركبوا الأسانسير المعطل.. مش هيركبوه."

التفت ياسين حوله بسرعة ماسحاً الغرفة بعينيه. الباب هو المخرج الوحيد الطبيعي، وهذا يعني أنه فخ محقق. الشقة في الدور الثالث، القفز من الشرفة إلى الشارع يعني كسوراً مضاعفة في الساقين بنسبة 90%، واحتمالية الموت بنسبة 10%.

"النسبة غير مقبولة.." تمتم ياسين وهو يمسح العرق الذي بدأ يتجمع فوق شفتيه.

بدأت "الرؤية" تعمل.
تحول أثاث الغرفة وجدرانها في عينه إلى خطوط هندسية زرقاء شفافة. رأى هيكل المبنى القديم. الجدران سميكة، مبنية من الحجر الجيري القديم، لكن السقف.. السقف كان من العروق الخشبية المغطاة بطبقة من الجبس والقش، وهو نمط بناء شائع في بيوت الثلاثينيات.

رفع رأسه لأعلى. في زاوية السقف، كانت هناك بقعة رطوبة قديمة تسببت في تآكل الجبس. ومن خلال الثقب الصغير، رأى شعاع ضوء خافت جداً.
"المنور.."

لم يكن هناك وقت للتفكير. حمل حقيبة اللابتوب وربطها بإحكام حول صدره، ثم دفع طاولة المكتب الثقيلة ليغلق بها باب الغرفة كإجراء تعطيل مؤقت.
سحب خزانة الكتب القديمة وأسقطها أرضاً لتكون "سلماً" يصعد عليه للوصول لفتحة المنور في السقف.

في تلك اللحظة، سمع صوتاً عند باب الشقة الخارجي. لم يكن صوت طرق أو خلع.. كان صوت "أزيز". كأن أحدهم يمرر شعلة لحام على القفل الحديدي القديم. المعدن يصرخ تحت وطأة حرارة مفاجئة.

"يا نهار أسود.. دول بيسيحوا الكالون!"

قفز ياسين فوق خزانة الكتب المقلوبة، ومد يده ليمسك بحافة الفتحة الموجودة في السقف المستعار. الجبس تفتت تحت أصابعه، وسقط الغبار في عينيه، لكنه لم يرمش. تحسس بيده عرقاً خشبياً متيناً وشد جسده لأعلى.

لم يكن ياسين رياضياً. عضلات ذراعيه صرخت ألماً، وأحس بتمزق بسيط في كتفه الأيمن، لكن رعب الموت كان دافعاً أقوى من أي تدريب رياضي.
رفع نصف جسده العلوي ودخل في الفراغ الضيق بين سقف الشقة وأرضية السطح. كانت مساحة خانقة، مليئة بخيوط العنكبوت والفئران الهاربة. زحف على بطنه وسط الغبار الكثيف، متجهاً نحو فتحة التهوية الرئيسية التي تطل على "منور" العمارة.

سمع صوت باب الشقة بالأسفل يُفتح ببطء. ثم صوت خطوات هادئة وثقيلة على البلاط القديم.
توقف عن التنفس.
هل يسمعون دقات قلبه؟ هو يسمعها كأنها طبول حرب في أذنيه.

وصل لفتحة المنور. نظر منها للأسفل. مواسير الصرف الصحي القديمة المصنوعة من الزهر (الحديد الثقيل) تمتد بطول المبنى.
"المواسير دي متهالكة.. معامل الصدأ فيها عالي. احتمالية الكسر لو حملت وزني كله عليها: 60%."
نظر للأعلى. المسافة لسطح العمارة حوالي مترين ونصف.

"مفيش حل تاني."

خرج ياسين بجسده من فتحة التهوية، وتلقف ماسورة الصرف الباردة والدبقة بيديه. احتضنها بساقيه وذراعيه. الماسورة اهتزت وأصدرت صريراً معدنيأً مخيفاً تردد صداه في المنور الضيق.
تسمر مكانه.
بالأسفل، من نافذة مطبخ شقته، أطل رأس أحد الرجال الثلاثة.
لم يرَ وجهه بوضوح في الظلام، لكنه رأى شيئاً جعل دمه يتجمد.
الرجل لم يكن ينظر بعينيه. كان يرتدي نظارة سوداء سميكة، وبيده جهاز صغير يمسح به الجدران.

"حرارة.." أدرك ياسين فوراً. "بيتبعوا البصمة الحرارية."

بدأ ياسين يتسلق لأعلى بكل قوته، متجاهلاً احتكاك الحديد الصدئ الذي مزق بنطاله وجرح فخذه. كل حركة كانت تسبب اهتزازاً في الماسورة.
"بسرعة.. بسرعة.. المتغير الزمني بيقل.."

وصل لحافة السطح. القى بيده ليمسك سور السطح الأسمنتي، وسحب جسده المنهك ليلقيه على أرضية السطح الخشنة المغطاة بالحصى والقمامة القديمة.
لم يتوقف ليرتاح. زحف بعيداً عن الحافة، ثم نهض منحنياً وبدأ يركض عبر السطح.

بيوت حي الخليفة والقلعة متلاصقة، تشكل شبكة معقدة من الأسطح المتصلة أحياناً والمنفصلة بأزقة ضيقة أحياناً أخرى.
كان ياسين يركض، وعيناه ترسمان المسار أمامه.
"فجوة متر ونص.. قفزة ممكنة. سور مائل.. زاوية انزلاق. كابلات دش.. عائق."

قفز من سطح بنايته إلى سطح البناية المجاورة. هبط بتعثر وكاد يلتوي كاحله، لكنه استعاد توازنه وأكمل الركض.
عندما وصل للسطح الثالث، توقف خلف خزان مياه خرساني ضخم ليلتقط أنفاسه. صدره كان يعلو ويهبط بعنف، ورئتاه تحترقان.

نظر خلفه نحو عمارة جده.
رأى الثلاثة رجال وقد صعدوا إلى السطح خلفه. حركتهم كانت متطابقة بشكل مرعب، يجرون بنفس الإيقاع، بنفس فتحة القدم.
أحدهم توقف، ورفع يده وأشار باتجاه ياسين المختبئ.

"شافوني إزاي؟ أنا ورا الخزان!"
ثم تذكر. نظارات الرؤية الحرارية. الخزان الأسمنتي بارد، وجسده يشتعل حرارة من الجري. هو يلمع في عيونهم مثل شعلة نارية في ليل دامس.

"يا ابن الغبية يا ياسين.. الفيزياء مش في صالحك المرة دي."

نظر أمامه. نهاية السطح تطل على شارع رئيسي. المسافة للشارع خمسة طوابق. السقوط يعني الموت.
لكن على بعد ثلاثة أمتار، كانت هناك مئذنة لمسجد أثري قديم، تلتصق قاعدتها بالمبنى المجاور، ولها سلم خارجي مخصص للصيانة يلتف حولها.
المسافة بين سطحه وبين قاعدة المئذنة حوالي مترين ونصف.
قفزة انتحارية.

"المسافة 2.5 متر. سرعة الجري المطلوبة 6 متر/ثانية. زاوية القفز 45 درجة."
حسبها في جزء من الثانية.
النتيجة: احتمالية النجاح 40%. احتمالية السقوط 60%.

نظر للخلف. الرجال الثلاثة يقتربون. أخرج أحدهم شيئاً من جيبه. بدا كمدسس كاتم للصوت، لكن فوهته كانت تشع ضوءاً أحمر خافتاً.

"الأربعين في المية أحسن من الصفر في المية."

تراجع ياسين للخلف عدة خطوات ليأخذ مسافة للجري.
أخذ نفساً عميقاً ملأ به رئتيه برائحة التراب وعوادم القاهرة.
"يا رب.. يا رب سترك."

انطلق ياسين بأقصى سرعة تستطيعها ساقاه النحيلتان.
حين وصل لحافة السطح، ضغط بكل قوته على قدمه اليمنى، ودفع جسده في الهواء.
للحظة واحدة.. طار ياسين فوق الزقاق المظلم.
رأى الأسفلت تحته بمسافة قاتلة.
شعر بالهواء يلفح وجهه.
بدا الزمن وكأنه تباطأ. رأى تفاصيل أحجار المئذنة القديمة، الشقوق فيها، العش الصغير للحمام..

ثم ارتطم.
اصطدم صدره بالحافة الحجرية لقاعدة المئذنة، لكن يديه نجحتا في التشبث بالقضيب الحديدي للسلم الخارجي.
شعر بخلع عنيف في كتفه، وصرخة مكتومة خرجت من بين أسنانه.
تأرجح جسده في الهواء، قدماه ترفسان الفراغ بحثاً عن مرتكز.

"امسك.. امسك يا ياسين.. متسيبش!"

بالأعلى، وقف الرجال الثلاثة على حافة السطح الذي قفز منه. نظروا إليه وهو معلق كالثمرة في الهواء.
رفع أحدهم المسدس وصوبه نحوه.
أغمض ياسين عينيه، منتظراً الرصاصة.
لكن.. لم يحدث شيء.
خفض الرجل سلاحه. وبدأ الثلاثة يتراجعون ببطء، وكأنهم تلقوا أمراً بالانسحاب.

"ليه؟" سأل ياسين نفسه وهو يصارع لسحب جسده لأعلى السلم.
لماذا لم يطلقوا النار؟ كان هدفاً سهلاً.
هل يريدونه حياً؟ أم أن هناك سبباً آخر؟

نظر حوله. هو الآن على مئذنة **** أثري. المسجد يقع في ميدان عام مزدحم بالناس حتى في هذا الوقت المتأخر.
"شهود.."
أدرك ياسين السبب. هم قتلة محترفون، لكنهم يعملون في الظل. قتل رجل معلق على مئذنة أمام المارة والسيارات سيجذب انتباهاً لا يريدونه. أو ربما.. حرمة المكان المقدس تمنعهم؟ لا، هذا احتمال رومانسي ساذج. السبب هو الشهود.

تحامل على ألمه، وصعد السلم الحديدي حتى وصل لشرفة المئذنة، ومنها نزل عبر السلم الحلزوني الداخلي للمسجد.
خرج من الباب الجانبي للمسجد وهو يعرج، يمسك بكتفه المصاب، ووجهه مغطى بالغبار وشباك العنكبوت.

نظر إليه خادم المسجد العجوز الذي كان يغلق الأبواب باستغراب:
"أنت مين يا ابني؟ ونازل من فوق إزاي؟"

لم يجبه ياسين. اندس وسط الزحام في الشارع، واختفى بين المارة.
كان قلبه ما زال يخفق بعنف، لكن عقله عاد ليعمل ببرود.

"المتغيرات اتغيرت. هما عارفين شكلي. عارفين قدراتي البدنية المحدودة. وعارفين إني لوحدي.
الخطوة الجاية: الخروج من القاهرة.
الهدف: سوهاج.
وسيلة النقل: القطر مستحيل، فيه تفتيش وبطاقة. الأتوبيس خطر. ميكروباصات الموقف.. هي الحل."

تحسس جيبه. محفظته ما زالت معه. وهاتفه (بدون شريحة) واللابتوب.
أوقف "توكتوك" كان يمر بجانبه.
"على موقف عبود.. بسرعة."

بينما التوكتوك يشق طريقه بتهور وسط السيارات، أخرج ياسين اللابتوب وفتحه، غير مبالٍ باهتزاز المركبة.
فتح ملف الصورة التي فيها "الرمز".
كبر الصورة، وبدأ يطبق عليها "فلتر" جديداً استوحاه من طريقة تحرك الرجال الثلاثة.
لقد تحركوا كآلات.. كشبكة واحدة.

"لو هما متصلين ببعض.. يبقى فيه سيرفر بيحركهم. أو عقل مركزي."
نظر للرمز (العين والمثلث).
"الرمز ده مش مجرد شعار.. ده (أنتينا). ده جهاز استقبال."

أغلق الجهاز ونظر للسماء المظلمة.
النجوم كانت باهتة بسبب تلوث المدينة، لكن ياسين رأى، لثانية واحدة، خطاً رفيعاً أحمر يقطع السماء من الشمال للجنوب.
مسار طاقة.
المسار كان يتجه للصعيد.


وصل التوكتوك للموقف الصاخب. أصوات السائقين، أبواق السيارات، رائحة العوادم. فوضى محببة. الفوضى هي المكان الوحيد الذي يمكنه الاختباء فيه من "النظام" الصارم لأعدائه.
بحث عن سيارة ميكروباص تنادي "سوهاج.. سوهاج..".

وجد واحدة، ركب في المقعد الخلفي، وانكمش على نفسه.
تحركت السيارة، وبدأت رحلة الهروب الكبرى.
لكن ياسين لم يكن يعلم أن ما يهرب منه في القاهرة، هو مجرد "ظل" لما ينتظره في الصعيد.
```eof
كمل يا برنس ويا ريت ما تتاخر بالجزء الجديد
 
الفكره جديده وطريقة السرد روعه مش وقت نفصل القصه بس بجد سلمت اناملك منتظره الجزء الثالث بفارغ الصبر والتقيم هيبقي في آخر القصه
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
نسوانجي كام أول موقع عربي يتيح لايف كام مع شراميط من أنحاء الوطن العربي
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 

المواضيع المشابهة

عودة
أعلى أسفل
0%