NESWANGY

سجل عضوية او سجل الدخول للتصفح من دون إعلانات

سجل الان!

الظل القاسي ( المشاهدين 3)

الظل القاسي

نسوانجى بادئ الطريق
عضو
إنضم
23 يناير 2026
المشاركات
8
التعليقات المُبرزة
0
مستوى التفاعل
0
نقاط
40
لم يكن أحد يعرف اسمه الحقيقي. في الأزقة التي لا تعترف بالضوء، كانوا ينادونه الظلّ القاسي. لم يكن يرفع صوته، ولا يلوّح بقبضة، لكن حضوره كان كافيًا ليُعيد ترتيب الأنفاس. كان يؤمن أن القوة لا تُستعرض، بل تُمارَس بهدوءٍ يجعل الآخر يختار الخضوع وكأنه قراره.
هي جاءت من عالمٍ هشّ، خطواتها محسوبة، وعيناها لا تلتقيان بعينٍ طويلًا. لم تكن ضعيفة؛ كانت متعبة. حين وقفت أمامه أول مرة، لم يطلب منها شيئًا. اكتفى بأن أزاح الكرسي المقابل ببطء، وقال:
“اجلسي إن شئتِ.”
جلست.
كان يعرف أن الخضوع يبدأ من المساحة التي يُعطيها لا من الأوامر التي يطلقها. ترك الصمت يعمل. الصمت كان أداته الأثقل. هي حاولت أن تملأ الفراغ بكلمات، لكنه أشار بإصبعه إشارة صغيرة فتوقفت. ابتسم ابتسامة لا تُطمئن ولا تُهدد.
قال: “القسوة ليست أن أضغط عليكِ. القسوة أن أُريكِ أنكِ قادرة على الوقوف هنا… ثم أختار أن أقترب.”
ارتجفت، لا خوفًا، بل إدراكًا. كانت تبحث عن حدود، وهو يرسمها دون طبشور. كل خطوة منه كانت محسوبة، كل التفاتة مدروسة. لم يلمسها. ومع ذلك شعرت بثقل حضوره كما لو كان يمسك زمام اللحظة بيدٍ غير مرئية.
مع الأيام، صار اللقاء طقسًا. هو يضع القواعد دون أن ينطقها كاملة، وهي تلتقطها بحدسٍ صار حادًا. إذا تأخرت، انتظر. إذا أخطأت، صحّح بصوتٍ منخفض. كان ساديته في السيطرة على الإيقاع: متى يبدأ الكلام، متى ينتهي، ومتى يُترك السؤال بلا جواب.
سألته مرة، بصوتٍ خافت: “لماذا أنا؟”
أجاب بعد صمتٍ طويل: “لأنكِ لا تطلبين النجاة… بل النظام.”
لم يكن يُذلّها. كان يجرّدها من الفوضى. ذلك كان أقسى. حين تُسلِّم الفوضى، تشعر بالخفة، وتخاف منها في آنٍ واحد. كانت تخرج من عنده مستقيمة الظهر، كأنها استعادت وزنها الحقيقي.
وفي ليلةٍ مطرية، تأخرت كثيرًا. دخلت مرتبكة. نظر إليها نظرة واحدة، ثم قال: “اليوم، لا كلمات.”
أومأت. جلست حيث اعتادت. تركها مع أفكارها، ومع صوت المطر. القسوة هنا لم تكن فعلًا، بل حرمانًا. تعلمت أن الخضوع ليس فقدانًا للكرامة، بل اختيارًا ليدٍ تمسك الدفّة حين تتلاطم الأمواج.
عندما همّت بالرحيل، قال دون أن يلتفت: “تذكّري… الظل لا يُمسككِ. أنتِ من تقفين فيه.”
توقفت لحظة، ثم ابتسمت لأول مرة.
بقي هو في مكانه، ظلًّا قاسيًا يعرف أن أقصى درجات السيطرة هي أن تجعل الآخر يعود أقوى، وهو يظن أنه انحنى.
 
نسوانجي كام أول موقع عربي يتيح لايف كام مع شراميط من أنحاء الوطن العربي

المواضيع المشابهة

عودة
أعلى أسفل
0%