كلما مال النظام للتعقيد.. مال أكثر للعشوائية والخراب
نحن نعيش في عالم تحكمه قوانين فيزيائية صارمة، وأحد أشهر هذه القوانين هو "الإنتروبيا" (Entropy)، الذي ينص ببساطة على أن الأنظمة المعقدة تميل بمرور الوقت إلى الفوضى ما لم تُبذل طاقة هائلة للحفاظ عليها. وإذا نظرنا إلى الكون بأسره، لن نجد نظاماً أكثر تعقيداً، وبالتالي أكثر عرضة لهذه الفوضى، من الإنسان.
هذا المقال ليس محاكمة للأخلاق البشرية، بل هو محاولة لتشريح "الظلام البشري" لا كخطيئة، بل كضريبة حتمية يدفعها الإنسان مقابل تعقيده المفرط.
1. الدماغ البشري: آلة توليد الفوضى
الدماغ البشري هو أعقد شيء اكتشفناه في الكون حتى الآن. كتلة هلامية تزن حوالي 1.4 كجم، تحتوي على ما يقارب 86 مليار خلية عصبية، تتصل ببعضها عبر تريليونات من التشابكات.
- ضجيج الشبكة: تخيل مدينة عملاقة بحجم كوكب، مليئة بمليارات الأسلاك الكهربائية. احتمالية حدوث "ماس كهربائي" أو خطأ في نقل الإشارة في هذه الشبكة هو أمر حتمي وليس مجرد احتمال.
- تضارب البرمجيات: دماغنا ليس كتلة واحدة، بل هو طبقات تراكمت عبر التطور. لدينا "دماغ الزواحف" المسؤول عن الغرائز البدائية (القتل، الجنس، البقاء)، وفوقه "القشرة المخية الحديثة" المسؤولة عن المنطق والأخلاق.
- النتيجة: الجانب المظلم فينا هو في كثير من الأحيان مجرد "عطل تقني" ناتج عن صراع بين أنظمة متناقضة داخل جمجمة واحدة. العنف، القلق، والوساوس قد تكون مجرد ضجيج ناتج عن هذا التعقيد المفرط.
2. الجسم والوعي: السجن والحرية
الجسد البشري آلة بيولوجية دقيقة بشكل مرعب، لكن الوعي هو "البرمجية" التي جعلت هذه الآلة تدرك وجودها، وهنا تكمن المأساة.
- الوعي المفرط: الكائنات البسيطة تعيش اللحظة فقط. أما الإنسان، فبسبب تعقيد وعيه، يعيش الماضي (ندم)، والحاضر (قلق)، والمستقبل (خوف من الموت).
- الخيال المدمر: القدرة على التخيل هي أعظم ميزاتنا، لكنها هي نفسها التي تخلق السيناريوهات السوداوية، والخطط الشريرة، والمخاوف غير العقلانية. الجانب المظلم هنا هو "مخيلة منفلتة" لم يعد النظام قادراً على كبحها.
3. لماذا نملك جوانب مظلمة؟ (نظرية التعقيد)
الفكرة المثيرة هنا هي أن الشر أو الظلام داخل النفس البشرية ليس "دخيلًا" علينا، وليس دليلاً على فساد الروح بقدر ما هو أثر جانبي للتعقيد.
يمكن تلخيص هذه الرؤية في النقاط التالية:
- كلما زادت الأجزاء المتحركة، زادت احتمالية العطل: الصخرة لا تخطئ لأنها بسيطة. الساعة الدقيقة قد تخطئ لأنها معقدة. الإنسان يرتكب الفظائع لأنه يملك قدرات هائلة (شعور، تفكير، تخطيط) يمكن أن تنحرف عن مسارها بسهولة.
- الفوضى كحالة طبيعية: العنف والجنون والشر قد تكون هي حالة "الإنتروبيا" (الفوضى) التي يميل إليها النظام البشري عندما يفشل في ضبط توازنه الدقيق.
- هشاشة النظام: النظام المعقد هش جداً. خلل كيميائي بسيط في الدماغ (مثل نقص السيروتونين أو زيادة الدوبامين) كفيل بتحويل شخص مسالم إلى شخص مكتئب أو عدواني. هذا يثبت أن "الظلام" هو مجرد كيمياء معقدة اختل توازنها.
الخلاصة: التعاطف مع "الوحش"
إن فهمنا للنفس البشرية من هذا المنظور يغير طريقة حكمنا على أنفسنا وعلى الآخرين. نحن لسنا أشراراً بالفطرة، نحن كائنات تحاول تشغيل نظام تشغيل فائق التعقيد (الوعي) على أجهزة بيولوجية هشة وعرضة للأخطاء (الدماغ والجسد).
الجوانب المظلمة فينا هي الظل الذي يلقيه تعقيدنا. هي الثمن الذي ندفعه مقابل قدرتنا على كتابة الشعر، وصعود القمر، والحب.
"نحن كائنات تسير على حبل مشدود فوق هاوية من الفوضى البيولوجية والنفسية، والمعجزة ليست في أننا نسقط أحياناً في الظلام، المعجزة هي أننا نتمكن من الحفاظ على توازننا معظم الوقت."