NESWANGY

سجل عضوية او سجل الدخول للتصفح من دون إعلانات

سجل الان!

متسلسلة ظل العائلة ( المشاهدين 24)

TRMO

نسوانجى مبتدأ
عضو
إنضم
5 يناير 2026
المشاركات
3
التعليقات المُبرزة
0
مستوى التفاعل
0
نقاط
60
رواية: ظلّ العائلة

الفصل الأول: الهدوء الذي يسبق المدينة

كان الحيّ ينام بعينٍ واحدة.
لا ينام حقًا، بل يخفّف ضجيجه مثل وحشٍ تعوّد أن يترك باب القفص مواربًا، حتى لا ينسى الناس أنه موجود.

في تلك الليلة كانت الأنوار الصفراء تتدلّى من أعمدة قديمة، والهواء يجرّ خلفه رائحة شايٍ مغليّ ودخانٍ ثقيل، وأصوات بعيدة تتلاقى وتبتعد: ضحكة في زاوية، شتيمة مكتومة، صوت موتور توك توك يشقّ سكونًا متقطّعًا. أما الشارع الرئيسي فكان يبدّل ملامحه كل دقيقة: نفس المحلات، لكن الوجوه تتغيّر؛ نفس الأرصفة، لكن الخطوات لها إيقاعٌ مختلف عندما تمرّ بجانب رجالٍ يعرفون أن القانون هنا ليس ورقًا يُختَم، بل رجالًا يُحسَب لهم ألف حساب.

كانوا يسمّونها منطقة “الركن”… ليس لأنّها طرف المدينة، بل لأنّها ركن في القلب: إذا انهار، سقطت البقية.
وكان للركن أهلٌ لا يحتاجون أن يرفعوا صوتهم كي يتقدّم الجميع خطوة إلى الوراء.

العائلة التي حكمت الركن لم تحمل اسمها على اللافتات ولا على المكاتب الحكومية، لكنّها كانت مذكورة على الألسنة بطريقةٍ واحدة: هم “بيت السِتر”.
لقبٌ لم يأتِ من صدفة. عندما تغضب الأحياء يُخفونها، وعندما تتصارع البيوت يُصلحونها، وعندما تضيع الحقوق يُعيدونها… بثمن، أو من غير ثمن—بحسب من أنت، وبحسب مقدار الخوف الذي في عينك.

في ظاهر الأمر، كان “بيت السِتر” مجرد عائلة أعمالٍ محترمة. مكاتبهم في المدينة أنيقة، أوراقهم منظمة، مشاريعهم تُعلَّق صورها على الجدران: عمارات، طرق، مخازن، سلاسل توريد. وفي باطن الأمر كانوا يملكون شيئًا أكبر من المال: كانوا يملكون الإيقاع الذي تمشي عليه المنطقة. لا أحد يفتح محلّه قبل أن يتأكد أن الركن “هادئ”. لا أحد يقرر حربًا قبل أن يعرف إن كانت العائلة ستسمح أو تمنع. حتى الخلافات الصغيرة كانت تنتهي عندهم، لأن نهاية الخلاف عند بيت السِتر ليست مجرد صلح؛ بل إعادة ترتيب للمكانة والهيبة، مثلما يُعاد ترتيب الأثاث بعد عاصفة.

وكان على رأس بيت السِتر رجلٌ يكره الضجيج… لكنه يصنع الصمت الذي يخيف.
الحاج سليم الستراوي—هكذا يسمّيه الناس.
كان يجلس وكأنه يعرف أن الكرسي لا يرفع الرجل، بل الرجل هو الذي يرفع الكرسي. عيناه لا تتعجلان، وصوته لا يصعد إلا نادرًا. وفي كل مرةٍ يرفع فيها حاجبه كان الحيّ يتنفس بحذر، كأنّ أحدًا فتح نافذة على نارٍ مخبأة في الحائط.

لم يكن وحده، بالطبع.
لكل بيتٍ كبير أبناء، ولكل أبناء رغبات لا تتفق عادةً على طريقٍ واحد.

فارس… الابن الأكبر.
فارس كان سكينًا: حادًا، سريع الغضب، يحب أن يرى الأمور مباشرة، ويرى نفسه ظلًا لوالده لكن بقبضة أقوى. كان يعتقد أن الهيبة تُصنع بالضربة الأولى، وأن الخوف يسبق الاحترام. صوته يسبق خطواته، وحين يدخل غرفةً يملأها كأنه لا يؤمن بفكرة “المساحة للآخرين”. هو رجلُ المواجهات، وسيد القرارات العاجلة، ومحبّ النهايات السريعة—حتى إن كانت نهايات خاطئة.

مروان… الابن الأوسط.
مروان لم يكن ضعيفًا، لكنه كان إنسانًا. وهذه وحدها كانت مشكلة في بيتٍ يُدار بمنطق الحديد. يرى الوجوه قبل الأرقام، ويسمع القلوب قبل الأصوات. يعرف أن كثيرًا مما تفعله العائلة ضروريٌ كي لا ينفلت الحيّ، لكنه لا يحب أن ينام وهو يشعر أن أحدًا داس على رقبة آخر. مروان يختنق من الداخل بصمت، ويبتسم من الخارج كي لا ينفجر كل شيء. كان عادلًا أكثر مما ينبغي في مكانٍ لا يربح فيه العدل وحده.

زياد… الأصغر.
زياد كان نارًا في ثوبٍ جديد. يكره أن يُؤمر، ويكره أن يُقارن، ويكره أن يُقال له “اصبر”. يريد أن يثبت نفسه بسرعة، وأن ينتقم من ظل فارس الطويل ومن مكانة مروان “الطيبة”. يعشق المخاطرة لأن المخاطرة تُشبهه: لا تقف في مكانٍ واحد. وفي كل مرةٍ يُحاول أن يلمع يحترق قليلًا… لكنه يضحك. كأنه يخاف من الاعتراف أن داخله هشّ.

ثم كان هناك آدم.
الاسم وحده لا يشي بشيء، لكنه يشي بكل شيء عندما يلتصق به الهدوء.

آدم لم يكن من النوع الذي يشتبك في الكلام. لم يكن يسعى إلى نظرة إعجاب، ولا يطلب تصفيقًا. كان يشبه بابًا مغلقًا بإحكام: لا تعرف ما وراءه، ولا تعرف حتى إن كان هناك شيء وراءه… وهذا ما يجعل الناس تتخيل الكثير.
أكثر ما يزعج البشر في آدم أنه يجعلهم يشعرون أنهم يتكلمون كثيرًا.
وأكثر ما يخيفهم أنه عندما يتكلم، لا يقول إلا ما يجب.

كان آدم قويًا؛ لكن ليس بالطريقة التي تتباهى بها الأفلام. قوته أشبه بسلكٍ مخفي داخل جدار: لا تراه، لكنك تعرف أنه يمسك البناء. جسده يتحرك كأنه تعلّم أن يوفّر طاقته للموقف الصحيح. لا يتأخر في الدفاع عن نفسه، لكنه لا يبحث عن معركة كي يثبت شيئًا. الفنون القتالية عنده ليست هواية، بل “ضرورة احتياطية”، مثل سلاحٍ لا يُخرَج إلا إذا كانت كل الأبواب مغلقة.

أما عقله… فكان سلاحه الحقيقي.
كان يحلل المواقف كما يحلل الجراح جرحًا: يبحث عن السبب لا عن الألم. يراقب التفاصيل الصغيرة التي يمر عليها الآخرون: ترتيب الجمل، توقيت اتصالٍ هاتفي، شخصٌ وقف عند الباب أكثر مما ينبغي، سيارةٌ زجاجها غامق في شارعٍ يعرف فيه الناس بعضهم من صوت الأقدام. كان يرى الخيوط قبل أن تتحول إلى عقدة، ويرى العقدة قبل أن تتحول إلى كارثة.
وفي داخله كانت هناك “خريطة” لا يراها أحد: خريطة للركن والمدينة وما حولهما. من يحكم من؟ من يخاف من؟ من يحتاج لمن؟ من يبيع؟ من يشتري؟ من يتظاهر بالولاء كي يطعن؟
آدم يعرف… ويصمت.

كل هذا لم يكن واضحًا للناس. لأن آدم تعمّد ألا يكون واضحًا.
في البيت كان قليل الكلام. في الشركة كان حاضرًا بلا ضجيج. وفي العائلة كان وجوده يُشبه “الشيء الذي لا يراه أحد لكن الجميع يحسب حسابه دون أن يعترف”.

حتى بين إخوته لم يكن أحد يعرفه حقًا. فارس كان يراه باردًا أكثر من اللازم، ويكره فيه أن الهدوء لا يُهزم بسهولة. مروان كان يثق فيه، لكنه يحس أحيانًا أن آدم يحمل في صدره غرفة مغلقة لا يدخلها أحد. زياد كان يغار منه؛ ليس لأن آدم يأخذ اهتمام الأب، بل لأن آدم لا يطلب اهتمامًا أصلًا—وهذا وحده يجعله خطرًا.

في صباح اليوم التالي، لم تبدأ الأزمة من داخل البيت ولا من الشركة، بل من السوق.
السوق في الركن ليس مكانًا للبيع فقط، بل مرآة للنفوذ: إذا اهتزّ السوق اهتزّ كل شيء.
حدث شيء بسيط ظاهريًا: باب مخزن كبير انخلع، بعض البضاعة بعثرت، وترك أحدهم علامة سوداء على حائط جانبي كأنها توقيع.

علامةٌ صغيرة… لكنها قالت للحيّ كل شيء: “هناك لاعب جديد”.

وصل فارس إلى السوق كما يصل العاصفة إلى ساحة ضيقة. غضبه كان يسبق خطواته، وتهديداته تتطاير كشررٍ يصيب كل من يقف قريبًا. الناس تراجعت، ليس احترامًا… بل خوفًا من أن يصبحوا جزءًا من المشكلة.

مروان حاول أن يمسك طرف الحكاية من دون أن يقطع أصابع الناس، فكان يطمئن هنا ويهدئ هناك. زياد لم يطق الهدوء فتشاجر مع رجلٍ اتهمه بالتقصير، وكادت شتيمته تتحول إلى يدٍ مرفوعة لولا أن أحد رجال البيت جذب زياد للخلف.

أما آدم فلم يرفع صوته ولم يلوّح بيده.
كان ينظر.

وقف عند العلامة السوداء على الحائط. لم يلمسها أولًا. اقترب فقط. شمّ رائحة المادة. لاحظ أنها ليست طلاءً عاديًا. نوعٌ سريع الجفاف، يُستخدم عادةً في الكتابة السريعة على الأسطح المعدنية… كأنه توقيعٌ يريد صاحبه أن يتركه ويهرب في اللحظة نفسها.

ثم التفت آدم إلى الأرض.
وجد آثار حذاء جديد فوق ترابٍ قديم، وآثار عجلة سيارة لم تظل طويلًا، وبقايا ورق سجائر من نوعٍ لا يشتريه أهل الركن عادةً. هذه الأشياء لا تعني شيئًا لمن يصرخ… لكنها تعني كل شيء لمن يصمت.

اقترب من بائع شاي كان يقف على مسافة كأن المكان لا يخصه.

سأله آدم بهدوء عن الليلة الماضية: هل مرّت سيارة؟ هل وقف أحد؟ هل اشترى أحدٌ شايًا؟
البائع تردد، كأن الكلمات لها ثمن. ثم قال إن سيارة سوداء بزجاجٍ غامق توقفت قليلًا، وأن واحدًا فقط نزل منها، لم يطل، ولم ينظر حوله كثيرًا—وهذا في الحيّ دليل على أنه يعرف أنه لن يُعرَف.

آدم لم يسأل أكثر.
لم يقل: “إذًا هم غرباء.”
لم يقل: “إذًا نحن في حرب.”
هو فقط سكت، لأن الاستنتاجات داخله كانت قد اكتملت.

في المساء، عاد بيت السِتر إلى سفرة كبيرة، ومشهد عائلي يبدو طبيعيًا لمن ينظر من الخارج. لكن المائدة كانت مثل سطح بحيرة: هدوءٌ يخفي تحته تيارًا شديدًا.
الأب كان صامتًا أكثر من المعتاد. فارس يتحدث كأنه يطرد خوفه بالكلام. زياد يضحك ضحكة فيها شيء من التحدي. مروان يراقب الوجوه كمن يحاول أن يمنع الانفجار بكفّيه.

آدم كان يأكل قليلًا. عيناه لا تُسافر بعيدًا، لكنها تلتقط كل حركة: سكين على طبق، كوب ماء يرجف عندما يمر اسم “السوق”، نفسٌ طويل يخرج من صدر الأب حين يصمت الجميع فجأة.

ثم قال الأب جملة واحدة جعلت الهواء أثقل:
“الليلة… حد هييجي يطلب قعدة.”

لم يشرح. لم يقل من. لم يقل لماذا.
الجملة وحدها كانت كافية لتُفهم: من يطلب قعدة عند بيت السِتر لا يأتي ليشرب الشاي فقط. يأتي وهو يحمل في جيبه ورقة أو تهديدًا أو عرضًا يجعل الكبار يصمتون.

لم يعلّق آدم.
لكنه رفع عينه للحظة نحو الأب.
وفي تلك النظرة كان اتفاقٌ غير مكتوب: “أنا فاهم”.

وجاء الرجل.

اسمه نادر، أو هكذا قال.
لم يدخل القهوة كمن يدخل معركة، بل دخل كمن يعرف أن المكان سيُفرغ له مساحة حتى لو لم يطلب. كان هادئًا، مبتسمًا ابتسامة صغيرة لا تحمل ودًا بل تحمل ثقة. ثيابه بسيطة لكنها من نوعٍ لا ينتمي للركن. عيناه لا تتوهان في الوجوه؛ كأنه يختار من ينظر إليه بعناية.

جلس وقال مساء الخير للحاج سليم كما لو كان يعرفه منذ سنوات.
ثم قال إنه جاء “ليشرك” لا “ليأخذ”، لكن الشراكة لها نسبة.

كلمة “نسبة” في الركن ليست كلمة اقتصادية؛ إنها كلمة سُلطة.
فارس تحرك مثل حيوانٍ أُطلق من قفصه، لكن الأب أوقفه بإشارة واحدة.
مروان شعر أن الدم نزل من وجهه.
زياد ابتسم ابتسامةٍ ضيقة كمن يحب رؤية النار.

آدم ظل كما هو.
لم يتحرك، ولم يبتسم، ولم يضيق عينيه. لكنه كان يسمع نبرة الرجل أكثر مما يسمع الكلمات. نادر لم يأتِ ليبيع عرضًا؛ جاء ليختبر الهيبة.

ثم قال نادر إن شحنة الحديد الخاصة بمشاريع بيت السِتر لن تصل بعد ثلاثة أيام.

هذه ليست تهديدًا فقط.
هذا إعلانٌ بأن أحدًا يملك القدرة على تعطيل شريان المال… وفي بيت السِتر تعطيل المال يعني إعلان حرب.

هنا، تكلم آدم.
قال ببساطة: “الشحنة هتوصل.”

كلمة واحدة قلبت زاوية الجلسة.
لأنها لم تكن تحديًا صاخبًا، بل كانت يقينًا.
ونادر—الذي اعتاد أن يرى الرجال يرفعون أصواتهم—توقف عند هذا اليقين كما يتوقف شخصٌ أمام بابٍ لم يفتح له.

سأل نادر: “إزاي؟”
وآدم لم يشرح.
قال فقط إن من يقطع الطريق ليس هو من يملك المخزن. وإن نادر يتكلم كأنه يملك الاثنين.
كانت جملة قصيرة… لكنها أصابت نقطة في قلب الخطة.

لأول مرة اهتزّت ابتسامة نادر.
ليس اهتزازًا كبيرًا، لا يراه إلا من يعرف قراءة الوجوه.
والغريب أن آدم رآه، والأب رآه أيضًا.

نهض نادر وقال: “بعد ثلاثة أيام… نشوف.”
ثم خرج.

خرجت القعدة من القهوة لكن القهوة لم تعُد كما كانت.
في الركن، الكلمة لا تموت عند باب القهوة، بل تمشي في الشوارع بسرعة الدخان.

وفي الطريق إلى البيت اشتعل فارس كما يشتعل البنزين: يريد أن ينهي الأمر الليلة.
مروان خاف من الحرب.
زياد أراد أن يثبت نفسه بأي طريقة.
أما آدم فقال شيئًا بدا بسيطًا لكنه كان خطًا فاصلاً:
“لو ضربناه دلوقتي… يبقى لعبنا لعبته.”

فارس نظر إليه بعينين تقولان: “ومن أنت لتُعلمني؟”
آدم لم يرد بعنف. قال فقط إنه ليس أذكى… بل “مش مستعجل”.

كانت هذه العبارة… واحدة من أخطر ما يمكن أن تسمعه في لعبة كبيرة.
لأن المستعجل يموت بسرعة.
والذي لا يستعجل… يعيش طويلًا، ويختار متى يقتل اللعبة كلها.

في ساعة متأخرة، خرج آدم وحده.
لم يقل أين يذهب.
لم يسأل أحد.
وهذا كان جزءًا من الغموض الذي صنعه: أن وجوده لا يفسَّر، وغيابه لا يُسأل عنه.

وصل إلى بابٍ حديدي في مكانٍ مهجور. لم يكن المكان مخيفًا من الخارج. بل كان عاديًا جدًا… وهذا ما يجعله مثاليًا.
فتح أكثر من قفل كما لو كان يدخل إلى طبقةٍ جديدة من نفسه.

في الداخل كانت غرفة ليست فخمة ولا مزينة. لكنها مرتبة بطريقةٍ دقيقة كأن كل شيء فيها محسوب بالملليمتر.
خريطة كبيرة للركن معلّقة على الجدار، وعلى الخريطة دبابيس صغيرة وأوراق مقصوصة وأسماء مكتوبة بخطٍ ثابت.
ملفاتٌ داخل أدراج مقفولة.
دفتر أسود موضوع على المكتب، كأنه قلبٌ مكتوب.

فتح آدم الدفتر على صفحةٍ تحمل اسم “نادر”.
الغريب أن الصفحة لم تكن جديدة. كانت هناك ملاحظات قديمة، وبعض السطور ممزقة أو مشطوبة، كأن آدم كان يعرف أن هذا الاسم سيأتي يومًا… لكنه كان يؤجل لحظة التقاطع.

أخرج من درجٍ مغلق صورة لنادر.
الصورة ليست واضحة كصور الصحافة؛ هي لقطة أقرب إلى صور المراقبة، أو صورة التقطت بعيدًا.
يعني أن آدم لم يلتقطها في القهوة… بل كانت عنده قبل اللقاء.

ثبت الصورة، ثم كتب سطرًا واحدًا:
“الهدف الحقيقي: كسر صورة الحاج سليم قدام الركن.”

ثم رفع سماعة هاتفٍ قديم—خطٍ لا يظهر على أي فاتورة.
قال بهدوء لا يحمل استعجالًا:
“عايز أعرف… نادر خرج منين… ومين اللي وراه.
وبلاش أي حركة تتربط بيا.”

جاءه الرد من طرفٍ غير واضح، صوتٌ لا يحمل دهشة، كأن هذا النوع من الطلبات طبيعي: “حاضر.”

أغلق آدم الهاتف، نظر إلى الخريطة طويلًا، ثم وضع دبوسًا جديدًا في منطقة صغيرة على طرف الركن، وألصق بجانبه ورقة مكتوب عليها كلمة واحدة:
“البداية.”

في الصباح التالي بدأت الضربة الأولى.
شاحنة صغيرة تابعة لمشاريع بيت السِتر خرجت في طريقها كالمعتاد، يرافقها رجال فارس. كانت الأمور تبدو طبيعية، لكن عين آدم—حتى وهو بعيد—كانت تشعر أن هناك خللًا في الهواء.

على سطحٍ بعيد، كان هناك من يراقب.
رجالٌ يختبئون في الظلال كما يختبئ الذئب خلف شجرة.
جهاز لاسلكي يهمس: “استنوا الإشارة.”

وفي لحظة… أُغلق الطريق.

لم يكن إغلاقًا رسميًا ولا كمينًا حكوميًا.
كان إغلاقًا “بأسلوب الحي”: عربيات توقفت بطريقةٍ مدروسة، رجال ظهروا من زوايا لم يكن أحد يلتفت لها، وجوه جديدة تحمل نفس النظرة: نظرة من يعتقد أنه جاء ليأخذ مكان أحد آخر.

صرخ فارس في اللاسلكي: “مين دول؟!”
كأن السؤال وحده سيُرجع الهيبة.

وفي نفس اللحظة، كان آدم في مكانه السري، يفتح درجًا آخر.
داخل الدرج ملفٌ مكتوب عليه بخطٍ واحد:
“الطريق البديل — جاهز.”

قرأ العنوان كمن يتأكد أن الخطة ما زالت في مكانها الصحيح.
ثم رفع رأسه، وعيناه هادئتان إلى حدٍّ يزعج.

لم يقل: “سننتصر.”
لم يقل: “أنا أعرف.”
قال في نفسه—كأنها حقيقة لا تحتاج إعلانًا:
“مش هتتاخد مني.”

وعندما انطفأت الصورة على الطريق المغلق، لم يكن هذا نهاية المشهد…
كان بداية لعبة طويلة، لعبة تُدار فيها الحروب بقدر ما تُدار فيها الأسرار.
والأخطر من الحرب… هو أن يكون هناك شخصٌ واحد في قلبها، يمسك الخيوط كلها… ولا يعرف أحدٌ كيف بدأ.

نهاية الفصل الأول.
 
نسوانجي كام أول موقع عربي يتيح لايف كام مع شراميط من أنحاء الوطن العربي

المواضيع المشابهة

عودة
أعلى أسفل
0%