أنا سكرتير– سابق في عيادة نفسية متخصصة في علاج اضطرابات القلق والفوبيا.. واكتشفت سر خطير
مرضى الفوبيا بيموتوا واحد ورا التاني..
كل مريض بيموت من الشيء اللي عنده فوبيا منه
الدكتورة تاليا اعتمدت في علاجها إن المريض يقرب بالتدريج من مخاوفه..
علاج فعّال بس للأسف قفلت العيادة ورجعت أثينا بسبب تعب والدها.. ولحد النهارده المرضى بينفذوا تعليماتها
وانا بتواصل معاهم كل شهر وببلغ الدكتورة بالتطورات.. وخلال الشهر ده في حالتين ماتوا من أصل 7
ال 1 : عبود..
"يا عبود، بسررعة، لازم نستعجل."
سمع عبود صوت صديقه مراد وهو يناديه من أسفل السلالم، لكن قدميه كانتا ثابتتين في مكانهما. رفع رأسه لينظر إلى السماء، أو بالأحرى، إلى أعلى شرفة في البرج الزجاجي الشاهق أمامه. كان قلبه ينبض بعنف، وكأنّه محبوس في قفص ويريد الخروج.
"يلا يا عبود، أنتَ قدها، مش أنتَ اللي اخترت مكان الاجتماع بنفسك؟"
تذكّر عبود كلمات الدكتورة تاليا، طبيبته النفسية، "التعرّض التدريجي هو الحل، لازم تواجه خوفك، بس بشويش وعلى قد طاقتك."
قبل شهر، كان الأمر مختلفًا تمامًا. كانت نوبات الهلع تهاجمه بمجرد رؤية صورة لطائرة أو مبنى مرتفع. كان عبود، الرسام الموهوب، يعيش حياة طبيعية، لكنّه لم يكن يملك الشجاعة الكافية لمواجهة هذا الوحش الذي يسكن بداخله. بعد سلسلة من الجلسات مع الدكتورة تاليا، أقنعته بأنّ طريقته الوحيدة للتحرّر هي الاقتراب من الخوف نفسه.
بدأ بزيارة سطح مبنى منخفض، ثمّ مبنى أعلى، والآن، كان يقف أمام أكبر تحدٍّ: الاجتماع مع شركة "سكاي فيو" في الطابق الأخير من برج "التحدي". كانت الشركة قد عرضت عليه فرصة العمر، تصميم لوحة جدارية ضخمة تزين إحدى قاعات الاجتماعات، وكان عبود يعرف أنّ هذه الفرصة قد تغير حياته.
أخذ نفسًا عميقًا، وأغمض عينيه، وحاول أن يتذكّر كلمات الدكتورة تاليا: "ركّز على التفاصيل الصغيرة، على الخطوات التي تأخذها، على يدك التي تلامس الدرابزين، لا تنظر إلى الأسفل."
بدأ يصعد السلم خطوة بخطوة، وفي كلّ خطوة، كان يحاول إقناع نفسه بأنّ الأمر لا يختلف عن صعود سلم منزله. وصل إلى المصعد، ورأى وجهه الشاحب منعكسًا على بابه الزجاجي. كاد يتراجع، لكنّه تذكّر الحلم الذي رسمه لنفسه، وحبّه للفنّ، وقبل كلّ شيء، كلمات الدكتورة تاليا.
دخل المصعد، وضغط على زرّ الطابق الأخير. بدأت الأرقام تتصاعد بسرعة، وبدأ عبود يشعر بالدوار. أغمض عينيه مجددًا، وحاول أن يتخيل أنّه في مرسمه، وأنّه يرسم لوحة جديدة.
انفتح باب المصعد، ووجد نفسه في بهو واسع، تطلّ نوافذه الزجاجية على المدينة بأكملها. كانت الشمس تتلألأ على الأسطح، والسيارات تبدو كنقاط صغيرة تتحرّك ببطء في الشوارع. كانت مدينة القاهرة، التي يعرفها جيدًا، تبدو مختلفة تمامًا من هذا الارتفاع. كانت ساحرة ومرعبة في آن واحد.
اقترب من النافذة، وشعر بأنّ قلبه سينفجر. بدأ الهواء يثقل على صدره، ورأسه يدور. تذكّر كلمات الدكتورة تاليا، "إذا شعرت بالهلع، حاول أن تتنفس ببطء وعمق. عدّ حتى أربعة أثناء الشهيق، واحبس أنفاسك لثلاثة، ثمّ أخرجها ببطء."
بدأ عبود يفعل ذلك، وأخذ يغمض عينيه ويفتحهما على فترات متباعدة. نظر إلى يديه، ورأى أنّهما ترتجفان. حاول أن يرى جمال الصورة أمامه، لا رعبها. ّتخيل أنّه يرسم لوحة للمدينة من هذا المنظور، وأنّه يضيف الألوان والظلال إليها.
فجأة، لم يعد الخوف موجودًا. بل تحوّل إلى شعور مختلف. كان مزيجًا من الرهبة والدهشة والإعجاب. شعر وكأنّه فوق الغيوم، وكأنّه جزء من هذه اللوحة الفنية التي تطلّ على العالم.
في تلك اللحظة، سمع صوتًا خلفه، "هل أنتَ عبود؟"
استدار، ورأى مراد يقف بجانب رجل يرتدي حلة رسمية. "أستاذ عبود، هذا هو المدير التنفيذي لشركة 'سكاي فيو'."
ابتسم عبود، وشعر بانتصار كبير بداخله. كان قد تحدّى نفسه، ونجح.
بعد الاجتماع الناجح، اتصل عبود بالدكتورة تاليا، "نجحت يا دكتورة، نجحت!"
ضحكت تاليا، "كنتُ واثقة من ذلك يا عبود، أنتَ أقوى ممّا تتخيل."
كانت هذه بداية عبود الجديدة. أصبح يذهب إلى الأماكن المرتفعة، يرسم لوحات للمدينة من منظور جديد، ويحكي للجميع عن قصّته، وكيف تغلب على خوفه.
في أحد الأيام، كان عبود في زيارة إلى برج "التحدي" مرة أخرى، ولكنه لم يذهب هذه المرة من أجل العمل. كان قد أعدّ موعدًا مع فتاة اسمها سلمى، والتي التقى بها في إحدى المعارض الفنية.
صعد إلى الطابق الأخير، وكانت سلمى تنتظره. وقفا معًا أمام النافذة الزجاجية، ونظرا إلى الأفق.
"المنظر من هنا مدهش، أليس كذلك؟" قالت سلمى.
"أجل، ولكنّه يبدو أجمل عندما تتشاركينه مع شخص تحبينه."
ابتسمت سلمى، ومدّت يدها، ووضعتها على يده.
في تلك اللحظة، شعر عبود وكأنه يطير.
ولكن، لسبب ما، شعر بأنّ قدميه بدأت تنزلقان على الأرضية الزلقة. حاول أن يمسك بيدي سلمى، ولكنّها كانت أضعف من أن تثبته. صرخ عبود، ولكن الصوت لم يخرج.
أخذ عبود يسقط، وشعر بأنّ الخوف عاد إليه، ولكن هذه المرة كان أقوى من أن يتحكم فيه. كانت أفكاره تتطاير في الهواء، وعيناه مغلقتان. سمع صوتًا من بعيد، كان صوت سلمى تصرخ، وصوت الدكتورة تاليا تقول، "لا تنظر إلى الأسفل."
ولكن عبود نظر إلى الأسفل.
عندما سقط على الأرض، نظر إلى السماء، وتذكّر كلّ لحظة من حياته، تذكّر حبه للفنّ، وحبه للدكتورة تاليا، وحبه لسلمى، وحبه للحياة.
تذكّر كلّ شيء، ولكنّه لم يتذكّر كيف يتنفس.
مات عبود بفوبيا المرتفعات، ولكنه مات وهو على قيد الحياة، وهو يحاول أن يتغلب عليها.
مرضى الفوبيا بيموتوا واحد ورا التاني..
كل مريض بيموت من الشيء اللي عنده فوبيا منه
الدكتورة تاليا اعتمدت في علاجها إن المريض يقرب بالتدريج من مخاوفه..
علاج فعّال بس للأسف قفلت العيادة ورجعت أثينا بسبب تعب والدها.. ولحد النهارده المرضى بينفذوا تعليماتها
وانا بتواصل معاهم كل شهر وببلغ الدكتورة بالتطورات.. وخلال الشهر ده في حالتين ماتوا من أصل 7
ال 1 : عبود..
"يا عبود، بسررعة، لازم نستعجل."
سمع عبود صوت صديقه مراد وهو يناديه من أسفل السلالم، لكن قدميه كانتا ثابتتين في مكانهما. رفع رأسه لينظر إلى السماء، أو بالأحرى، إلى أعلى شرفة في البرج الزجاجي الشاهق أمامه. كان قلبه ينبض بعنف، وكأنّه محبوس في قفص ويريد الخروج.
"يلا يا عبود، أنتَ قدها، مش أنتَ اللي اخترت مكان الاجتماع بنفسك؟"
تذكّر عبود كلمات الدكتورة تاليا، طبيبته النفسية، "التعرّض التدريجي هو الحل، لازم تواجه خوفك، بس بشويش وعلى قد طاقتك."
قبل شهر، كان الأمر مختلفًا تمامًا. كانت نوبات الهلع تهاجمه بمجرد رؤية صورة لطائرة أو مبنى مرتفع. كان عبود، الرسام الموهوب، يعيش حياة طبيعية، لكنّه لم يكن يملك الشجاعة الكافية لمواجهة هذا الوحش الذي يسكن بداخله. بعد سلسلة من الجلسات مع الدكتورة تاليا، أقنعته بأنّ طريقته الوحيدة للتحرّر هي الاقتراب من الخوف نفسه.
بدأ بزيارة سطح مبنى منخفض، ثمّ مبنى أعلى، والآن، كان يقف أمام أكبر تحدٍّ: الاجتماع مع شركة "سكاي فيو" في الطابق الأخير من برج "التحدي". كانت الشركة قد عرضت عليه فرصة العمر، تصميم لوحة جدارية ضخمة تزين إحدى قاعات الاجتماعات، وكان عبود يعرف أنّ هذه الفرصة قد تغير حياته.
أخذ نفسًا عميقًا، وأغمض عينيه، وحاول أن يتذكّر كلمات الدكتورة تاليا: "ركّز على التفاصيل الصغيرة، على الخطوات التي تأخذها، على يدك التي تلامس الدرابزين، لا تنظر إلى الأسفل."
بدأ يصعد السلم خطوة بخطوة، وفي كلّ خطوة، كان يحاول إقناع نفسه بأنّ الأمر لا يختلف عن صعود سلم منزله. وصل إلى المصعد، ورأى وجهه الشاحب منعكسًا على بابه الزجاجي. كاد يتراجع، لكنّه تذكّر الحلم الذي رسمه لنفسه، وحبّه للفنّ، وقبل كلّ شيء، كلمات الدكتورة تاليا.
دخل المصعد، وضغط على زرّ الطابق الأخير. بدأت الأرقام تتصاعد بسرعة، وبدأ عبود يشعر بالدوار. أغمض عينيه مجددًا، وحاول أن يتخيل أنّه في مرسمه، وأنّه يرسم لوحة جديدة.
انفتح باب المصعد، ووجد نفسه في بهو واسع، تطلّ نوافذه الزجاجية على المدينة بأكملها. كانت الشمس تتلألأ على الأسطح، والسيارات تبدو كنقاط صغيرة تتحرّك ببطء في الشوارع. كانت مدينة القاهرة، التي يعرفها جيدًا، تبدو مختلفة تمامًا من هذا الارتفاع. كانت ساحرة ومرعبة في آن واحد.
اقترب من النافذة، وشعر بأنّ قلبه سينفجر. بدأ الهواء يثقل على صدره، ورأسه يدور. تذكّر كلمات الدكتورة تاليا، "إذا شعرت بالهلع، حاول أن تتنفس ببطء وعمق. عدّ حتى أربعة أثناء الشهيق، واحبس أنفاسك لثلاثة، ثمّ أخرجها ببطء."
بدأ عبود يفعل ذلك، وأخذ يغمض عينيه ويفتحهما على فترات متباعدة. نظر إلى يديه، ورأى أنّهما ترتجفان. حاول أن يرى جمال الصورة أمامه، لا رعبها. ّتخيل أنّه يرسم لوحة للمدينة من هذا المنظور، وأنّه يضيف الألوان والظلال إليها.
فجأة، لم يعد الخوف موجودًا. بل تحوّل إلى شعور مختلف. كان مزيجًا من الرهبة والدهشة والإعجاب. شعر وكأنّه فوق الغيوم، وكأنّه جزء من هذه اللوحة الفنية التي تطلّ على العالم.
في تلك اللحظة، سمع صوتًا خلفه، "هل أنتَ عبود؟"
استدار، ورأى مراد يقف بجانب رجل يرتدي حلة رسمية. "أستاذ عبود، هذا هو المدير التنفيذي لشركة 'سكاي فيو'."
ابتسم عبود، وشعر بانتصار كبير بداخله. كان قد تحدّى نفسه، ونجح.
بعد الاجتماع الناجح، اتصل عبود بالدكتورة تاليا، "نجحت يا دكتورة، نجحت!"
ضحكت تاليا، "كنتُ واثقة من ذلك يا عبود، أنتَ أقوى ممّا تتخيل."
كانت هذه بداية عبود الجديدة. أصبح يذهب إلى الأماكن المرتفعة، يرسم لوحات للمدينة من منظور جديد، ويحكي للجميع عن قصّته، وكيف تغلب على خوفه.
في أحد الأيام، كان عبود في زيارة إلى برج "التحدي" مرة أخرى، ولكنه لم يذهب هذه المرة من أجل العمل. كان قد أعدّ موعدًا مع فتاة اسمها سلمى، والتي التقى بها في إحدى المعارض الفنية.
صعد إلى الطابق الأخير، وكانت سلمى تنتظره. وقفا معًا أمام النافذة الزجاجية، ونظرا إلى الأفق.
"المنظر من هنا مدهش، أليس كذلك؟" قالت سلمى.
"أجل، ولكنّه يبدو أجمل عندما تتشاركينه مع شخص تحبينه."
ابتسمت سلمى، ومدّت يدها، ووضعتها على يده.
في تلك اللحظة، شعر عبود وكأنه يطير.
ولكن، لسبب ما، شعر بأنّ قدميه بدأت تنزلقان على الأرضية الزلقة. حاول أن يمسك بيدي سلمى، ولكنّها كانت أضعف من أن تثبته. صرخ عبود، ولكن الصوت لم يخرج.
أخذ عبود يسقط، وشعر بأنّ الخوف عاد إليه، ولكن هذه المرة كان أقوى من أن يتحكم فيه. كانت أفكاره تتطاير في الهواء، وعيناه مغلقتان. سمع صوتًا من بعيد، كان صوت سلمى تصرخ، وصوت الدكتورة تاليا تقول، "لا تنظر إلى الأسفل."
ولكن عبود نظر إلى الأسفل.
عندما سقط على الأرض، نظر إلى السماء، وتذكّر كلّ لحظة من حياته، تذكّر حبه للفنّ، وحبه للدكتورة تاليا، وحبه لسلمى، وحبه للحياة.
تذكّر كلّ شيء، ولكنّه لم يتذكّر كيف يتنفس.
مات عبود بفوبيا المرتفعات، ولكنه مات وهو على قيد الحياة، وهو يحاول أن يتغلب عليها.